غواصة تابعة للبحرية المصرية - أرشيف
إسطنبول – “القدس العربي”:
احتفت وسائل إعلام مصرية وإماراتية وسعودية بالإعلان الروسي عن إجراء مناورات بحرية مع الجيش المصري في البحر الأسود قبيل نهاية العام الجاري، واعتبرت هذه المناورات “رسالة تحد إلى تركيا“، لا سيما وأن السفن الحربية المصرية سوف تعبر إلى البحر الأسود من الممر الوحيد المتمثل في مضيق البوسفور.
لكن وعلى عكس مما حاولت هذه الوسائل ترويجه، فإن المناورات المعلنة لا تحمل أي معان كبرى أو تغيير في قواعد اللعبة أو تحولات استراتيجية في موازين القوى لصالح طرف على حساب الآخر، وتنحصر في معانيها الرمزية وتأتي في إطار “المناكفات” بين البلدين والتي تصاعدت على خلفية التطورات الأخيرة في شرق المتوسط وقبلها في ليبيا.
والجمعة، قالت مصادر روسية إن الجيشين الروسي والمصري اتفقا على إجراء مناورات “جسر الصداقة 2020” البحرية لأول مرة بينهما في البحر الأسود، ومن المقرر أن تعمل مجموعات تكتيكية من السفن الحربية التابعة لأسطول البحر الأسود التابع للبحرية الروسية والبحرية المصرية، بدعم من الطيران، على مهام مشتركة لحماية الطرق البحرية من التهديدات المختلفة.
كما أن هذه المناورات تأتي استكمالاً للمناورات المصرية الروسية التي جرت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، والتي اعتبرت أول مناورات روسية مصرية مشتركة للدفاع الجوي تستخدم فيها أنظمة الدفاع الجوي Buk-M2E تحت اسم “سهم الصداقة- 2019″، وهو ما ينفي نظرية ربط المناورات الجديدة بالخلافات الأخيرة بين مصر وتركيا حول شرق المتوسط وليبيا، وغيرها من الملفات العالقة.
ما يجعل هذه المناورات مختلفة هذه المرة أنها تأتي في توقيت حساس عقب تصاعد الخلافات بين مصر وتركيا
لكن ما يجعل هذه المناورات مختلفة هذه المرة أنها تأتي في توقيت حساس عقب تصاعد الخلافات بين مصر وتركيا حول ليبيا وشرق المتوسط، كما أنها تحمل رمزية كونها تأتي بالقرب من المياه التركية في البحر الأسود، وأن السفن المصرية سوف تعبر من المياه التركية مروراً بمضيق البوسفور للانتقال من البحر المتوسط إلى البحر الأسود.
الإعلام المصري بالغ كثيراً في تصوير الأمر على أنه خطوة كبرى ضد تركيا، لكن على الأرض فإن عبور السفن الحربية للدول المختلفة عبر مضيق البوسفور أمر كفلته القوانين الدولية وهو أمر معتاد ويحدث بشكل دائم، إلا في حال اعتبار أن هذه السفن تشكل تهديداً على الأمن التركي فإنه يحق لأنقرة اتخاذ إجراءات من قبيل منع عبور السفن أو التضييق عليها وهو أمر غير متوقع في هذه الحالة.
ويحكم حركة المرور عبر مضيق البوسفور بنود اتفاقية مونتيرو الموقعة عام 1936 في سويسرا والمعنية بتنظيم حركة مرور السفن التجارية والعسكرية عبر مضائق البحر الأسود في أوقات الحرب والسلم، وبحسب الاتفاقية يسمح عبور السفن الحربية لدول حوض البحر الأسود وعلى رأسها روسيا دون أي تحديد.
أما السفن الحربية التابعة لدول من خارج حوض البحر الأسود، فسمحت الاتفاقية بأن تكون سفنا سطحية وخفيفة ومساعدة بحيث لا يزيد عدد المجموعة عن تسع سفن مارة عبر مضيق في آن واحد وبحمولة إجمالية لا تتجاوز 15 ألف طن، وهي الشروط التي تنطبق على مصر التي ستكون مضطرة للمثول إليها وإرسال سفن خفيفة فقط لا يزيد عددها عن تسع ولا تتجاوز حمولتها الإجمالية 15 ألف طن.
وفي حال تجاوز سفن الدول خارج حوض البحر الأسود للمدة المعينة (أي 21 يوما) فإن ذلك يعتبر إخلالا بالاتفاقية الدولية، وبذلك تتحمل الدولة التي سمحت بعبور السفن (أي تركيا) المسؤولية المباشرة حتى وإن لم يذكر ذلك في بنود الاتفاقية، ما يعني أن السفن المصرية يجب أن تغادر البحر الأسود في مدة أقصاها 21 يوماً.
وهناك عدة حالات أساسية يمكن لتركيا أن تتدخل فيها لمنع عبور سفن من مضيق البوسفور، ومنها أن تكون هذه السفن تشكل تهديداً على الأمن التركي، أو أن تكون سفناً حربية تتبع لدولة هي في حالة حرب مع تركيا، أو أنها تتجاوز الشروط المتعلقة بالعدد والوزن المنصوص عليها في اتفاقية مونتيرو أو إذا لجأت هذه السفن لأي استفزازات لتركيا أثناء عبورها من المضيق، إلى جانب الحالات المتعلقة بأن مرور هذه السفن يشكل خطراً على البيئة.
وفي أحدث واقعة حصلت حول عبور السفن الحربية من مضيق البوسفور، وفي ذروة الخلافات التركية الروسية حول سوريا عام 2015، استدعت تركيا السفير الروسي وقدمت احتجاجاً شديد اللهجة بسبب قيام أحد الجنود الروس بحمل قاذفة صواريخ في وضعية الإطلاق على ظهر سفينة حربية روسية أثناء عبورها من مضيف البوسفور، وحينها شددت تركيا على أن جميع السفن العابرة لمضيق البوسفور يجب أن تحترم القواعد القانونية الدولية.