إسماعيل القاسمي الحسني لم أمل عبر هذه الصفحة في صحيفة ‘القدس العربي’ من تحذير السلطة الجزائرية، من موجة غضب شعبي لا تعصف بها هي فحسب، بل قد تعصف بالجزائر ككيان ووطن؛ 150 مقالا على الأقل على امتداد أربع سنوات، أختمها بضرورة التغيير من داخل النظام، وأدعو من تبقى فيه من رجال وطنيين أكانوا في المؤسسات المدنية أو العسكرية لواجب تدارك الأمر، مستهدفا على وجه الخصوص من يشغلون الصف الثاني والثالث، ذلك أني على يقين بأن التغيــــير ضرورة طبيعية وحتمية لا مفر منها، وأي عاقل ذلكم الذي يتجاوز عجز رئيس الجمهورية الذي يطوي مع وزير داخليته عقدهما الثامن، ولا تخطئ عين مدرك غيابهما الكلي عن الساحة؛ والكل يشهد على حكومة مشلولة الأطراف معطلة الحركة، وبرلمان مزور، ومجلس أمة أشبه بدار العجزة؛ ومؤسسة عسكرية نخر عظام هيكلها الفساد، حتى باتت تتصدر فضائحها الصحف الدولية، وقضاء استشرت فيه الرشوة كالنار في الهشيم، فقضت على يابسه ولا أخضر فيه، هذه وغيرها من العوامل التي لا يتسع المقال لذكرها، تفرض قطعا التغيير، والخيار بين اثنين، إما أن يتولى أهل الخبرة والنخب العمل على تأطيره وهو في تصوري الخيار الأسلم والأمثل، وإما عاصفة الشعب التي يترتب عنها كذلك بطبيعتها ما لا يمكن احتسابه؛ ويبدو مع الأسف الشديد، أن الجزائر قد هب عليها ما لا يمكن لأي كان أن يتوقع نتائجه. حملني هذا الهم للقاء وزير ناطق باسم الرئيس والحكومة، واستعراض المخاطر المترتبة على نهج السلطة، وأبدى الرجل حينها تفهمه، بل أضاف لي من المعلومات ما يزيد من القلق على مستقبل الجزائر، وكتبت حينها مقالا 08/02 (القدس العربي) ختمته بالعبارة التالية: ‘إلى ذلك الحين استقر في قناعتي أن الجزائر تمر بواحدة من أخطر المراحل، تستدعي حتما تعزيز الجبهة الداخلية لمواجهتها، والحال أن السلطة تزيد بسلوكياتها الهوة سعة بينها وبين المواطنين، الأمر الذي لا يبشر بخير.’ و بعده مقالا 18/02 (الوطن الجزائري) يغني عنوانه عن التفصيل: ‘الجزائر يا سيادة النخب فعلا في خطر’؛ لكن مع الأسف الشديد، نغض القوم إلينا رؤوسهم ولووا أعناقهم، كأنما كنا نحاول إسماع الصم وهم مدبرين.كنت على تواصل ومتابعة دقيقة لشبكة التواصل الاجتماعي، بداية الاسبوع الماضي ارتفعت وتيرة دعوات الشباب الجزائري، لتجمع حاشد في مدينة’ورقلة’ يوم 15/03 جنوب الجزائر، ولم يكن لدي شك بأن هذه الحركة السلمية الاحتجاجية أشــــبه بكرة الثلــــج، فكل المعطيات على أرض الواقع تفيد بانفجار الشعب حتما، ما لم يكن معلوما متى يشعل الفــــتيل فقط، ونجح الشباب فعلا في نشر هذه الدعوة إلى درجة استفزاز السلطة ووسائل إعلامها للرد، كما جـــرت العادة بغباء متطور، حيث وصف الوزير الأول الناشطين بالشرذمة ليزداد التعاطف آليا معـــها، فالعقل الجمعي