هل يحرك اغتيال الهاشمي حكومة الكاظمي أم يستمر ضياع دماء الشهداء؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

يعلم العراقيون جيدا، أن ظاهرة السلاح الكاتم والاغتيالات التي استباحت مدنهم بعد 2003 هي أسلوب الفصائل المنفلتة، لإسكات الأصوات المعارضة لأحزاب السلطة، الذي تستخدمه الآن للضغط على حكومة الكاظمي.

 

بغداد-القدس العربي”: يتصاعد صراع الإرادات العلني والخفي بين حكومة مصطفى الكاظمي الساعية لتحقيق بعض مطالب الشارع الإصلاحية ولحماية هيبة الدولة وسلطة القانون، وبين أدوات الدولة العميقة، التي تتحرك بقوة لإضعاف الحكومة وإبقاءها أسيرة مصالح أحزاب السلطة والمشاريع الإقليمية.

وتتوالى هذه الأيام مؤشرات تحدي سلطة الدولة العراقية عبر العديد من الحوادث والمواقف، كحوادث اغتيال الرموز الوطنية وتفشي الفساد والسلاح المنفلت، وسط حملة منظمة من الانتقادات لإجراءات حكومة الكاظمي واتهامات لها بالتقصير والعجز عن تحقيق وعودها. والهدف النهائي لهذا الحراك هو إفشال هذه الحكومة تمهيدا لإسقاطها وإحباط مساعيها لتنفيذ الإصلاحات التي يطالب بها الشعب والتي تعينها في نفس الوقت على مواجهة أزمتها الاقتصادية.

وفي ضربة شكلت تحديا جديا لحكومة بغداد، صدم الشارع العراقي بعملية اغتيال جديدة طالت رمزا وطنيا، هو الباحث الاستراتيجي هشام الهاشمي، أحد أبرز الخبراء الأمنيين في العراق، ومؤلف العديد من الكتب والبحوث والمقالات، عن الإرهاب والجماعات المسلحة ووسائل مواجهتها. فبعد أيام من إطلاق سراح أعضاء خلية الصواريخ التابعة لكتائب حزب الله رغم ضبطها مع أدوات الجريمة، يبدو أن نجاح الضغوط على الكاظمي في إطلاق سراح عناصر الخلية، قد طمأن الفصائل المسلحة، وشجعها على الرد المقابل واستفزاز الحكومة، عبر تحريك فرق الموت التابعة لها، لتنفيذ عملية لا تستهدف شخصية بحثية كشفت الكثير من أسرار الفصائل المسلحة المتسلطة على المشهد العراقي فحسب، بل وتتحدى قدرات الكاظمي  الذي كان بحكم عمله رئيسا لجهاز المخابرات، ومطلعا على أسرار الفصائل المسلحة وفرق الموت التي تعمل بكل حرية على الساحة العراقية منذ 2003 وبالتالي فإن تقاعس الحكومة عن كشف ومعاقبة منفذي عملية الاغتيال الجديدة ستؤكد فشلها في مواجهة الفصائل المسلحة، وتسقطها أمام العراقيين وتؤكد عجزها عن تنفيذ وعودها بالإصلاح وفرض القانون وهيبة الدولة.

وقد أدخلت حكومة الكاظمي نفسها في اختبار جديد، عندما أعلن رئيس مجلس الوزراء أنه سيلاحق ويحاسب قتلة المتظاهرين والشخصيات الوطنية، وأنه لن يسمح للـ”عصابات” بأن تختطف الدولة، متعهدا بالعمل على حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يعني المواجهة الحتمية بين الحكومة والفصائل المنفلتة التي تستبيح البلد.

