هل يسير الاردن في الاتجاه الخاطئ؟.. المؤامرة الكبرى الثانية على فلسطين
18 - April - 2013
حجم الخط
2
عندما يرى نحو 84′ من الاردنيين ان الاردن يسير في الاتجاه الخاطئ فإن ذلك يعني ان الامر جد خطير وغير مسبوق، وان ما خفي اعظم، مما لا نقرأه ونسمعه ونشاهده، يوجع القلب ويدمي العين ويربك العقل والبصيرة. ليس كاتب هذه السطور او أي مراقب شخصي آخر من يتحدث بذلك، انما هو ما خلص اليه استطلاع للرأي اجراه المعهد الجمهوري الدولي ‘IRI’ حول آراء الأردنيين مؤخرا، وتحديدا قبل نحو اكثر من شهرعقب الانتخابات النيابية الاخيرة، حيث توصل الى ان ما نسبته 84′ من الاردنيين يرون أن الأردن يسير في الاتجاه الخاطئ. وتعتبر هذه النسبة قياسية في تقدير الواقع وخطيرة جدا في مضمونها، اذ انها الأكثر تشاؤماً منذ أن بدأ المعهد الجمهوري الدولي بتنفيذ استطلاعاته في الاردن في العام 2005 . واللافت الاكثر خطورة تسارع وتصاعد نسبة من يرون هذا الاتجاه الخاطئ، اذ بين الاستطلاع ان الفارق كبير جدا خلال اقل من عام زمني، بين شباط/فبراير 2013 وتموز/يوليو 2012، حيث كانت في استطلاع يوليو 2012 ما نسبته 45′ من الأردنيين يعتقدون أن الاردن يسير بالاتجاه الخاطئ. وقد جاءت الاسباب حسب الاستطلاع مركزة على ارتفاع الاسعار والفساد والاوضاع الاقتصادية السيئة، ومن هنا يرى المراقبون انه مهما افرط البعض في التفاؤل فالقادم من الايام لن يجدوا معه الا عمق التشاؤم، وربما لن يحصلوا على ادنى درجات الامان. معالجة الاسعار والواقع الاقتصادي السيئ جاءت على يد حكومة النسور بالواقع الاسوأ والاخطر، حين تم رفع الاسعار وبشكل مذهل مقصود بعد ان تم رفع اسعار المحروقات التي تعتبر سلعة ارتكازية، واعتمدت الحكومة في قبول الناس للواقع على نظرية الصدمة الملجمة التي تسكت الناس، برفع كبير للاسعار يرافقها تكثيف اعلامي دعائي موجه وقبضة امنية غير مسبوقة، ولم يعد السؤال من ينتقد او يرفض حكومة النسور، بل من بقي يقف معها لأنه بكل تأكيد يقف مع الاحتقانات واستعار الغلاء والبطالة والفقر والتهميش والغموض غير المفهوم. ومع كل هذا الاتجاه الخاطئ فإن ما يجري على الارض من تطورات ومعالجات يزيد الامر تعقيدا وحيرة وغموضا، يجعلنا نستشعر الخطر مما نراه ونسمعه ونقرأه، ولست هنا في معرض الرصد والسرد لكل ما يجري بقدر ما احاول ان اسلط الضوء على ما اراه اكثر اهمية في هذا الاطار. هناك ما هو اعمق واكبر واعظم كما ارى، يتمثل في المؤامرة الكبرى الثانية على فلسطين بعد ضياعها او بيعها في المؤامرة الاولى، وقد بدأت من خلال تمزيق العشائر الاردنية الذي اصبح هدفا واضحا، ومؤامرة تمهد لمحاولة انقراضها، وما محاولات تهميشها والمشاجرات التي تفتعل بين ابنائها الا مظهر يشير الى حجم ما يجري في الخفاء، وكل ذلك من اجل تجذير التوطين وتشريعه ودسترته، من دون اعتراضات تذكر، ليس حبا في ابناء فلسطين كما قد يصور دهاة الخبث والعملاء واعوانهم بقدر ما هو خدمة واستجابة لمطالب الصهيونية العالمية وقواها الفاعلة والعاملة في هذا الاتجاه، التي تسعى الى ترسيخ الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وتأمين حياة هانئة مستقرة للمستوطنين المحتلين لفلسطين، من خلال استيعاب وتوطين اهل فلسطين في الشتات في اماكن اقامتهم. والفاحص المتعمق يدرك انه ليس هناك اخطر من اثارة الفتنة بين العشائر وتمزيقها وتهميشها، لأنها مقدمة للفتنة الاكبر التي لا يمكن توقع حدودها حين يصـــــبح افرادها كالهنود الحمر لا هوية لهم ولا تاريخ ولا امجاد، وكل ذلك لتوقيع الصفـــحة الاخيرة للوطن البديل ولاعطاء الصك الاخير لليهود وتثبيت