لندن ـ «القدس العربي»: تتسابق وسائل الإعلام الألمانية والإسبانية، في مدح المدرب الإسباني الشاب تشابي ألونسو، بعد نتائجه شبه الإعجازيه مع ناديه باير ليفركوزن، التي مكنته من تحقيق ما فاق أحلام وتوقعات أكثر مشجعي النادي تفاؤلا، وذلك بالاستيلاء على صدارة الدوري الألماني البوندسليغا منذ ضربة بداية الموسم الجديد وحتى فترة التوقف الدولي الحالية، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام المحيط الإعلامي الأبيض المقرب من رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز، لبدء حملات الترويج للمرشح الأوفر حظا لخلافة القيدوم الإيطالي كارلو أنشيلوتي في سُدّة حكم «سانتياغو بيرنابيو»، لدرجة أن صحيفة «ديفينسا سينترال»، تحدثت في تقرير مطول الأسبوع الماضي عن الثورة التي سيحدثها نجم الوسط السابق بعد عودته إلى بيته القديم في مدينة «فالديبيباس» الموسم المقبل، لكن السؤال الذي يفرض نفسه.. كيف تحول تشابي في فترة قياسية من مشروع مدرب جيد وواعد إلى محط أنظار عمالقة القارة العجوز على رأسهم اللوس بلانكوس وناديه الأسبق ليفربول، كبديل إستراتيجي محتمل للألماني يورغن كلوب.
مراهقة
وإعجاز
بينما كان الاعتقاد السائد، أن بطل كأس العالم واليورو سابقا مع منتخب «لا روخا»، سيحصل على راحة طويلة بعد قراره المفاجئ باعتزال اللعبة بعمر 34 عاما، وهو في أوج لحظاته مع بايرن ميونيخ، فاجأ الجميع بشغفه وتعلقه باللعبة، من خلال استخراج رخصة تدريب اليويفا ثم شق طريقه مع فريق ريال مدريد تحت 18 عاما، وحسنا فعل في موسمه الأول والوحيد مع شباب النادي الميرينغي، بقيادة المراهقين للفوز في 22 مباراة مقابل تعادل وحيد من أصل 23 مباراة، خرج منها الفريق بغلة تهديفية غير مسبوقة بلغت 142 هدفا ولم تهتز الشباك سوى 12 مرة فقط، ورغم ترحيب بيريز وأصحاب القرار باستمراره لفترة أطول، إلا أنه اكتفى بما اكتسبه وتعلمه خارج الخطوط مع الشباب على مدار عام كامل، ليأخذ بعدها خطوة أخرى صحيحة إلى الأمام، بعودته إلى ناديه الأسبق ريال سوسييداد، عبر بوابة الفريق الرديف، الذي كان يُنافس في دوري القسم الثالث الإسباني. مع الوقت، اكتسب فريق ألونسو، سمعة عظيمة، كمدرب يقدم أجود وأرقى أنواع كرة القدم الحديثة، لكن كان ينقصه فقط الاستفادة من بعض الدروس الدفاعية التي تعلمها من أستاذه القديم في «سانتياغو بيرنابيو» جوزيه مورينيو، وعدم الإفراط في التركيز على ما تعلمه من أصحاب مدرسة التيكي تاكا، وعلى رأسهم بيب غوارديولا ولويس أراغونيس، وهو ما حدث في الموسم التالي 2020-2021، الذي ختمه بمعجزة ظلت عصية على النادي لمدة عقود، تحديدا منذ العام 1962 عندما صعد إلى دوري القسم الثاني، وذلك قبل أن يتعرض لأول أزمة حقيقية في مسيرته التدريبية، حين فشل في إبقاء الفريق في دوري القسم الثاني، بعد فترة وجيزة من تمنعه على عرض بوروسيا مونشنغلادباخ، ليتولى القيادة الفنية للمرة الأولى مع فريق ينافس في الدوريات الأوروبية الكبرى.
سنة أولى انفجار
في أكتوبر/تشرين الأول 2022، حيث كان تشابي ألونسو، يبحث عن أول فرصة حقيقية في عالم التدريب في الدوريات الأوروبية الكبرى بعد انفصاله عن فريقه سوسييداد، تلقى المكالمة العاجلة من مسؤولي باير ليفركوزن، بعد إدراج اسمه ضمن قائمة المرشحين لإنقاذ البداية الكارثية للفريق، وهذه المرة لم يتمنع على ممثل البوندسليغا كما فعلها في منتصف العام بسبب التزامه مع رديف سوسييداد، وشعوره بأن الوقت لم يكن مناسبا لقبول المهمة، وبمجرد أن تم الإعلان الرسمي عن توصل ليفركوزن إلى اتفاق مع تشابي، تضاعف الشعور التشاؤمي لدى المشجعين، خوفا من السير بسرعة الصاروخ نحو السيناريو الأسوأ، أن يستيقظ الجميع على كابوس ضعف خبرة المدرب الجديد، الذي لم يسبق له العمل كرجل أول في دوري تنافسي، لكن سرعان ما تلاشى هذا الشعور وربما للأبد، بعد البداية النيزكية لتشابي مع الفريق، باكتساح شالكه خارج القواعد برباعية بلا هوادة مقابل هدف يتيم، وحدث ذلك بعد فترة معقدة، اكتفى خلالها الفريق بتحقيق انتصارين فقط في أول 12 مباراة، منها هزيمة وُصفت بوصمة عار، بالخروج من الدور الأول لكأس ألمانيا على يد فريق ناشط في دوري القسم الثالث، وأيضا التواجد في المرتبة السابعة عشرة في جدول ترتيب أندية البوندسليغا، حيث كانت بلغة الأرقام، البداية الأسوأ في تاريخ النادي الذي أنهى موسم 2021-2022 في المرتبة الثالثة في الدوري الألماني، قبل أن تنقلب الأوضاع رأسا على عقب في غضون أسابيع قليلة، بفضل سلسلة الانتصارات التي قفزت بالفريق إلى المرتبة الثامنة مع انتهاء المباريات المستحقة في الدور الأول، متخطيا العقبة أو ما وُصفت بالهزيمة المذلة أمام آينتراخت فرانكفورت، التي وصل قوامها إلى خماسية مقابل هدف، والخسارة الأخرى المؤلمة أمام بورتو في دور مجموعات دوري أبطال أوروبا، تلك المباراة التي خرج منها المدرب الإسباني بأهم درس في مغامرته الحالية، وهو عدم الإفراط في الاستحواذ أمام الخصوم التي تلعب على الهجمات المعاكسة، وذلك بعد وصول نسبة الاستحواذ لأكثر من 70% في بعض الأوقات، لكن المحصلة النهاية، خرج الفريق المستحوذ مهزما بنتيجة 3-0، ليعود بعدها تشابي وفريقه بنسخة مختلفة، كفريق جماعي يُجيد لعبة التوازنات بين النواحي الدفاعية والهجومية، وفي رواية أخرى، مزيج بين وحي «التيكي تاكا» وبين الواقعية والمرونة والتسلح بعقلية الفوز، وهذا يظهر عندما يتحول باير ليفركوزن إلى نسخة حديثة من برشلونة غوارديولا، في مبارياته البسيطة أمام الفريق المتوسطة والصغيرة، والعكس 180 درجة، عندما يقارع بوروسيا دورتموند أو بايرن ميونيخ أو فريق آخر بنفس الوزن، إذ تطغى عليه أفكار الميستر كارليتو و«سبيشال وان»، بإظهار كل أنواع الاحترام للمنافس، ثم انتظار اللحظة المناسبة لاغتيال معنوياته بهجمة مرتدة خاطفة.
