هل يتمكن المالكي من حلّ المليشيات العراقية؟
عبد الحسين شعبانهل يتمكن المالكي من حلّ المليشيات العراقية؟ طرح رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في برنامجه ثلاث قضايا مهمة واساسية لاحداث التطبيع المنشود في الحياة السياسية. الاولي تتعلق بوضع حد للفلتان الامني، وصيغت خطة امن بغداد رقم (1) ورقم (2) علي اساسها. والثانية تختص بمشروع المصالحة الوطنية ، وجرت تحركات واتصالات ومؤتمرات لاخراجها ووضعها علي بساط البحث، رغم الاشكالات العديدة التي تعترضها لجهة تحديد طبيعة المصالحة والقوي المستهدفة او المستثناة منها وآفاقها. والثالثة شملت موضوع حل الميليشيات، وذلك بفعل القرار 91 الذي اصدره بول بريمر الحاكم المدني الامريكي للعراق، وحاولت حكومة الدكتور اياد علاوي اعتماده لكنها جوبهت بعقبات منهجية وعملية فآثرت الابتعاد عنه. دعوة المالكي حل الميليشيات استندت الي الدستور، الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الاول (اكتوبر) 2005، وجرت الانتخابات في 15 كانون الاول (ديسمبر) 2005 علي اساسه، حيث حظرت المادة التاسعة منه تكوين الميليشيات العسكرية خارج اطار القوات المسلحة. وحين اعلن المالكي خطته او لنقل بشكل ادق، رغبته (اذ لا توجد خطة واضحة حتي الان)، اكد ان حمل السلاح هو مسؤولية الدولة وواجبها وحدها، ولا يمكن احداً ان يحمل السلاح بالاشتراك مع الحكومة، وليس هناك من مسمّي او حزب او جهة من حقها حمل السلاح!واذا كانت القضايا الثلاث في برنامج المالكي صحيحة من حيث المبدأ، الا انها تتطلب استراتيجيا وظروفا واوضاعا عامة وخاصة، موضوعية وذاتية، لوضعها موضع التطبيق. ورغم حساسية الموضوعات المطروحة للبحث، الاّ انها ظلت في الاطار العمومي، وكلما توغلنا في النقاش التفصيلي (الشيطان يكمن في التفاصيل) كلّما اكتشفنا الصعوبات البالغة والعقبات الكاداء، ازاء اوضاع معقدة ومتداخلة بل متشابكة. فالامن الذي يعتبر القضية الرقم واحد، لم تتم استعادته بل ازدادت الامور سوءا، وخصوصا خلال الشهرين الاخيرين وهو ما تنقله الصحافة الامريكية والغربية قبل غيرها. وشهد العراق خلال الشهرين الماضيين، مقتل ما يزيد عن 10 آلاف شخص، وقالت مصادر امريكية (احصائية لانسنت الطبية وجامعة جونز هوبكنز) ان ضحايا العراق بلغت 650 الف عراقي منذ الاحتلال عام 2003 حتي الآن. ورغم ان الرئيس بوش انتقد هذه التقديرات، وقال ان العدد المعقول قد يصل الي 50 الفاً، الاّ ان هذا العدد في تزايد، كما بلغ عدد ضحايا الجانب الامريكي نحو ثلاثة آلاف شخص، وخلال الشهر الماضي وحده (شهر رمضان) بلغت 86 شخصا.واعترفت الولايات المتحدة بفشل الخطة الامنية، وخصوصا بانتشار ظاهرة الجثث المجهولة الهوية، وعدم قدرة حكومة المالكي علي احتواء موجة العنف الطائفي، وبان الخطر اليوم هو من الميليشيات بما فيها شبه الرسمية ، او تلك التي يمكن اعتبارها من المقاومة او من قوي الارهاب بمن فيهم جماعة الزرقاوي حتي بعد مقتله.ودعا الرئيس بوش الي اعتماد خطط وتكتيكات جديدة بسبب الاوضاع الامنية المتدهورة وذلك خلال اجتماعه بكبار مساعديه ومستشاريه السياسيين والعسكريين والامنيين بمن فيهم السفير الامريكي في العراق زلماي خليل زاد.اما المصالحة الوطنية فانها حتي الآن تتقدم خطوة وتتاخر خطوتين، وتدور في الاطار ذاته او حول نفسها. ورغم مؤتمر العشائر ومؤتمر المجتمع المدني وقوي وفاعليات اخري لعل آخرها مؤتمر مكة، فان الحصيلة لم تستطع ايقاف دولاب الدم ووضع حد للعنف المنفلت من عقاله.واذا كانت مباديء مؤتمر مكة العشرة ايجابية من حيث الجوهر والمضمون، الاّ ان الامر لا يتعلق باجتماع بعض رجال الدين وجلّهم من السياسيين وليسوا علماء . وحتي لو اجتمع العلماء فاية قوة سحرية لديهم لكي تصغي الميليشيات والقوي الارهابية او المقاومة اليهم، طالما ظل الاحتلال جاثما علي الصدور ومتحكّما بالمصائر، بما في ذلك الحكومة العراقية المنتخبة ؟!حتي الآن لم تخبرنا حكومة المالكي اي الطرق ستسلك لحل الميليشيات: هل ستختار الطريق السياسي؟ اي عبر اقناع قيادات الاحزاب، التي تمتلك ميليشيات لحلها وتالياً نزع سلاحها، وماذا لو رفضت هذه الاحزاب وغالبيتها حاكمة حل ميليشياتها؟ هل سيضطر المالكي لاختيار الطريق العسكري؟ اي سحق الميليشيات؟ ولكن باي جيش وعبر اية قوات مسلحة ووفقا لاية ارادة سياسية، اذا كانت القوي الميليشيوية هي الخصم والحكم ؟! وبمن سيبدأ؟ واذا افترضنا ان حكومة المالكي استطاعت انجاز احد الحلين السياسي او العسكري، فما هو السبيل لاحتواء افراد الميليشيات؟!هل هناك خطة لادماجهم بالقوات المسلحة، واي خطر سيترتب علي معايير الكفاية والمهنية، ناهيكم عن الوطنية، الاساس في اي جيش او قوات مسلحة؟ واذا ذهبنا بعيدا وقلنا ان قيادات الاحزاب استجابت لنداءات الحل ذاتيا او طوعيا، فكيف السبيل لاستيعاب افراد الميليشيات في اجهزة الدولة كافراد وليس كمجموعات وقسم كبير منهم بدون مؤهلات!؟ولعل مشكلة الميليشيات تبدو مستعصية او عويصة في ظل غياب الدولة ومرجعيتها وهيبتها وقوتها العسكرية، وفي ظل سياسات التخبّط والتشظي والتفتت (اعلان فصل ثلاثة آلاف من مستخدمي وزارة الداخلية واكتشاف ان عددا منهم يعملون مع الارهابيين او فرق الموت) وكذلك في ظل تصاعد الاحتقان الطائفي والمذهبي والاثني، ونهج التطهير، الذي طاول ما يزيد عن ربع مليون انسان، في حين ما زال قانون الاقاليم مصدر اختلاف جذري، رغم موافقة البرلمان عليه (بغالبية صوت واحد)، وقد ينفجر مع الالغام الكثيرة التي تتعلق بتعديل الدستور.اذن المشكلة لا تكمن في قرار سياسي من رئيس الوزراء المالكي، بل تتطلب اتفاقا حاسما بين الفرقاء (علي الاقل الاحزاب الممثلة في الحكومة) لحل الاجنحة العسكرية التابعة لها، فالامر يتعلق بمشكلة الحكم ككل خصوصا في ظل الاستقطابات والاجندات والامتدادات الدولية والاقليمية والمخاوف المحلية.واذا كان الحل السياسي مفقودا في ظل حكومة تعطلها وتضعفها الي حد الانهاك سياسة التوافق غير المنطقي احيانا، فهل يمكن ترجيح الخيار العسكري؟ ام انه سيكون بالضرورة متعذّرا، لان المشكلة سياسية قبل ان تكون عسكرية؟العقبة الاساس في طريق حل الميليشيات تكمن في تفضيل ما هو ذاتي علي حساب ما هو موضوعي . فالاطراف الحاكمة صاحبة الميليشيات لا تريد ذلك وكل صاحب ميليشيا يعتز بها (كل حزب بما عندهم فرحون)، ولتذهب الدولة الي الجحيم (الجحيم هم الآخرون علي حد تعبير سارتر)، خصوصا مع تصاعد النزعات المذهبية والاثنية والعشائرية والجهوية والتجزيئية والتقسيمية. الحركة الكردية لديها البيشمركة، التي ساهمت من العام 1961 وحتي 2003 في التصدي للحكومات المتعاقبة والدفاع عن الحركة الكردية، وكوّنت جيشا محليا منذ اواخر 1991، حين سحب النظام العراقي السابق قواته وادارته من منطقة كردستان، وقامت الجبهة الكردستانية وذراعها العسكرية البيشمركة بملء الفراغ السياسي والاداري والامني. وخلال الخمسة عشر عاما الماضية انشأت جيشا تطور رغم الاقتتال الكردي ـ الكردي (1994 ـ 1998)، وانقسام المنطقة الكردية قسمين (الاول يعود الي الاتحاد الوطني الكردستاني وعاصمته السليمانية، اما الثاني فعاصمته اربيل ويعود الي الحزب الديموقراطي الكردستاني) الا ان البيشمركة اصبحت تدريجا كيانا عسكريا (اقرب الي وزارة دفاع ناشئة حديثا) وسميت وزارة البيشمركة. تقول الحكومة الكردية وممثلوها: ان البيشمركة جيش نظامي له خصوصية وليسوا ميليشيا (اي لم يعودوا ميليشيا) ويمكن ان يكونوا جزءا من الحرس الوطني في اقليم كردستان، خصوصا بعد توحيد الادارتين الكرديتين. ويستندون في ذلك الي نص الدستور العراقي ومشروع الدستور الكردستاني، وهم يرفضون بشكل قاطع اية وحدات عسكرية تابعة للحكومة الفيديرالية الاتحادية ، وبهذا المعني فان البيشمركة هي جيش مستقل او اقرب الي ذلك، في كل تركيبته، فكيف السبيل الي حل الميليشيات الكردية، اذا كانت جيشا؟!اما قوات بدر ، التي تأسست في اواسط الثمانينات في ايران (خلال الحرب العراقية ـ الايرانية) وهي تابعة للمجلس الاسلامي الاعلي بقيادة السيد محمد باقر الحكيم، والذي خلفه اخوه السيد عبد العزيز الحكيم بعد مقتله في النجف (آب/ اغسطس 2003) فانها حسب اوساطها تحولت حزباً او منظمة سياسية ولها ممثلون في البرلمان وهي بقيادة هادي العامري. فهل يستطيع المالكي حل حزب سياسي اسلامي وان اختفت وراءه ميليشيات!؟ الميليشيات الاخري هي جيش المهدي التابع للسيد مقتدي الصدر، الزعيم الشاب الذي اعلن تاسيسه في تموز/ يوليو 2003، واختار اسما له دلالة رمزية شيعية، المهدي المنتظر اي صاحب الزمان، الحجة الغائب عجّل الله فرجه ، كما تقول الدعوات الشيعية المتدينة!! والسيد الصدر يرفض اعتبار جيشه رغم تشكيلاته واسلحته جيشا عسكريا، بل هو جيش عقائدي ويقول ان قرار حله بيد المرجعية ، ولا ادري ان كان يقصد السيد السيستاني، وما اذا كان بمقدور المرجعية اتخاذ قرار بحل جيش المهدي او قوات بدر ؟ وهل سيمتثل الزعيمان الصدر والحكيم لذلك؟ ولعل ذلك ما استهدفه المالكي من زيارته للسيد السيستاني في النجف اخيراً، وقد يكون حمل معه مراراته وشكاواه!لعل المسالة ابعد من ذلك بكثير، فمجموعة السيد مقتدي الصدر، التي ينتسب اليها جيش المهدي مشاركة في الحكومة والبرلمان، وان كانت تتصرف خارجهما في الكثير من الاحيان، وهي لا تختلف عن المجموعات الشيعية الاخري في توجهاتها الاساسية، بل لعلها اكثر تشددا في نهجها باستثناء موقفها من الاحتلال الذي تدعو الي انهائه، وذلك ما يميزها. اما الميليشيات التي تنتسب الي المقاومة، فيمكن الاشارة الي الجيش الاسلامي و كتائب ثورة العشرين و مجلس شوري المجاهدين وغيرها، فهذه كلها فصائل خارج العملية السياسية وبعضها لا يرغب في الحوار مع الحكومة، ناهيكم عن نزع سلاحه، وقد يفضل التفاوض مع الاحتلال، خصوصا انه يعتبر العراق منقسما بين الاحتلال وتوابعه من جهة، والمقاومة وانصارها من جهة اخري. اي بين من يحكم ومن يقاوم. ولعل هناك اشارات واستفهامات حول دور القوي الارهابية والتكفيرية وبعض المتورطين، الذين لا يرغبون باية مصالحة، وان ادّت الي انهاء الاحتلال، طالما انها لا تخدم مصالحها الضيقة ومشروعها المتعصب والمتطرف!العقبة الاخري هي استغلال الظروف القاسية التي يعيشها العراق وتفشي ظاهرة الارتزاق. وهي حالة هيمنت علي بعض الميليشيات، فمثلا هناك قوة حماية المنشآت النفطية وقوة حماية المنشآت الكهربائية وقوة حماية الوقف الشيعي وقوة حماية الوقف السني، وهذه القوي تجد من مصلحتها استمرار الوضع الامني متدهورا، والاّ فان عملها سينتهي وهي تحصل علي ملايين الدولارات. وسببت هذه الظاهرة بالانقسامات الحاصلة في بعض الميليشيات والتي بلغت نحو 25 مجموعة، بعضها يستهدف الحصول علي المال او البحث عن عمل او وظيفة، خصوصا ان الانخراط في الميلشيات لا يحتاج الي اية مؤهلات. وشهد جيش المهدي اكثر من انقسام، اضافة الي بعض الميليشيات التابعة للعشائر، التي تشكلت تحت باب حماية مناطقهم والحصول علي الدعم والسعي للحصول علي مراكز سياسية.واود هنا التنويه الي مشكلة خطيرة اخري، فمع افتراض امكان حل الميليشيات، كيف السبيل لاحتواء افرادها، خصوصا ان غالبيتهم من الشباب وقسم كبير منهم من المحرومين الذين انخرطوا في العمل المسلح سعيا لتوفير لقمة العيش في ظل انتشار البطالة، ولا يمكن تالياً رميهم الي الشارع بدون توفير فرص عمل لهم بما يتناسب مع مؤهلاتهم البسيطة!؟ والاهم من ذلك كيف سيتم تاهيلهم واعادة دمجهم بالمجتمع، خصوصا ان بينهم الكثير من المرتكبين الذين عاشوا علي رائحة الدم ومشاهد قطع الرؤوس وجزّ الاعناق؟! فهل سيستطيع المالكي انجاز مشروعه بحل الميليشيات رغم العقبات والعراقيل من الحلفاء قبل الخصوم والاعداء؟ ام ان المشكلة عويصة بل مستعصية في ظل الاوضاع الراهنة؟!ہ كاتب من العراق يقيم في لندن8