الناصرة- “القدس العربي”:
مع توقيع الإمارات والبحرين على إعلان التطبيع مع الاحتلال، كم دولة عربية ستحذو حذوهما، وأي تبعات عملية سيكون لذلك على الأرض؟ ردا على هذا السؤال يرجح المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” أن اتفاقات التطبيع ستترك وقائع سياسية سيكون من الصعب، وربما من شبه المستحيل، الرجوع بها إلى الوراء أو التراجع عنها، وتثير هذه الوقائع تحديات أمام المقاربة الفلسطينية للصراع مع الاحتلال وتحالفاته.
وضمن تحذيراته يضع “مدار” هذه الوقائع في أربعة سياقات: أمريكي، وإسرائيلي، وعربي- إسلامي، وفلسطيني، لكن جوهرها قد يكون تثبيت خطة ترامب للسلام أو “صفقة القرن” سقفا لأية مفاوضات سلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير.
ويستذكر أنه منذ دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيسا، كان توجهه واضحا لفرض معادلة جديدة، ستبقى تبعاتها قائمة على الأرض وفي الواقع السياسي، برغم الفشل في تحقيق القبول الفلسطيني لها.
وقائع مفروضة
يرى “مدار” أن نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس بات أمرا واقعا لا تراجع عنه بالنسبة للإدارات الأمريكية المقبلة، وهذا ما أكده مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة جو بايدن، في خطاب خلال فعالية جمع تبرعات لحملته الانتخابية بتاريخ 30 أبريل/ نيسان الماضي، حين قال إن “نقل السفارة كان يجب أن يكون ضمن سياق صفقة أكبر تساعدنا في تحقيق تنازلات من أجل السلام، لكن وبما أن الخطوة أنجزت، فإنني لن أعيد السفارة إلى تل أبيب”.
نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس بات أمرا واقعا لا تراجع عنه بالنسبة للإدارات الأمريكية المقبلة
ويلاحظ أنه في ثنايا خطاب ترامب الذي أعلن فيه عن “صفقة ترامب” في 28 يناير/ كانون الثاني 2020، كان واضحا أن هذه الخطة ليست أمريكية بحتة، بل تمت صياغتها إسرائيليا وأمريكياً لتلبي الرغبات الإسرائيلية، فإسرائيل شريك في رسم خريطة الضم (حدود الدولة الفلسطينية)، عبر لجنة أمريكية- إسرائيلية مشتركة مكلفة بذلك.
كذلك أشار نتنياهو في مؤتمر صحافي بتاريخ 13أغسطس/ آب 2020 إلى أن بند الضم أدرج في “صفقة القرن” بطلب منه، في رده على ادعاء الإمارات أنها تمكنت من إلغاء الضم عبر اتفاق السلام مع إسرائيل. وقال نتنياهو إن ترامب طلب إرجاء وليس إلغاء تنفيذ الضم حتى يتم التوصل لاتفاق السلام بين تل أبيب وأبو ظبي.
ضربة قاصمة
يرى “مدار” أن التجربة التاريخية أثبتت أن الإدارات الأمريكية لا تستطيع توجيه ضغط حقيقي على إسرائيل لإلزامها بحل حقيقي للصراع في الشرق الأوسط، فعندما فشل بيل كلينتون في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، وجّه هو وإسرائيل اللوم إلى القيادة الفلسطينية رغم ثبوت مسؤولية إسرائيل عن إفشال المفاوضات.
كما وجد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما نفسه في مواجهة نتنياهو من على منصة الكونغرس “الجمهوري”، عندما وقّعت إدارته الاتفاق النووي الدولي مع إيران، ثم امتنع عن استخدام الفيتو ضد قرار مجلس الأمن المدين للاستيطان.
التجربة التاريخية أثبتت أن الإدارات الأمريكية لا تستطيع توجيه ضغط حقيقي على إسرائيل لإلزامها بحل حقيقي للصراع في الشرق الأوسط
وسبق ذلك الانحياز الأمريكي التام ضد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، واعتباره “غير ذي صلة”، وحصاره سياسيا بقرار أمريكي، وعسكريا بتنفيذ إسرائيلي في رام الله حتى وفاته عام 2004. على خلفية ذلك يطرح السؤال: هل باتت “صفقة القرن” أعلى سقف يمكن أن تطرحه الإدارات الأمريكية المقبلة على الفلسطينيين؟
إسرائيليا
يشير “مدار” إلى أن “صفقة القرن” المتفق عليها بين ترامب ونتنياهو ستصبح أيضا السقف الإسرائيلي المستقبلي لأي حل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. فنتنياهو الذي شارك في صياغتها لن يقبل بغيرها. كما أن رئيس حزب “أزرق- أبيض” ووزير الأمن بيني غانتس -الذي كان مرشحا في مرحلة ما لقيادة إسرائيل قبل انبطاحه أمام نتنياهو- تبنى “صفقة القرن” أيضا بكافة بنودها ودون أي تحفظ.
عربيا- إسلاميا
ويعتقد “مدار” أن نتنياهو ثبّت واقعين جديدين على المستويين العربي والإسلامي باتفاقيتي السلام مع الإمارات والبحرين، الأول ما تسمى “عقيدة نتنياهو” وهي “السلام مقابل السلام”. وهو بذلك تجاوز الشرط التاريخي بالتنازل عن “الأرض” مقابل تحقيق السلام. لذلك، منحته اتفاقيتا التطبيع الدعم الصريح لمواصلة سياسات إسرائيل الاستيطانية، وصولا إلى الضم، بالرغم من ادعاءات الإمارات أنها باتفاقية السلام أوقفت الضم.