والشهيد الهاشمي خبير مختص بشؤون الجماعات المسلحة، وقد دفع حياته ثمنا لانتقاداته المتكررة لانفلات الفصائل المسلحة الشيعية الموالية لإيران وهيمنتها ودعواته لحصر السلاح بيد الدولة، كما انه قدم تقريرا لإصلاح الحشد الشعبي إلى رئاسة الوزراء أغضب الفصائل المنضوية فيه. وقبل أيام من اغتياله، أكد في آخر لقاء له على قناة “الحرة” إن “الميليشيات العراقية الموالية لإيران ظلت تتمرد وتعمل خارج قرارات الدولة في عهود الحكومات السابقة” واصفا عناصرها بأنهم “خارجون عن القانون” ومؤكدا أن قدرات القوات الرسمية أكبر بكثير من قدرات الفصائل المسلحة، إذا توفرت الإرادة السياسية لمواجهتها. وقد أدت مواقفه إلى تلقيه تهديدات من تلك الفصائل قبل اغتياله، حسب مقربين منه.

وطبعا أنكرت الفصائل المسلحة، صلتها بعمليات الاغتيال الجديدة والقديمة، رغم قناعة الجميع بانها هي التي تمتلك وتستخدم فرق الموت بحرية ضد معارضيها منذ سنوات، بل انها، ومع بعض القوى الشيعية، وخاصة كتلة القانون بقيادة نوري المالكي، شنت هجوما على الحكومة متهمة اياها بعدم قدرتها على تنفيذ وعودها الإصلاحية وبالخضوع لنفوذ الولايات المتحدة التي يفترض ان يتواصل إجراء الحوار الاستراتيجي لتنظيم العلاقة، بين البلدين في واشنطن الشهر الحالي، كما شنت حملة مسعورة ضد قرارات الكاظمي التي أبعدت مسؤولين فاشلين محسوبين على أحزاب السلطة، وخاصة في المجالات الأمنية، واستبدلتها بشخصيات تتوفر فيها الكفاءة والولاء للوطن.

ولم يكن المجتمع الدولي بعيدا عن عملية الاغتيال الجديدة، إذ أدانت الولايات المتحدة وبريطانيا وبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ذلك الفعل الجبان، كما دعا السفير البريطاني في العراق، ستيفان هايكي، المجتمع الدولي لدعم الحكومة في عملية التصدي للميليشيات. مؤكدا “إنه من دون وضع الفصائل العراقية الموالية لإيران تحت مظلة الدولة، لن يكون هناك استقرار في العراق”.

ولأن أصابع الجار الشرقي، لا يمكن ان تكون بعيدة عن تفاصيل الأحداث والتطورات في العراق، فإن المراقبين لا يستبعدون ان تكون عملية الاغتيال هي جزء من حملة لإضعاف الكاظمي، ظهرت في مواقف الفصائل الموالية لإيران، إضافة إلى تقرير نشرته وكالة “مهر” الرسمية الإيرانية للأنباء، انتقد اداء حكومة مصطفى الكاظمي، واتهمته انه خيب الآمال “في أن يقوم بالمهام الموكلة إليه في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية”. وادعى التقرير وجود اخفاقات في عمل حكومة الكاظمي أبرزها انه “تجاهل عقد الانتخابات المبكرة، وانه ينوي البقاء رئيسا للوزراء” ووضع “العقبات أمام الحشد الشعبي” و”ترك الحرية للقوات الأمريكية” إضافة إلى إحداث تغييرات “غامضة ومريبة في الهيكل الأمني العراقي!”.

ويعلم العراقيون جيدا، ان ظاهرة السلاح الكاتم والاغتيالات التي استباحت مدن العراق بعد 2003 هي أسلوب الفصائل المنفلتة، لإسكات الأصوات المعارضة لأحزاب السلطة، الذي تستخدمه الآن للضغط على حكومة مصطفى الكاظمي، لإحراجها وإفشال خططها الإصلاحية. والمؤكد ان فرق الموت في العراق ومن يحركها، لا تخفى على حكومة بغداد، ولذا يتوجب عليها مواجهتها بحزم استنادا إلى الدعم الشعبي الجارف إضافة إلى امكانيات وخبرات عسكرية وأمنية حكومية مقتدرة في محاربة الإرهاب، وإلا فالبديل هو الإقرار بالفشل، بما سيترتب عليه من انهيار الدولة أمام اللا دولة والبقاء في أسر الدولة العميقة ومشروعها الإقليمي المشبوه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية