لندن ـ «القدس العربي»: لا صوت في هذه اللحظات في وسائل الإعلام الرياضية الإسبانية والعالمية يعلو فوق مباراة كلاسيكو الأرض، التي ستجمع برشلونة بغريمه الأزلي ريال مدريد على ملعب «مونتغويك» مساء اليوم الأحد في ختام مواجهات الجولة الخامسة والثلاثين للدوري الإسباني، فيما يصفها المحيط الإعلامي الأبيض، بالمباراة الثأرية بالنسبة للمدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي ورجاله، بعد التجرع من مرارة الهزيمة أمام كتيبة المدرب الألماني هانزي فليك في آخر 3 مباريات كلاسيكو في مختلف المسابقات، إلى جانب حاجة الفريق المدريدي الماسة للثلاث نقاط بأي ثمن، وذلك بطبيعة الحال لتقليص الفارق مع العملاق الكتالوني إلى نقطة واحدة في آخر 3 أسابيع، أما أي نتيجة أخرى، فبنسبة كبيرة ستضع أصدقاء لامين يامال على الشاحن، قبل إعلان تتويجهم بلقب الليغا رقم 28 في تاريخ النادي، كثالث لقب سيدخل خزائن النادي هذا الموسم، بعد الحصول على الكأسين السوبر الإسباني وملك إسبانيا، وأيضا على حساب اللوس بلانكوس بالتخصص، وفي هذا التقرير دعونا نستعرض حظوظ الكبيرين في تحقيق الفوز وتوابع النتيجة على كلا المدربين.
أكون أو لا أكون
هكذا سيكون شعار الميستر كارليتو عندما تطأ قدماه الملعب الأولمبي في الإقليم الكتالوني، كيف لا وهي فرصته الأخيرة لحفظ ماء وجهه أمام جماهير اللوس بلانكوس في نهاية مغامرته الثانية مع الفريق، بعد فشله الذريع في التعامل مع إستراتيجية العقرب الألماني فليك، بداية من فضيحة مباراة الدور الأول، التي خسرها أمام الأنصار برباعية مذلة كانت قابلة للزيادة، في مباراة كانت كاشفة للفوارق الشاسعة بين مستوى جودة وتناغم لاعبي الوسط في الريال ونظرائهم المراهقين والشباب العشريني في معقل البلوغرانا، وكان ذلك في أول كلاسيكو بدون عبقري الوسط توني كروس بعد اعتزاله، وبعد تجاهل الإدارة لملف التوقيع مع بديل ولو للمستقبل، وتكرر السيناريو في الكلاسيكو النهائي للكأس السوبر المحلية بنظامها الرباعي الحديث، بظهور الفريق شبه عاجز عن مجاراة رافينيا وليفاندوسكي ولامين وبيدري، وذلك رغم حصوله على الأسبقية في أول 5 دقائق عن طريق كيليان مبابي، لكن ما حدث بعد ذلك فاق كل التوقعات، باهتزاز شباك الحارس تيبو كورتوا 4 مرات في أول 45 دقيقة، من أصل 5 أهداف كانت حصيلة البارسا على مدار الـ90 دقيقة، مقابل هدفين للريال، وما زاد الطين بلة وسبب حرجا للمشجعين، ما حدث في نهائي كأس إسبانيا الذي احتضنه الملعب المونديالي «لا كاروتخا»، تلك المباراة التي بذل خلالها أصدقاء مبابي كل ما في وسعهم في بداية الشوط الثاني، لقلب تأخرهم من هدف نظيف إلى تقدم بهدفين لهدف، ومع ذلك، سُرقت المباراة منهم في رمشة عين، بهفوات دفاعية نادرة استغلها فيران توريس وكوندي على أكمل وجه، لتحطيم معنويات المنافس، بعد أيام من هزيمته المحرجة الأخرى أمام آرسنال في الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا، وهذا ما يُقال عنه كان آخر وأسوأ سيناريو كان تنتظره جماهير الريال، أن يسافروا عبر الزمن عقدين من الزمن إلى الوراء، وفي رواية أخرى أصيبوا بوهم «الديجافو»، برؤية أشياء أو أحداث تتكرر بشكل كربوني بعد سنوات طويلة، بتغير فقط أسماء لاعبي المنافس من ليونيل ميسي إلى لامين يامال، ومن إنييستا وتشافي إلى بيدري وغافي وفرينكي دي يونغ، وكذلك الأمر بالنسبة لنجوم «الغالاكتيكوس» المدريدي، من لويس فيغو وزين الدين زيدان وروبرتو كارلوس وديفيد بيكهام وباقي الأساطير التي كانت شاهدة على مولد الجيل الذهبي لبرشلونة، الذي وصل إلى قمة المجد في ما بعد تحت قيادة الفيلسوف بيب غوارديولا في نهاية العقد الأول للألفية الجديدة.
