هل يستغل تنظيم “الدولة” الانسحاب الأمريكي من سوريا؟

حجم الخط
0

في بداية الشهر الحالي عندما أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عن نيته سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا من أجل أن يمكن تركيا من مهاجمة الأكراد، حذر الكثيرون من أن أحد التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تكون لذلك هو تعزيز قوات داعش في المنطقة. أوساط رسمية في الولايات المتحدة قالت إن الانسحاب المتسرع أدى إلى فقدان القدرة على جمع “معلومات حاسمة” عن نوايا تنظيم داعش في المنطقة. وهناك محللون يعتبرون هذه الخطوة “الانتصار الأهم لداعش في السنوات الاربع الاخيرة”. بقرار واحد توقف روتين القتال الذي فيه هاجمت الولايات المتحدة وشركاؤها الأكراد مليشيات داعش 12 مرة في اليوم، والتقليص الكبير يضر بالقدرة على إلقاء القبض على نشطاء داعش الذين لم يقتلوا.

 رغم أن ترامب أعلن مرة أخرى في الاشهر الأخيرة بأنه هزم داعش، وفي الأسبوع الماضي تفاخر أيضا أمام الكونغرس بأنه “اصطاد داعش”، إلا أن داعش يواصل تهديد محيطه في سوريا وفي العراق. البنتاغون يقدر بأنه يوجد الآن نحو 18 ألف مقاتل لداعش في هاتين الدولتين، من بينهم 3 آلاف أجنبي. ورغم أنهم ما زالوا يسيطرون على مناطق واسعة هناك، إلا أن احتمال أن يسيطروا مجددا على جميع المناطق التي كانت تحت سيطرتهم في “أيام مجدهم” قبل 4 – 5 سنوات، هو احتمال غير معقول تماما. التغيرات السياسية في هاتين الدولتين قللت قدرة داعش على ترجمة خيبة أمل السنة من السلطات هناك إلى عمليات إرهابية. الحكومة في بغداد تحظى بتأييد أكبر في أوساط السنة في العراق. الرئيس السوري بشار الأسد ترك للنشطاء مساحة مقلصة أكبر لتجنيد النشطاء. وسوريون وعراقيون كثيرون، الذين يعيشون في مناطق توجد تحت سيطرة داعش، يعارضون بشدة عودته.

 في هذه المرحلة يبدو أن داعش يبعث نفسه من جديد كتنظيم سري، الذي حسب البنتاغون يعيد إلى الحياة خلايا في سوريا ويحاول توسيع قوته في العراق. رجاله سبق وأفرغوا قرى كاملة، وجندوا أموالا بواسطة المطالبة بالفدية وابتزوا “الضرائب” من كبار الشخصيات المحلية، لا سيما بواسطة الحصول على دفعات عن عقود إعادة التأهيل والاعمار. “النشطاء يقتلون ويختطفون وينفذون عمليات انتحارية ويقومون بحرق حقول الفلاحين”، كتب في التقرير. “الهجمات الكثيرة في فترة قصيرة وفي مناطق كثيرة يمكن أن تولد الانطباع بأن داعش يستطيع العمل في أي مكان، وأن يبقى محصنا من العقاب”.

 عمليات داعش في سوريا وفي العراق مؤخرا تعزز الشعور بأن التنظيم لا يضيع الوقت: بعد بضع ساعات على إعلان ترامب عن سحب قواته، هاجم نشطاء من التنظيم قاعدة للقوات السورية الديمقراطية، شركاء الولايات المتحدة، في الرقة التي كانت معقل داعش. “الصليبيون استسلموا”، كتب نشطاء داعش في الشبكات الاجتماعية وطلبوا من أصدقائهم “مضاعفة الجهود”. قبل بضعة اسابيع من ذلك، وبهدف استعراض قوتها الجديدة، تعلن داعش مسؤوليتها عن العملية في مدينة كربلاء في العراق التي قتل فيها 12 شخصا. هذا الهجوم الأكثر دموية منذ تم طرد داعش في نهاية شهر آذار من معقله الاخير في قرية باروز التي تقع على الحدود بين سوريا والعراق. وفي أعقاب الهزيمة نشر داعش مقاتلين ومؤيديه من أجل الاندماج في أوساط السكان المحليين أو ايجاد مخبأ لهم في الصحراء وفي الجبال.