الجزائري يعتمد حكمة المتنبي: وإذا أتتك مذمتي من ناقص*** فهي الشهادة لي بأني كامل. وبدل أن تنتبه مبكرا السلطة لغليان الشعب، الذي طالما أشرنا له، وعالجت بجدية ومصــــداقية مشاكله، وحركت عمليا عجلة الاقتصاد، وأعادت توزيع الثروة بالعدل وغيــرها مما هو حق معلوم للشعب، وواجب على المسئولين أداؤه؛ ذهبت القيادة في غبائها المعتاد دون أن تعتبر بغيرها، لتطويق مدينة ‘ورقلة’ برجال الأمن لتحول دون المـــتدفقين إليها، ذاهـــلة عن جهل فيما يبدو أو حمــــاقة، أن هـــذا السلوك يزيد من تأجيج غضب المواطنين، وهناك ما لا يقل عن 48 عاصمة ولاية (محافظة) يمكنها أن تنتفض في وقت واحد، حينها أي جيوش يعدها النظام لإخماد غضبها وإسكات صوتها؟.ما لم يكن في حسبان السلطة ولا الشباب، نزول الخبر الصاعقة على رؤوس الجميع، باختطاف طفلين في عاصمة الشرق ‘قسنطينة’، في ذات اليوم ليرفع من درجة الحنق على السلطة، ويعلن عن مسيرة في العاصمة 16/03، وأخرى في ‘المنيعة’؛ وتداعت لذاكرة الشعب أسماء الأطفال شيماء وقبلها أميرة وفتيحة وياسين وياسر، ويعود إلى السطح شريط قناة ‘MBC’، الذي بث حول اغتصاب الأطفال في الجزائر ثم قتلهم بتاريخ 15/08/2012، وملخصه أكثر من 500 قاصر مختطف بين عامي 10-2012 والسبب الرئيسي في ارتكاب هذه الجريمة الوحشية اعتداءات جنسية وسرقة الأعضاء. ازداد لهب الغضب اشتعالا أثناء جنازة الولدين في قسنطينة، ولأول مرة تنقل قناة فضائية احتجاجات الشباب، مع أنها لم تفتر منذ سنوات، فرانس 24 نقلت أحداث ورقلة، ثم بي بي سي تنقل في 18/03 احتجاجات قسنطينة، وتنشر الصحف الوطنية ‘الخبر’ وغيرها، عن تنظيم مسيرات في كل من وهران عاصمة الغرب والأغواط وتمنراست.لقد نجحت السلطة والنخب السياسية كلها، معارضة ومولاة في الجزائر، في التأكيد على أنها عاجزة حد الثمالة، وتمكنت من نقل حالة الجزائر من فساد الدولة إلى دولة الفساد بامتياز ودون منافس أو منازع، وهاهي عجلة التغيير قد أعطتها تلكم الجرائم زخما وطاقة لن يقف في وجهها أيا كان؛ إنما كل الخوف أن تبقى السلطة وأذيالها على حالة عمى الألوان، ويعمدون لاستعمال العنف يأسا من طوفان الشعب، ومحاولة منها لاستدراجه نحوه لتبرر بقاءها؛ وهل تنحاز المؤسسات الأمنية والعسكرية للحل الدكتاتوري ضد الشعب؟ ذلك ما يكشف عنه مستقبل الأيام بعد أن أشعل أطفال الجزائر النار تحت أقدام السلطة، وها قد بلغني قبل كتابة الجملة الأخيرة اغتيال طفل في مدينة ‘ورقلة’ حيث انطلقت الشرارة الأولى، وأن المحتجين يرفضون الحوار في مدينة الأغواط مع من يتسمون كذبا نواب البرلمان؛ أعتقد أنه لم يعد هناك مجال لتدارك الوضع، والسؤال للنخبة الوطنية: من يملئ الفراغ؟ وهل يجير غضب الشعب لغير صالحه وصالح الوطن كما حصل عند الأشقاء؟ .فلاح جزائري – [email protected]