الكرامة والعقدة
بصرف النظر عن فوز الريال بالليغا من عدمه مع إطلاق صافرة نهاية الأسبوع الـ38، سيكون من الصعب على جماهير النادي تقبل فكرة التعرض للهزيمة الرابعة على التوالي أمام جيل برشلونة الجديد، الذي أثبت بشكل عملي، أنه مشروع في الطريق للهيمنة على إسبانيا وأوروبا على المدى المتوسط، متسلحا بظاهرة العصر هذا اليامال، الذي صدر كل معاني الذعر الكروي لأقوى خط دفاع في إيطاليا وأوروبا الإنتر، في مباراتي الذهاب والعودة لنصف نهائي دوري الأبطال، خصوصا مباراة «جوسيبي مياتزا»، التي تبادل عليه 3 لاعبين على مدار الـ120 دقيقة، للحد من خطورته، لكن على أرض الواقع، شاهدنا جميعا معاناة دي ماركو وأيضا بديله كارلوس أوغوستو، وربما لولا تعملق الحارس سومر وتعاطف الألواح الخشبية معه، لكان برشلونة هو منافس باريس سان جيرمان في نهائي «آليانز آرينا»، وهذا يعطي أنشيلوتي تحذيرات أو جرس إنذار بشأن الخطر الذي ينتظره، في ظل إشكالية النقص العددي الحاد في مركز الظهير الأيسر، بخلاف صداع ضعف جودة فيرلاند ميندي وديفيد آلابا، تأثرا بسلسلة الإصابات التي أبعدتهما عن الملاعب لفترات طويلة في آخر موسمين على وجه التحديد، وما يثير مخاوف المدريديستا، الحالة السيئة التي يبدو عليها خط الدفاع بوجه عام، وذلك قبل مقارعة فريق يضم بين صفوفه اثنين من الأسماء التي ستكون مرشحة للفوز بالكرة الذهبية هذا العام، يامال ورافينيا وربما يرافقهما العبقري بيدري، لكن ما يراهن عليه الميستر كارليتو وجهازه المعاون، أن ينجح فينيسيوس ومبابي وجود بيلينغهام، في استغلال حالة الإرهاق والتعب الذهني والبدني، التي ستطارد لاعبي البارسا، نتيجة كثافة وضغط المباريات في الأسابيع والأشهر القليلة الماضية، بقائمة شبه محدودة، لعدم وجود بدلاء على نفس مستوى الأساسيين أو المصابين، لأسباب تتعلق في المقام الأول، لظروف النادي المادية، التي أجبرته على إبرام صفقتين فقط، أو صفقة واحدة حقيقية، بضم داني أولمو بحوالي 50 مليون يورو، والرهان الأكبر بالنسبة للمدرب، أن يقول هؤلاء اللاعبون كلمتهم، قبل أن تتحول مباريات الكلاسيكو إلى عقدة أو نزهة سهلة للعدو التاريخي.
ما بعد الكلاسيكو
في كل الأحوال، تجمع جُل الصحف والمواقع الرياضية المقربة من الريال، على أن المدرب كارلو أنشيلوتي، انتهى دوره في مشروع العقد، ولولا مخاوف الرئيس فلورينتينو بيريز، من فكرة أن الفريق سيتفكك أو ينهار بمجرد إعلان رحيل المدرب مع انتهاء الموسم، لفعلها منذ الأسبوع المأساوي، الذي خسر فيه نهائي كأس إسبانيا أمام البارسا وتبعها بالخروج من الأبطال على يد آرسنال، والسبب في اقتراب نهاية أنشيلوتي مع الريال، ليست مفاوضاته مع الاتحاد البرازيلي، ليتولى القيادة الفنية لمنتخب السيليساو في المرحلة القادمة، بل إخفاقه في إخراج أفضل ما لدى النجوم والأسماء الرنانة المتاحة في قائمته، خصوصا فشله في إيجاد الطريقة المناسبة التي تساعد مبابي على الانفجار بدون أن يؤثر بشكل سلبي على باقي أبطال كأس الأبطال الخامسة عشرة بيلينغهام وفيني ورودريغو غوس والبقية، على عكس أغلب التوقعات، بأنه سيرسخ حكمه لمواصلة الهيمنة على إسبانيا والقارة العجوز لفترة أخرى قادمة، لما لديه من كاريزما وذكاء في التواصل مع اللاعبين، لكن ما حدث هو العكس، بمعاناة شبه دائمة في تحقيق الانتصارات وجمع الثلاث نقاط لمواصلة الضغط على برشلونة، وذلك بعدما كان الريال منفردا بالصدارة، في فترة تعثر برشلونة في بداية العام الميلادي الجديد، ويبقى المسؤول الأول والأخير عن النتائج والأداء أمام مجلس الإدارة والجماهير، هو المدرب الذي لم ينجح في استغلال أسلحة الفريق الفتاكة على أكمل وجه، أو بلغة كرة القدم «لم يجد الخطة أو التوليفة المناسبة لمساعدتهم على تقديم أفضل ما لديهم»، مقارنة بنظيره في «كامب نو»، الذي خالف التوقعات بنجاحه في إعادة الكثير من هيبة وكبرياء الفريق الكتالوني، وبأقل الإمكانيات والموارد المتاحة، فما بالك عزيزي القارئ لو حصل على دعم كاف من الإدارة قبل بداية الموسم؟ وهذا في حد ذاته، يبدو مؤشرا على بقاء فليك في منصبه لفترة ليست بالقصيرة، بعد الأنباء الرائجة أثناء كتابة هذه الكلامات عن توصله إلى اتفاق مع الرئيس جوان لابورتا لتجديد عقده مع النادي، والسؤال الآن: هل يا ترى يجسد ريال مدريد ومدربه أنشيلوتي مقولة كوكب الشرق السيدة أم كلثوم إنما للصبر حدود بعد الهزائم الثلاث الأخيرة؟ أم ستكون فرصة عظيمة لشباب برشلونة لتأكيد عقدتهم وتفوقهم على جيل «الغالاكتيكوس» الجديد في المرحلة القادمة؟ هذا ما سنعرفه مساء اليوم.