ساحة الشوك بين الأدب والدين:
عزمي خميس
شهدت الشهور القليلة الماضية جدلا محتدما حول العالم، بعد الإعلان عن اكتشاف مخطوطة قديمة مكتوبة علي ورق البردي باللغة القبطية القديمة في مدينة بني مزار في محافظة المنيا بمصر عام 1978، ولم يُعلن عنها إلاّ حديثاً بعد تهريبها وتجوّلها في أكثر من عاصمة الي أن انتهت في يد جمعية الفنون القديمة (ماسيناس) في بازل بسويسرا؛ حيث اتفقت مع الجمعية الجغرافية الأمريكية علي إعادة ترجمتها للإنكليزية والفرنسية والألمانية بعد ترميمها الذي يُكلّف مليوني دولار تتقاسمهما الجمعيتان وذلك تحت إشراف العالم السويسري رودلف كاسير.
كما تمّ الاتفاق علي إعادة المخطوطة الي مصر التي طالبت بها، وذلك بعد أن تحصل الجمعيتان علي صور عنها.
الضجّة التي أثارتها المخطوطة نابعة من كونها نسخة من إنجيل مختلف عن الأناجيل المعتمدة في كنائس العالم، سمّتها الصحافة والإعلام (إنجيل يهوذا) فيما حرصت دائرة الآثار المصرية علي تسميتها (إنجيل المنيا) نسبة للمكان الذي وُجدت فيه ونأياً بنفسها عن الدخول في اشكالية الخلاف حول مضمونها.
الإنجيل الجديد المكتشف الذي أكد علماء الجمعية الجغرافية الأمريكية أصالته يعود الي القرن الثالث وبالتحديد الي عصر الولاة الرومان الذي سُمّي عصر الشهداء نتيجة حملات الإعدام التي شنّها هؤلاء الرومان الوثنيون ضدّ عشرات المؤمنين المسيحيين في مصر الذين انتشرت بينهم الديانة المسيحية علي يدّ القدّيس مرقص. ونتيجة هذه الحملات كانوا يفرّون الي كهوف الصحراء للنجاة بأنفسهم. ويُعتقد أن هذا الإنجيل مكتوب بيد أحد الرهبان الفارّين للجبال حيث تمّ العثور عليه قرب كهف في محافظة المنيا.
و تقول الجمعية الجغرافية الأمريكية إن عدداً من رجال الكنيسة الكاثوليكية الأوروبيين بحثوا طويلا عن هذا الإنجيل لكنهم لم يجدوه، ويذكرون أن الأسقف الأول لمدينة ليون الفرنسية سان إيرنييه كان يتحدث عن هذا الإنجيل ويندّد به باعتباره من الهرطقات الدينية وتعهّد بتدميره في حال اكتشافه. وكان يؤكد وجود نسخته الأصلية باللغة اليونانية.
أما رفض الكنائس المختلفة لهذا الإنجيل فيعود الي أنه يحتوي علي فقرات كاملة من إنجيل برنابا الذي يعتبرونه أشهر الأناجيل المزيفة كما تقول الكنيسة الأرثوذكسية المصرية. والنقطة الأكثر إثارة في هذا الإنجيل هو أنه يُعطي ليهوذا الإسخريوطي صورة مغايرة تماما لصورته التي رسخت من خلال الأناجيل المعتمدة باعتباره شيطانا يهوديا خائنا باع المسيح مقابل ثلاثين قطعة من الفضّة.
فهذا الإنجيل يُصوّره بأنه التلميذ المفضّل للسيد المسيح ويضع خيانته له في خانة استكمال المهمة السماوية التي تقود الي موت المسيح علي الصليب انقاذا للبشرية.
و ما يقوله هذا الإنجيل لا يختلف عن اعتقادات أتباع المذهب الغنوصي من أن يهوذا كان أكثر حواريي المسيح استنارة لأنه تصرّف بطريقة خلّصت البشرية من ذنوبها من خلال صلب المسيح وقيامته.
وواضح أن مثل هذه الاعتقادات تمسّ ركيزة أساسية من ركائز الديانة المسيحية القائمة منذ انعقاد مجمع نيقيا عام 325 م والذي اعتمد الأناجيل الأربعة المعروفة، واستبعد أكثر من 30 إنجيلا حسب بعض الروايات مما كان منتشرا في ذلك الوقت.
الانجيل الجديد المكتشف في المنيا يُذكّر برواية شهيرة للروائي اليوناني نيكوس كازانتازاكي نشرها عام 1951 بعنوان (الإغواء الأخير للمسيح) والتي تحوّلت الي فيلم سينمائي قبل سنوات أثار ضجّة كبري في حينه. وهذه الرواية جرّت علي كازانتزاكي وقت نشرها غضباً شديداً، فقد منعتها الكنيسة الكاثوليكية، اضافة الي أن الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية ألقت عليه الحرم نتيجة هذه الرواية والتي حاول فيها كازنتزاكي أن يتماهي مع شخصية المسيح ويستجلي مشاعره وبواطنه الخفيّة، وفيها يُصوّر يهوذا باعتباره أقوي حواريي المسيح وأكثرهم عمقا واستنارة، ولهذا يعهد اليه السيد المسيح بمهمة خيانته وتسليمه لأنه الأقدر علي هذه المهمة الشاقة والصعبة التي بها يستكمل مهمته في فداء البشرية وتخليصها من ذنوبها بالصلب.
و من المعروف أن المبدعين والروائيين الكبار تستهويهم الموضوعات المسكوت عنها والخارجة عن السياق العام والتي تثير الجدل وتهزّ القناعات الثابتة. فهم يرون في هذا مهمتهم الحقيقية. إنهم أشبه بالمستكشفين الذين يرتادون الأراضي البكر، ولهذا قلّما تثير هؤلاء المبدعين الروايات الرسمية للتاريخ أو الأديان، ولهذا يجدون في الرواية الشعبية أو حكايات الجماعات المتمرّدة علي واقعها عبر التاريخ أو قصص الضحايا وحكايات المضطهدين والثائرين والمطاردين والجماعات السرّية معيناً لا ينضب، يثير مخيلتهم ويستفزّ فكرهم الباحث عن آفاق جديدة وقناعات مختلفة أشدّ عمقاً ورسوخاً.
و لا يستطيع أحد الجزم بالنوايا الكامنة في نفوس هؤلاء المبدعين فيما يخوضون فيه في رواياتهم وأعمالهم الإبداعية من طروحات أو أحداث متخيّلة أو واقعية، أو فيما يُقدمونه من معلومات مسكوت عنها أو مشكوك في صحّتها أو مختلف عليها، فقد يكون الهدف: الإثارة والشهرة والنجاح والمال. وقد يكون الهدف إعادة قراءة التاريخ أو إعادة فحص القناعات الثابتة أو الكشف عن حقائق تمّ طمسها لغرض أو لآخر. وقد يكون الهدف مؤامرة أو مخططاً يُراد له إحداث خلخلة في الرأي العام تجاه موضوع معيّن. كل ذلك وارد وممكن الحدوث. لكن، بالنظر الي طبيعة المبدعين الحقيقيين فإن من المستبعد أن يكتب أحدهم رواية مفصّلة علي مقاس مؤامرة معينة، فالواقع أن الروائيين من حجم كازنتزاكي يكتبون قناعاتهم الفكرية بالدرجة الأولي، ولا يستبعد هدف الشهرة أو النجاح أو غير ذلك من الأهداف، لكن الأساس هو ما يؤمنون به. وفي سيرة حياة كازانتزاكي ما يعزز التأكيد علي أنه يملك قناعات راسخة حول القضايا الفكرية العميقة التي انشغل بها طوال حياته، والتي يحتل الدين فيها مركزا محوريا، فقد درس الفلسفة في باريس في بداية حياته علي يد الفيلسوف برغسون، وتأثر بشكل كبير بفلسفة نيتشه، وتأثر بالديانة البوذية وقرأ غوته ودانتي وتراث أجداده اليونانيين وخاصة هوميروس، وكتب ملحمته الخاصة من حيث انتهت أوديسا هوميروس، وعاش التجارب الصوفية بين الرهبان في جبل آتوس المقدّس وأديرته، وظهر اهتمامه العميق بالدين والألوهية وتجارب القديسين الشاقة وصولا الي الحقيقة من خلال مؤلفاته العديدة مثل: المسيح يُصلب من جديد و الأخوة الأعداء و الفقير الي الله القدّيس فرانسيس وكذلك في كتابه العميق المميز تصوّف الذي يطرح فيه مفهومه للألوهية وعلاقة الإنسان بالله والطريق الذي يجب أن يسلكه الإنسان وصولا الي جوهره وحقيقته الخالدة.. من هنا لا يستطيع الدارس لأعمال كازنتزاكي أو المبدعين من هذا المستوي أن يتحدث عن مؤامرة مهما كانت درجة اختلاف طروحاته الفكرية عن القناعات الرسمية الثابتة، الفكرية منها والدينية، لا بل إن كازنتزاكي كان يعتبر نفسه بكل المقاييس متديّناً ولا يخطر علي البال أنه يدّعي الإيمان إرضاء لأحد، حتّي عندما كان شيوعيا في مرحلة من حياته وكان متحمساً للثورة الروسية و معجبا بلينين لم يمنعه ذلك أن يختلف مع الحزب الشيوعي السوفييتي في أوج صعوده و قوّته، ذلك أن هدفه كان دوما البحث عن الحقيقة والسعي للوصول لها، أي أنه كان يبحث عن ربّه وامتلاك اليقين الكامل به، وهذا ما يتجلّي بوضوح في الحرارة والصدق الذي كتب به أعماله الرائعة وخاصة كتابه تصوّف الذي يشكّل خلاصة تأملاته الروحية الشاهقة. ولهذا نجده يكتب للفاتيكان بعد حرمانه وبعد وضع روايته الإغواء الأخير للمسيح ضمن القائمة السوداء قائلاً: (أيها الآباء المقدّسون لقد قدمتم لي اللعنة، أما أنا فأقدم لكم الشكر، أتمنّي أن يكون ضميركم صافياً كضميري، وأن تكونوا أخلاقيين ومتديّنين مثلي). مثل هذه المواقف لمبدع بهذا الحجم تدفعه للاختلاف مع أعتي الأحزاب العالمية الذي فتن كبار مثقفي العالم و مفكريه ثم مغادرته، وكذلك الاختلاف بعد ذلك مع أكبر مؤسسة دينية في العالم دون أن يشك لحظة في ما يؤمن به، إنما تدلّ علي أن الرجل كان ممتلئاً حتّي النخاع بما وصل اليه من قناعات لا شك أنها حققت له ما يصبو اليه من يقين يمدّه بالرضا والطمأنينة والسلام. . إن تناول المسائل الدينية في الأعمال الأدبية علي جانب كبير من الخطورة، إنه دخول الي حقل أشواك دامية، لأنها تصطدم بقناعات ترّسخت في أذهان العامّة علي مدي مئات السنين وامتزجت بسلوكهم وحياتهم وأصبحت جزءاً من نسيجهم، كما أن هذه القناعات يصبح لها مع الزمن حرّاس وقيّمون عليها ومؤسسات تديرها، ويكتسب كل هؤلاء قداسة القناعات التي يحرسونها، لذلك ليس غريبا مثلا أن يُنظر الي فضح رجل دين في رواية لأنه شاذّ علي أنه هجوم علي الدين وتشكيك فيه، وهذا ما حدث مع إمبرتو إيكو عندما نشر روايته إسم الوردة وتطرّق فيها الي شخصيات قساوسة يمارسون اللواط، مما جرّ عليه غضب رجال الدين.
وإذا كان كازنتزاكي قد أطلق علي كتابه الإغواء الأخير للمسيح صفة الرواية، فإن الكاتب الأمريكي الإشكالي نورمان ميللر قد ذهب أبعد من ذلك في تناوله لحياة المسيح عندما سمّي كتابه (إنجيل الإبن) وهو يقصد فعلا ما يقول، فهو يرويه علي لسان المسيح ويردّ فيه ويصحح ويناقش ما كتبه مرقس ومتّي ولوقا ويوحنا في أناجيلهم، ويسرد ما يعتبره إنجيل المسيح الحقيقي. فقد صرّح في إحدي المقابلات قائلاً: (أنا واحد من بين خمسين أو مائة كاتب في العالم يمكنهم أن يُعيدوا كتابة العهد الجديد ). و من الواضح أن التراث الديني لمختلف الأديان مليء بالروايات المختلفة والاجتهادات المتناقضة والتفسيرات المتباينة. كما أن الأديان باعتبارها تعليمات وقواعد وقوانين مرسلة من الله للإنسان ومرتبطة بشكل عميق بالغيب، فإن القدرة علي التعامل معها تتباين من إنسان لآخر بحسب طبيعة هذا الإنسان واستعداداته الروحية وقدراته الذهنية، لذلك تتباين بشكل صارخ أحياناً التصوّرات الذهنية للموضوع الواحد لدي أتباع الدين الواحد بين فرد وآخر، وهذا ما يُفسّر ظهور الفرق والطوائف في كل الأديان بشكل يصعب حصره، وكل فرقة أو طائفة تعتقد أنها مالكة الحقيقة، حتي أن بعض الفرق والطوائف في مختلف الأديان لا يكاد يجمعها مع أبناء دينها أي قاسم مشترك، وكأن كل فرقة لها دين مختلف أشدّ الاختلاف عن دين الفرقة الأخري. أمام هذا الفيض الهائل من الاجتهادات علي مرّ العصور لدي أتباع الديانات المختلفة، يقف المبدعون فيجدون ما يُشبع نهمهم للمعرفة والتدقيق والتفكير والمقارنة، كلٌ حسب اهتمامه، حتّي أن كتاب حكايات مثل (ألف ليلة وليلة) بأجوائه الشرقية سحر مئات المبدعين والكتّّاب في شرق العالم وغربه، فكيف بتجارب المتصوّفة و الرهبان و القدّيسين وأقوالهم و إشاراتهم الغامضة الملغّزة و مجاهداتهم المضنية واشراقات أرواحهم وأفراحها، وكيف بتعاليم الديانات الشرقية الروحية كالبوذية و البرهمية والكونفوشسية وغيرها التي انكبّ علي دراستها عشرات المبدعين في العالم، وظهرت تأثيراتها في كتاباتهم وآرائهم الفكرية وتأملاتهم العميقة!!. فقد ظهرت مثل هذه التأثيرات واضحة في أشعار غوته، وفي روايات هيرمان هيسّه وفي قصص تشيخوف وأخيرا في روايات باولو كويللو.
و في ابداعات كثيرين غيرهم. ما يتضمنه تراث الإنسانية وأديانها من مختلف الأفكار والمعتقدات والروايات والاجتهادات والأسرار والتفسيرات الظاهرة والباطنة، العميقة والضحلة، ليس بعيداً عن متناول أي مبدع في أي مكان في العالم. فرفوف المكتبات وخزائن المخطوطات والمحفوظات تضمّ الملايين من الكتب التي لم يسمع بها العامة وبعض الخاصّة، لكنها معروفة لدي المهتمين والباحثين. ووجود أخطر الكتب أو الوثائق أو المخطوطات في مثواها المظلم في المتاحف والمكتبات لا يثير أحداً إلاّ عندما يتناوله أديب أو كاتب في عمل ناجح فيفاجئ به العامة. وهذا ما حدث مع رواية (شيفرة دافنشي)، فدان براون لم يخترع كل هذا الطوفان من المعلومات التي تزخر به الرواية، بل ارتكز علي آلاف الكتب والوثائق التي تحتلّ رفوف المكتبات و مراكز الأبحاث والتي تتحدّث عن الأخويّة السرّية التي تحمل معتقداتها الخاصة عن المسيح وما يُقال عن زواجه من مريم المجدلية، ورجالات هذه الأخوية عبر التاريخ ومنهم دافنشي نفسه واسحق نيوتن وغيرهم من المشاهير، كما ارتكز علي آلاف الكتب التي تتحدّث عن الديانات القديمة ورموزها وأسرارها والآلهة الأنثي والنجمة الخماسية وعبادة الشمس وغيرها من المعلومات عن اللوحات الفنّية وأسرارها وعن المباني القديمة وهندستها وما تشير اليه من ألغاز مما أورده في روايته.
ما فعله، هو جمعه لهذا الكم الهائل من المعلومات و صياغته في رواية علي جانب كبير من التشويق والإثارة، وهنا حدثت الضجّة، مع أن المتخصصين والباحثين يعرفون الكثير مما أورده دان براون، بل إن منهم من سبقه للكتابة عن الدم المقدس و الكأس المقدسة واتهموه بالسطو علي جهودهم وقادوه للمحكمة. حتي إمبرتو إيكو قال في إحدي مقابلاته إن دان براون أخذ من كتاباته حول ذات الموضوع وضمّنه روايته.
نعود الي ما بدأنا به، حول اكتشاف مخطوطة المنيا أو انجيل يهوذا وما يثيره من تداعيات حول رواية الإغواء الأخير للمسيح التي كُتبت قبل أكثر من نصف قرن ونسأل: هل كان كازنتزاكي علي اطّلاع علي مثل هذا الإنجيل الذي كان الأسقف الأول لبلدة ليون الفرنسية يؤكد أن نسخته الأصلية مكتوبة باليونانية؟! ربما، وربما كان لديه اطلاع علي مخطوطات وكتابات ووثائق أخري مما تحفل به خزائن العالم الذي زار كثيراً من عواصمه باحثا ومفكّرا وساعيا وراء يقين يستند اليه.
و يبقي السؤال: هل يستطيع المبدع ولوج ساحة الدين دون أن تتجرّح قدماه ويداه ونواياه!!! الإجابات ذاتها ستُحدث كثيراً من الجروح والخدوش والكدمات!!!. ہ كاتب من الاردن