 التقارير عن الانسحاب الأمريكي اثارت الفرح في أوساط مؤيدي داعش في الشبكات الاجتماعية، وحتى أنها رفعت المعنويات في بؤر نشاطات أكثر بعدا، مثل ليبيا ونيجيريا. لينا الخطيب، محللة شؤون الشرق الاوسط وشمال افريقيا في معهد بحوث “تشاتهام هاوس” في لندن قالت إن “داعش هو الرابح الاكبر من كل ما يحدث الآن في سوريا”. هذا التعزيز، قال الباحثون، إنه جاء بعد إعلان ترامب في شهر كانون الاول الماضي أنه سيقوم بسحب الـ 2000 جندي الأمريكي الاخيرين من سوريا – وهو قرار تم ابطاء تطبيقه منذ ذلك الحين. مصادر في الجيش الأمريكي قالت إن مساعدة قوات سوريا الديمقراطية في الكشف عن الخلايا السرية ونشطاء إرهابيين فارين يحتاج دعم استخباري وتدريب بنوعية أعلى من المطلوبة في المعارك على مناطق جغرافية. تقرير البنتاغون أضاف بأن تقليص عدد الجنود يمكن أن يضر بصورة كبيرة هذا النشاط.

 باحثون آخرون قالوا إن الفرص التي ظهرت الآن في العراق يمكنها أن تجلب سكانا من السنة إلى صفوف داعش في مناطق كانت تحت سيطرته في السابق. إن الوعود لإعادة الإعمار بعد الحرب لم يتم الوفاء بها، والمليشيات الشيعية التي كان يجب عليها أن تهزم داعش تحاول الآن كسب الارباح على حساب السكان المحليين. رناد منصور، الباحث في موضوع العراق في معهد “تشاتهام هاوس” قال إن “الناس في المناطق المحررة يتساءلون لماذا كل هذه الجماعات المسلحة ما زالت توجد في المحيط؟ ولماذا يسموننا جميعا داعش ولماذا يفرضون علينا الضرائب ويقومون بابتزازنا”. وحسب قوله فان المعركة ضد داعش كانت “محاولة لايجاد حل عسكري لمشكلة اجتماعية وسياسية”.

 إن ضعف قدرة الأكراد في سوريا على صد داعش يمكن أن يساهم في عملية استهدفت اضعاف داعش: في السنوات الاخيرة حررت القوات الديمقراطية عددا من مقاتلي داعش الذين تم اعتقالهم وقاموا بضمهم إلى صفوفهم بهدف مراقبتهم عن كثب. لقد منحوا العفو للمقاتلين ومؤيديهم فيما سمي “صفقات مصالحة” واستنادا إلى التعاون غير الرسمي مع رؤساء الطوائف، الذين كان عليهم معالجة دمجهم كي يحظوا بدعمهم. خطوة الأكراد هذه أثارت العداء الكبير ضدهم من قبل طوائف أخرى في شمال شرق سوريا: دارين خليفة، الباحثة في منظمة “مجموعة الازمات الدولية“، قامت بزيارة المنطقة في الصيف، ووثقت “اجراءات المصالحة” المثيرة للخلاف والتي عقدت بين الأكراد وقادة داعش. وقد قالت إن زعماء الأكراد قالوا: ماذا تريدون منا أن نفعل؟ أن نقوم بقتل الجميع؟ أن نقوم بسجن الجميع؟ الحل الافضل هو مراقبتهم عن كثب في إطار قواتنا”. مقاتلو داعش الذين تجندوا للمليشيات لم يكونوا من الشخصيات الرفيعة في داعش، وحتى الآن لم ترد تقارير عن مخالفات متكررة من جانب المجندين. مع ذلك، الباحثة أكدت على أن الانسحاب الأمريكي والغزو التركي يمكن أن يضعفا الرقابة غير الرسمية على السجناء السابقين، وحتى أنه يمكن أن يجعلاها تعود إلى القتال في صفوف داعش.

 ترامب من ناحيته يكرر المرة تلو الاخرى بأن تركيا يجب عليها أن تقود الآن الحرب ضد قوات داعش التي توجد في سوريا، وحتى أنه قال ذلك للرئيس رجب طيب اردوغان. مع ذلك، جهات رسمية أمريكية (في السابق وفي الحاضر) تذكر بأنه يوجد للجيش التركي ماض بائس في كل ما يتعلق بمحاربة الإرهاب، وأنه يجب التشكيك بامكانية النجاح في ملء الفراغ الذي سينشأ في أعقاب الانسحاب الأمريكي والقوات السورية الديمقراطية. داينا سترول، رئيسة مجموعة البحث في الشؤون السورية من قبل الكونغرس، والتي تعتبر شخصية رفيعة سابقة في البنتاغون، اعتبرت ذلك باختصار “حسب اعتقادي، في هذه الاثناء تعتبر هذه الامكانية مجرد أمنية”.

ديفيد كيركباتريك واريك شميدت

 هآرتس 23/10/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية