لندن ـ «القدس العربي»: يمر بطل ثلاثية الموسم الماضي مانشستر سيتي، بصيف مليء بالاضطرابات والمشاكل، التي تنذر بعواقب وخيمة على مشروع المدرب بيب غوارديولا المهيمن على البطولات في وطن كرة القدم منذ قدومه إلى قلعة «الاتحاد» عام 2016 لخلافة المدرب اللاتيني مانويل بيلغريني، وذلك بعد التخلي عن اثنين من أهم رجاله المخلصين في الجيل الذهبي، والإشارة إلى الساحر الجزائري رياض محرز، وزيدان الألماني إيلكاي غندوغان، مع احتمالات خسارة اثنين آخرين، الإنكليزي كايل ووكر والبرتغالي برناردو سيلفا، وفي المقابل، لم يحرك النادي ساكنا كما جرت العادة في السنوات الماضية، مكتفيا بضم ماتيو كوفاشيتش من تشلسي، في الوقت الذي تتسابق فيه الأندية المنافسة في الإنفاق، لسد الفجوة الكبيرة مع الإعصار السماوي.
إبداع وخبث محارب الصحراء
صحيح يبدو من الناحية النظرية، أن المان سيتي سيكون الرابح الأكبر من صفقة انتقال قائد محاربي الصحراء إلى الأهلي السعودي، كونه سيجني ما لا يقل عن 30 مليون جنيه إسترليني في لاعب تخطى ربيعه الـ32 على هذا الكوكب، وأيضا بعد خروجه من حسابات الفيلسوف في الأمتار الأخيرة في موسم الثلاثية العظيم، أو بالأحرى بعد الإبقاء عليه على مقاعد البدلاء والاكتفاء بالاعتماد عليه كبديل في الشوط الثاني، لدرجة أنه لم يبدأ إلا مباراة واحدة في آخر 7 معارك في إقصائيات الكأس ذات الأذنين، ولم يشارك ولو دقيقة واحدة في المباراة النهائية لكأس الاتحاد الإنكليزي أمام مانشستر يونايتد، لكننا نتحدث عن موهبة لا يُستهان بها، ووجوده على مقاعد البدلاء، يكفي لتحفيز أي لاعب أساسي على تقديم أفضل ما لديه حتى لا يخسر مكانه، ناهيك عن أرقامه الفردية وتأثيره أمام المرمى في المواسم الماضية، على غرار انفراده بصدارة هدافي الفريق في الموسم قبل الماضي والثاني خلف الوحش الاسكندينافي إيرلنغ براوت هالاند الموسم الماضي، وقبل هذا وذاك، لاعب من الطراز العالمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بإمكانه تقديم المساعدة في أوقات التناوب وتطبيق مبدأ المداورة، بصورة أفضل من اللاعب الأساسي، لما يملك من موهبة قلما نشاهدها في ملاعب الكرة، متسلح برشاقته وحيله المتنوعة في بعثرة المدافعين في موقف لاعب ضد لاعب، كواحد من رواد صناعة الفوضى والعشوائية داخل مربع العمليات، يُضاف إلى كل ما سبق خبرته التي لا تقدر بثمن، وبنسبة كبيرة لن يجد هذه الموثوقية في فل فودن أو جوليان ألفاريز.
تأثير الفراشة
مشكلة أخرى تهدد مشروع غوارديولا واستكماله بنفس القوة الغاشمة، تكمن في صعوبة العثور على لاعب قادر على تجسيد دور الفراشة، الذي كان يجسده القصير الماكر إيلكاي غندوغان، بإمكاناته الاستثنائية في الاحتفاظ بالكرة والتحكم في إيقاع لعب وهجمات الفريق، مع بصمات ستبقى عالقة في الأذهان لعقود، منها ثنائيته في ليلة انتزاع لقب البريميرليغ من أنياب ليفربول في اللقاء الختامي لحملة 2021-2022، وتوهجه في المباراة الحاسمة للاحتفاظ باللقب للموسم الثالث على التوالي أمام إيفرتون، وتبعها بظهوره بنسخة فاخرة أمام مانشستر يونايتد في نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي، وبصرف النظر عن بداياته المحبطة بعد قدومه من بوروسيا دورتموند، ظل إيلكاي، واحدا من أهم مفاتيح لعب غوارديولا، لمرونته وانضباطه التكتيكي، كواحد من اللاعبين القلائل الذين يُجيدون اللعب في كل مراكز الوسط بدون استثناء، أو كما يقولون لاعب جوكر، يؤدي في النواحي الدفاعية والهجومية بنفس الكفاءة والجودة، والدليل على ذلك أنه ختم موسمه الأخير بتسجيل 10 أهداف وصناعة نصفهم على أقل تقدير، بينما بديله الجديد ماتيو كوفاشيتش، لم يتمكن من تسجيل سوى 6 أهداف من مشاركته في أكثر من 200 مباراة بالقميص الأزرق، وهذه الإحصائية تعكس الفارق الهائل على مستوى الجودة والإيجابية بين اللاعبين، إلا إذا فعلها بيب ونجح في إعادة النسخة التي تركها اللاعب الكرواتي منذ رحيله عن الإنتر عام 2015، عندما كان مشروع لاعب وسط مهاجم من الطراز العالمي، قبل أن يختفي بريقه بعد انتقاله إلى الريال ثم إعارته وبيعه نهائيا للبلوز اللندني.