وثانيا: تحقيق التطبيع مع بعض الدول العربية والإسلامية قبل -وحتى من دون اشتراط- حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وهذا قد يقضي -إن لم يكن قد قضى- على السقف الفلسطيني، المتمثل بمبادرة السلام العربية المرفوضة إسرائيليا.
ويتابع المركز: “يؤكد ذلك انقسام الموقف العربي في جامعة الدول العربية من القضية الفلسطينية، الذي تمثل في إسقاط أي مقترح فلسطيني لإدانة التطبيع، وحتى في إسقاط مقترح فلسطيني بديل للحفاظ على الإجماع العربي على المبادرة العربية “.
وبرأي “مدار” سيكون انخراط السعودية -الصامتة عن وأد مبادرتها للسلام مع إسرائيل، بالتطبيع الإماراتي والبحريني وفي الجامعة العربية- في اتفاق تطبيع رسمي مع إسرائيل، كما هو متوقع، بمثابة ضربة قاصمة للموقف الفلسطيني”.
سيكون انخراط السعودية في اتفاق تطبيع رسمي مع إسرائيل، كما هو متوقع، بمثابة ضربة قاصمة للموقف الفلسطيني
يشار إلى أنه في أكثر من منشور على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة به، سعى نتنياهو إلى تأكيد نجاحه وحتى التفاخر بأن “عقيدته” كسرت فكرة تحقيق السلام مع الفلسطينيين كمدخل للتطبيع مع باقي الدول العربية والإسلامية، وقلبت هذه المعادلة.
المطلوب فلسطينيا
يقول “مدار” إن الواقع أو الوقائع الجديدة تضع الفلسطينيين أمام مقاربة مختلفة في التعامل مع “العمق العربي الرسمي”، الذي بات عبئا وتحديا تواجهه فلسطين، وتستقوي به إسرائيل.
وبرأي “مدار” تقتضي هذه المقاربة إعادة النظر في كافة الجوانب المتعلقة بالأداء السياسي الفلسطيني داخليا، عبر بناء النظام السياسي الفلسطيني، والتوافق على استراتيجية موحدة. وخارجيا، ربما بتغيير خريطة التحالفات الإقليمية والدولية من ناحية، ومن الناحية الثانية تفعيل الجهد الدبلوماسي لمواجهة الخسارات المتتالية للدبلوماسية الفلسطينية عالميا في آسيا (الهند والصين في تقارب سياسي واقتصادي وأمني مع إسرائيل) وفي أوروبا (آخرها كوسوفو مثلا، التي ألقى ترامب سفارتها في القدس ورئيسها كالتلميذ أمامه) وفي أفريقيا، وأمريكا اللاتينية، فضلا عن الضربات العربية الأخيرة.
الوقائع الجديدة تضع الفلسطينيين أمام مقاربة مختلفة في التعامل مع “العمق العربي الرسمي”، الذي بات عبئا وتحديا تواجهه فلسطين، وتستقوي به إسرائيل.
كما يرى المركز ضرورة تكثيف الجهد على مستوى القانون الدولي خاصة في المحكمة الجنائية الدولية، كونها إحدى أهم أوراق الضغط على إسرائيل حاليا، ويمكن القول إن تأجيل حكومة نتنياهو تنفيذ قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بإخلاء “الخان الأحمر” من سكانه الفلسطينيين بسبب الخوف من رد فعل المحكمة الجنائية الدولية، هو مؤشر على ضرورة تعزيز العمل الفلسطيني في هذا الإطار.
ازدياد قوة اليمين الصهيوني
ومع تزايد الحديث عن السلام المزعوم، ينزع الإسرائيليون إلى المزيد من المواقف اليمينية المتطرفة كما تدلل انتهاكات الاحتلال في الأرض الفلسطينية يوميا، وكما يعكس استطلاع رأي جديد يظهر أن الأحزاب اليمينية المتطرفة تضاعف قوتها، حيث يحل حزب “يمينا” في المرتبة الثانية، إذا ما أجريت الانتخابات اليوم، خلف الحزب الحاكم “الليكود”. فيما ينقرض حزب “العمل”.
ويظهر الاستطلاع أنه لو جرت الانتخابات اليوم لحصل “الليكود” على 30 مقعدا؛ و”يمينا” برئاسة نفتالي بينيت على 20 مقعدا، وحزب “هناك مستقبل – تيلم” برئاسة يائير لبيد على 19 مقعدًا؛ القائمة المشتركة تتراجع بمقعد واحد وتحصل على 14 مقعدًا. حزب “إسرائيل بيتنا” برئاسة أفيغدور ليبرمان فيحصل على تسعة مقاعد، حزب “شاس” يحصل على تسعة مقاعد، حزب ” أزرق- أبيض” فيحصل على ثمانية مقاعد، وحزب “يهدوت هتوراه” يحصل على سبعة مقاعد، وحزب “ميرتس” اليساري فيحصل على ستة مقاعد.
وتعني نتائج الاستطلاع الذي أنتجته شركة “دايركت بولس” أن اليمين سيشكل حكومة لوحده وبأغلبية 67 مقعدا على الأقل.