بصمة الأستاذ
بدأت تظهر بصمة ألونسو، في النصف الثاني من الموسم الماضي، عندما استعاد الجوهرة الغائبة منذ فترة طويلة فلوريان فيرتز، الذي تعافى من الرباط الصليبي في توقيت مثالي بالنسبة لمدربه الإسباني، ليكون العلامة الفارقة في النتائج المثيرة للإعجاب التي حققها الفريق في الأشهر الحاسمة، خاصة في بطولة اليوروبا ليغ، مثل إقصاء موناكو الفرنسي من مراحل خروج المغلوب والصمود حتى الدور نصف النهائي، عندما تقابل مع أستاذه القديم جوزيه مورينيو في نصف النهائي، في ما عُرفت إعلاميا بمعركة «الأستاذ والتلميذ»، والتي سرقها المدرب البرتغالي المثير للجدل، بطريقته الخاصة، بخطف هدف في مباراة الذهاب، ثم باللجوء إلى إستراتيجية «الحافلة» في موقعة الإياب، التي شهدت تفوقا كاسحا للفريق الألماني، وصل لدرجة تهديد مرمى الحارس في 23 مناسبة، مقابل فرصة واحدة للفريق الإيطالي، لكن في النهاية، لم تبتسم الكرة للطرف الأحق بمواجهة إشبيلية في نهائي الدوري الأوروبي، وهذا في حد ذاته، جعل الجماهير تطالب الإدارة بالإبقاء على المدرب ومنحه كافة الصلاحيات لبناء المشروع بالطريقة التي يريدها، وهذا ما تحول إلى حقيقة في الميركاتو الصيفي الأخير، بموافقة المسؤولين على تنفيذ طلبات العراّب الإسباني، منها على سبيل المثال شراء غرانيت تشاكا من آرسنال مقابل 15 مليون يورو، والتقاط الظهير الجناح أليكس غريمالدو في صفقة انتقال حر بعد انتهاء عقده مع بنفيكا، بينهما جاء بالوحش النيجيري فيكتور بونيفاس من يونيون سانت جيلواز مقابل 20 مليون يورو، حتى بعد انتقال موسى ديابي إلى أستون فيلا، لم يبك على اللبن المسكوب، وقام بإعادة استثمار عائد بيعه، في شراء مفاجأة الموسم يوناس هوفمان من بوروسيا مونشنغلادباخ مقابل 10 ملايين بنفس العملة الأوروبية، والصفقة الأعلى على الإطلاق ناثان تيلا، الذي كلف الخزينة 23 مليون يورو، في ما كانت أشبه بثورة التجديد التي قام بها المدرب بالتعاون مع الإدارة، ليجني سريعا ثمار تخطيطه السليم بما يحققه مع الفريق منذ بداية الموسم الجديد.
صدارة
وخلافة
صحيح ألونسو وقع مع ثمانية لاعبين جدد في فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة، مقابل 80 مليون يورو، أكثر من نصفهم من عائدات بيع ديابي للفيلانز، لكن هذه الميزانية لا تقارن مع حامل اللقب طيلة العقد الماضي، الذي أنفق أكثر من 100 من نفس العملة لشراء عقد هاري كاين من توتنهام، والشيء الأكثر أهمية، أن الصفقات الجديدة التي جاءت بتوصية من المدرب الإسباني، هي ما تساهم في العظمة التي يقدمها ليفركوزن في البوندسليغا هذا الموسم، مثل مساهمة غريمالدو في تسجيل 6 أهداف، وفيكتور بونيفاس بتوقيعه على 11 هدفا و6 تمريرات حاسمة، ويوناس هوفمان بمشاركته في 13 هدفا، بواقع 7 من توقيعه وصناعة 6، جنبا إلى جنب مع باقي الزملاء الجدد، الذين صنع منهم تشابي، فريقا يُضرب به المثل في الإبداع والخيال العلمي الكروي، بتطبيق أسلوبه المفضل 3-4-3 مع الاعتماد على الضغط العالي المتقدم من الأمام بأكثر عدد من لاعبي الوسط والأظهرة الأجنحة، ومع استيعاب اللاعبين لأفكاره، بدأ عالم كرة القدم يراقب سحر تشابي مع ليفركوزن، بعدما أخذه إلى مستوى آخر، بالأحرى بعدما انتشله من براثن الضياع والخوف من الهبوط لدوري القسم الثاني إلى اعتلاء صدارة البوندسليغا في ظرف عام، وذلك على حساب بايرن ميونيخ العائد بنسخة أكثر حدة وشراسة في وجود هاري كاين، والأكثر دهشة وغرابة، بنتائج كاسحة وعريضة، منها خماسيات على حساب كارباغ اغدام في اليوروبا ليغ و ساندهاوزن في الدور الثاني لكأس ألمانيا، وهناك انتصار آخر بالثمانية على توتونيا هامبورغ في الدور الأول للكأس، أما الثلاثيات والرباعيات فحدث ولا حرج، وهذا يفسر تسونامي الأنباء والتقارير التي تتحدث عن مفاوضات الريال مع ألونسو، لإخباره برغبة الرئيس في توليه مهمة تدريب الفريق في فترة ما بعد كارلو أنشيلوتي، المرشح فوق العادة لقيادة منتخب البرازيل بعد انتهاء عقده في البيرنابيو، فهل يا ترى سيواصل تشابي نتائجه وعروضه الهوليوودية مع ليفركوزن لنهاية الموسم ويثبت بشكل عملي أنه مشروع مُحدّث جديد في اللعبة بعد أستاذه بيب غوارديولا؟ أم أنها مجرد طفرة مؤقتة في البوندسليغا واليوروبا ليغ؟ الآن حان دورك عزيزي القارئ لتشاركنا برأيك.