اقدامهم في فلسطين. لقد اصبح معلوما للناشطين والحراكيين والسياسيين اهتمامات القوى الصهيونية ومحموميتها من خلال السفارات الغربية في الاردن ومطالبها الملحة لزيادة تمثيل الفلسطينيين في الاردن، الذي يعني زيادة الالقاب والمناصب السياسية، وما زيادة التمثيل هذه الا محاولة لدسترة التوطين وشرعنته سياسيا واستراتيجيا لتطوى صفحة فلسطين الى الابد، علما بأن الشعب الفلسطيني بمجمله لا يستفيد من زيادة التمثيل من الالقاب والمناصب السياسية هذه، وانما المستفيد الوحيد منها حصرا هم اصحاب الالقاب والمناصب من ابناء واحفاد واصهار واصدقاء ‘جماعة مؤتمر اريحا’ الذين تقاطروا لتوقيع الوحدة بين الضفتين، من دون توافق وموافقة شعبية ودستورية عليه، وكانت الغاية في حينه احتواء الثوار والمقاومة المسلحة لتحرير فلسطين، وقطع الطريق على أي دعم لها، باعتبار ان الضفة اصبحت جزءا من دولة لا يجوز التدخل في شوؤنها، ومن هنا جاءت مطالبات القائد الفلسطيني ابو عمار المتكررة والمصيرية والمصرة على فك الارتباط مع الاردن، ولكن هذا الفك جاء صوريا خاليا من المضمون الذي اراده الرئيس عرفات لاحقا وبقي مصرا على تحقيقه ويرفض اية وصاية على أي جزء من فلسطين، الى ان لاقى ربه مسموما على يد الصهاينة واذنابهم الذين يريدون اعادة الواقع الاحتوائي والتوطيني الى ما كان عليه سابقا.. ان تسارع اجراءات التوطين مؤخرا وصلت حد صياغة خطابات ورسائل، في محاولة لجس النبض واعادة صياغة القناعات بطريقة خبيثة، حيث جاء فيها ‘لو حدث الاتحاد الكونفيدرالي بين الاردن وفلسطين ماذا يحدث، سيتم فتح الحدود بين فلسطين والاردن وتكون الشرطة الفلسطينية هي التي تسيطر على الحدود الفلسطينية بين الضفتين بدل الجيش الاسرائيلي، ويتم عودة الفلسطيني الذي يرغب الى حدود حزيران/يونيو عام 1967 وتقوم المشاريع المشتركة بين الاردن وفلسطين ويتمتع الاردنيون والفلسطينيون بحرية الحركة من الاردن وفلسطين، من دون وجود جيش احتلال ومن المتوقع اخلاء نسبة كبيرة من الفلسطينيين الموجودين في الاردن وعودتهم الى بيوتهم في فلسطين الـ 67، وهذا حق لهم فلماذا التخوف من الكونفيدرالية طالما تكون سببا في رجوع الفلسطيني الى وطنه؟ ان التخوف الحقيقي هو عدم وجود دولة فلسطينية وعدم وجود اعتراف دولي بدولة فلسطين، هنا خطورة ان تكون الاردن هي الوطن البديل..’ انهم يعرفون طريقهم ويعرفون كيف يصيغون خطابهم الذي يجهزون به على ما تبقى من عزة وكرامة لتحرير فلسطين.. ان الربيع العربي وثوراته وتداعياته ادمت اسرائيل واصابتها بالجنون واذهلت اعوانها وجعلتهم في حيرة وارتباك وتخبط، وجاءت التفاهمات التي افصح عنها وزير الخارجية التركي مع ايران لتثير جنونهم، كيف ان الخلاف على النظام السوري لم يثر خلافاتهم واقتتالهم، بل كان محل تفاهم في الاستراتيجات المستقبلية. كما جاءت التفاهمات الاستراتيجية المتبادلة بين مصر وايران والزيارات المتبادلة والعلاقة بينهما، رغم اختلاف الموقف حول النظام السوري لتثير استغراب القوى الصهيونية كيف يحدث هذا؟ ان هذه التفاهمات التي جمعت تركيا ومصر وايران وحماس والمقاومة والزيارات الى غزة من قبل قادة قطر وليبيا وتونس جاءت بمثابة زعزعة لقناعات اسرائيلية سابقة، ان العرب والمسلمين لن يتوافقوا على امر يشكل خطورة على اسرائيل، وها هو يحدث الآن. واذا نظرنا بعمق الى ما جرى في مؤتمر القمة الاخير في الدوحة نجد ترابط الاحداث، حيت اقترحت قطر اجراء مصالحة فلسطينية تاريخية وحقيقية بين فتح وحماس باشراف وقيادة مصرية في القاهرة، اذعن لها محمود عباس في حينه، ولكنه ما ان وصل الى سلطة رام الله حتى استنفر اعوانه وتنصل مما وافق عليه، محاولا الهروب الى الامام ليوقع معاهدة حماية القدس مع الاردن، لأن اسرائيل واعوانها ادركوا ان مشروعهم التوطيني في الاردن، تحت مسمى الكونفيدرالية، اصبح في مهب الريح، ولابد من قطع الطريق على الشرفاء وجهودهم الصادقة في المصالحة ووحدة الشعب الفلسطيني ليقرر مصيرة ويحرر ارضه. ان ما يثير مخاوفهم اكثر ان حركة حماس استحوذت على شعبية الفلسطينيين في الداخل والخارج وسكنت قلوبهم، كيف لا، وهي محل امالهم وتطلعاتهم لتحرير فلسطين، وقد اقرت بذلك قيادات من رموز السلطة بشكل او بآخر، وفي الاردن تشير التقديرات والمشاهدات ان شعبية حماس تصل الى نحو يزيد عن 90′ من الفلسطينيين وما تبقى من نسبة تقل عن 10′ اصبحت منشغلة بهمومها الشخصية ومتاثرة بالدعاية الاعلامية التي تصورهم على انهم دعاة حقوق مدنية ومعيشية ووظيفية ومناصب سياسية، وانها تعتبر فلسطين مجرد تاريخ وانتهى وان المستقبل القادم مرتبط بالكونفيدرالية مع الاردن، وهم بذلك يسطرون النموذج الاسوأ في التاريخ، لأن فلسطين محل افئدة المسلمين، فضلا عن العرب كافة وهم يتطلعون الى تحريرها والاستشهاد في سبيلها، بينما نجد ان بعض ابنائها يصاب بالمغص ويتلوى متذمرا عندما تحدثه عن تحرير وطنه ويأخذه حديث المال والازياء والنجومية والالقاب، في الوقت الذي ان من له وطن كفلسطين، مقدسات وخيرات وكرامة وامجادا واجدادا، يجب ان يبقى واقفا والبندقية في يده، فإما ان يحررها او يموت دونها. لقد نشر في بعض الاعلام الاردني مؤخرا بما اشير اليه بمصادر دبلوماسية من خارج الاردن ان زيارة الملك لاوباما في البيت الابيض هي زيارة طارئة ضمن سياق الزيارات المجدولة للملك سعيا منه لتدارك الضغوط التي تواجهها الاردن، واكدت المصادر ان ملف فلسطينيي الشتات سيكون على طاولة اللقاء وانه سيكون بمثابة شرط للدعم المالي المرصود للأردن والمقدر بـ6 مليارات دولار. وان جدولة الديون الاردنية واخراج الاردن اقتصاديا من مغبة الضياع المالي الحالي سيكون مرتبطا ارتباطا كبيرا بتجنيس اللاجئين الفلسطينيين. وكلنا يذكر باكورة تصريحات متتالية من مسؤولين اردنيين وفلسطينيين جاءت بما يشبه اعداد الساحة وتهيئتها وتعبئة الناس لقبول مشاريع ضم الضفة والكونفيدرالية والمواطنة والحقوق.. وكانت تصريحات الامير حسن واضحة لاقت ردود فعل غاضبة في اوساط الوطنيين والاردنيين عموما. لقد بت على قناعة ان المسألة في الاردن ليست في تشخيص الازمة السياسية والاقتصادية والسكانية والاجتماعية وابعادها الاقليمية والدولية والاستراتيجية المحتملة، بما فيها من تعقيدات وتداخلات واخطاء جسيمة وتخبط وفساد ونهب ووو.. وانما المسألة في العجز وعدم القدرة او استحالة الخروج من الازمة الا بالهروب الى الامام وتأمين مليارات جديدة من خلال الموافقة على شرعنة التوطين ودسترته والموافقة على الكونفيدالية مع سلطة رام الله لتأمين حالة الاحتلال الاسرائيلي واستقراره وقطع الطريق على حماس ومصر وتركيا وايران والمقاومة وقطر وتونس وليبيا وكل الشرفاء من اي نوايا او مشاريع مستقبلية لدعم فلسطين وتحريرها، وكذلك لمعالجة وقمع الوطنيين والاسلاميين وقبولهم بالامر الواقع، على امل ان ذلك يشكل مخرجا، وربما في قرارة البعض هو المخرج الوحيد الاكثر رحمة واكثر آمانا للازمة في الاردن ورام الله. ان المراقب المتفحص والمتابع الحثيث يجد ان كل ما يجري بهذا الاتجاه يتم في اطار ممنهج يرصد ردود الفعل ويتقدم في الاجراءات التي تحقق هذه الرؤى، وهذا ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر اننا امام تطور مفصلي خطير يفوق كل ما سمعناه وشاهدناه وقرأناه على مدى تاريخنا.