ناقوس الخطر
بعد محرز وإيلكاي، تضاعف الحديث عن اهتمام بايرن ميونيخ بالمدافع الأيمن كايل ووكر، لاغتنام الفرصة الأخيرة لبيعه بمبلغ جيد قبل أن يكسر حاجز الـ34 عاما، لكن من الناحية العملية، سيكون من الصعب التخلي عن المدافع المخضرم، الذي لا يخذل المدرب كلما احتاجه في الأوقات الصعبة، خاصة بعد أن تعلم الدرس جيدا، بالاستفادة من الانتقادات التي تعرض لها من المدرب على مرأى ومسمع الجميع، بأنه لا يعرف كيف يلعب كظهير مقلوب، ليعود بالصورة الرائعة التي كان عليها بعد عودته من الإصابة في أبريل/نيسان الماضي، ونفس الأمر ينطبق على الجناح الطائر برناردو سيلفا، المرشح فوق العادة للانتقال إلى برشلونة، بيد أن الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها البلوغرانا، جعلته يعود خطوة إلى الوراء، مع تمسك السيتي بالحصول على 70 مليون إسترليني نظير التخلي عن الدولي البرتغالي، الذي يملك من الموهبة والجرأة ما يكفي للاحتفاظ بالكرة وعدم فقدانها في أي مكان في الملعب، وإلا لما فرض نفسه على التشكيل الأساسي منذ ضمه من موناكو عام 2017، لكن مشكلته الوحيدة، تكمن في اختلافه مع الإدارة الإنكليزية حول راتبه في عقده الجديد، الأمر الذي قد يتسبب في تفاقم الكارثة، إذا خسره غوارديولا بعد محرز وغندوغان، حيث سيتعين عليه إعادة بناء وتخطيط الجهة اليمنى بأكملها من جديد.
هدوء البطل ونفير الخصوم
بعيدا عن البداية الصادمة أمام يوكوهاما، التي كادت تتحول إلى فضيحة كروية، لولا مشاركة هالاند والبقية في الوقت المناسب في أول احتكاك ودي للسيتي في جولة الاستعداد للموسم الجديد، فهناك حالة من القلق والترقب تسيطر على مشجعي السيتيزينز، لتأخر الإدارة في حسم صفقاتها الضرورية في بداية الميركاتو، كما جرت العادة في السنوات الماضية، والاكتفاء بصفقة كوفاشيتش من تشلسي، مع تعطل صفقة غفارديول، لعدم التوصل إلى اتفاق مقنع مع مسؤولي لايبزيغ، بينما في المقابل، يقوم المنافس المباشر الموسم الماضي آرسنال، بثورة غير مسبوقة في النافذة الصيفية، أسفرت حتى الآن عن ضم مواهب من العيار الثقيل لمشروع التلميذ ميكيل آرتيتا، والحديث عن ديكلان رايس وكاي هافيرتز وتيمبر، في صفقات كبدت خزينة المدفعجية أكثر من 200 مليون جنيه إسترليني، كما وقع تشلسي مع المدرب ماوريسيو بوتشيتينو، ليُعيد هيبة وكبرياء أسود غرب لندن بعد الموسم الماضي المأساوي، ونفس الأمر بالنسبة لجيران الشمال، حيث قام غريم الأمس غير البعيد يورغن كلوب بشراء بطل العالم ماك أليستر وصانع الألعاب المجري دومينيك سوبوسلاي. وعلى الجانب الآخر في المدينة، اشترى مانشستر يونايتد حامي عرين وصيف بطل أوروبا أندريه أونانا من الإنتر، ومعه طريد تشلسي ماسون ماونت، بدون التقليل من شأن الحصان الأسود الموسم الماضي نيوكاسل، الذي يعمل بشكل مشروع على رفع مستوى وجودة الفريق بعد العودة إلى دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ بداية الألفية، مثل باقي الكبار الذين يسابقون الزمن في فصل الصيف لإعادة بناء جيوشهم بأفضل طريقة ممكنة لتقليل الفجوة مع السيتي وغوارديولا وإنهاء هيمنته على لقب البريميرليغ، والسؤال الآن: هل سيتجاوز غوارديولا هذا التحدي العظيم ويواصل هيمنته على البريميرليغ؟ أم سيستيقظ على السيناريو الأسوأ بعد خسارة البعض من أسلحته الفتاكة الموثوقة واحتمال خسارة آخرين بدون مجاراة المنافسين في الميركاتو حتى الآن؟