هل يصمد الاتفاق الإطاري أمام تعقيدات الأزمة السياسية في السودان؟

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: «المطلب الوحيد الذي عجزت عن تحقيقه العملية السياسية؛ هو إبعاد القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) من المشهد» هكذا جاءت تصريحات عضو المجلس السيادي السابق، القيادي في الحرية والتغيير محمد الفكي، لتضع الصورة الحقيقية للاتفاق السياسي، لأول مرة أمام الشعب السوداني، بعد أشهر من المفاوضات السرية بين المدنيين والعسكريين، وذلك قبل أيام قليلة من توقيعه الاثنين الماضي.
وعلى الرغم من إقراره بعجزهم عن إبعاد قادة الانقلاب، أكد الفكي أن الاتفاق الإطاري يحقق 85 في المئة من مطالب الشعب السوداني، وأنه يتيح صلاحيات واسعة للمدنيين في الفترة الانتقالية، مشيراً إلى أن العقبة الأساسية التي ستواجهه ستكون كيفية تنفيذه وإنزاله إلى أرض الواقع.
وبينما كان المتظاهرون يرددون الهتافات الرافضة للتسوية السياسية، في محيط القصر الرئاسي وسط الخرطوم، وقعت مجموعة من القوى المدنية والعسكرية السودانية، الاثنين الماضي، اتفاقا سياسيا إطاريا، نص على السلطة المدنية الكاملة من دون مشاركة القوات النظامية، في فترة انتقالية محددة بعامين، من المنتظر أن تفضي إلى انتخابات.
وشملت أطراف الاتفاق الإطاري، القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» ونحو 50 حزبا وتنظيما سياسيا ومدنيا، بالإضافة إلى عدد من الحركات المسلحة.
في وقت وقعت عدد من الأحزاب المكونة للحرية والتغيير على الاتفاق بشكل فردي، أبرزها التجمع الاتحادي والمؤتمر السوداني وحزب الأمة القومي، رفض حزب البعث العربي الاشتراكي الأصل، الذي يعد من أبرز مكونات التحالف، الانضمام للاتفاق، معتبرا إياه تسوية مع قادة انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021 ومهددا للانتقال الديمقراطي في البلاد.
وكذلك انضم إلى الاتفاق الذي يمهد لاتفاق نهائي، مكونات الجبهة الثورية بقيادة الهادي إدريس والتي تضم عدداً من الحركات والتنظيمات السياسية الموقعة على اتفاق سلام 2020 بالإضافة إلى مجموعة من الأحزاب التي تشاركت الحكم مع النظام السابق، أبرزها الحزب الاتحادي الأصل بقيادة الحسن الميرغني والمؤتمر الشعبي.
وجاء الاتفاق، بعد 13 شهراً من انقلاب المجلس العسكري السوداني على الحكومة الانتقالية، التي تشاركها المدنيون والجيش لأكثر من عامين وفق اتفاق الوثيقة الدستورية، الذي وقع عليه الجانبان، عقب إطاحة الثورة الشعبية بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير في العام 2019.
وينص الاتفاق على مؤسسات سلطة انتقالية مدنية بالكامل، بما يشمل المجلس السيادي ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي، بالإضافة إلى مجلس للأمن والدفاع يترأسه رئيس الوزراء وتشمل عضويته الوزارات ذات الصلة وقادة الأجهزة النظامية و6 من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا، على أن تحدد مهامه وصلاحياته وفق الدستور الانتقالي.
وحسب الاتفاق، تتخذ القوات المسلحة عقيدة عسكرية تلتزم بالنظام الدستوري وبالقانون وتقر بالنظام المدني الديمقراطي أساسًا للحكم، ويكون رأس الدولة قائدًا أعلى للقوات المسلحة.
كما أنه حظر تكوين ميليشيات عسكرية أو شبه عسكرية ومزاولة القوات النظامية الأعمال الاستثمارية والتجارية ما عدا تلك التي تتعلق بالتصنيع الحربي والمهمات العسكرية وفقًا للسياسة التي تضعها الحكومة الانتقالية، ووجه بأن تؤول لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي جميع الشركات الحكومية المملوكة للقوات النظامية المختلفة وجهاز المخابرات والتي تعمل في قطاعات مدنية، على أن تخضع بقية الشركات المملوكة للقوات النظامية والتي تعمل في قطاعات عسكرية وأمنية لإشراف وسلطة رقابة وزارة المالية في الجوانب المالية والمحاسبية وسلطة ديوان المراجع القومي.
وكذلك أكد الاتفاق على تنفيذ السياسات المتعلقة بالإصلاح الأمني والعسكري وفق خطة الحكومة الانتقالية وصولاً لجيش قومي مهني احترافي واحد.
ويتضمن ذلك تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاق السلام 2020 والاتفاقيات التي تأتي لاحقا بخصوص قوات الحركات.
وأيضا نص على دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة، وفق الجداول الزمنية، وكذلك قوات الحركات المسلحة، لتكوين جيش مهني موحد.
إلا أن الاتفاق وضع برنامج الإصلاح العسكري المتفق عليه في الدستور الانتقالي في يد قيادة القوات المسلحة، أي أن الأطراف المدنية لن تكون جزءاً من تلك العملية الإصلاحية.
وهذا ما لفت إليه البرهان، بشكل واضح خلال مخاطبته مراسم التوقيع على الاتفاق الإطاري، حيث اشترط ذهاب الأحزاب إلى الانتخابات وعدم مشاركتها في الفترة الانتقالية مقابل خروج العسكر من السياسة، قائلا: «العسكر للثكنات والأحزاب للانتخابات».
وفي وقت أكد على الاعتراف بالقيادة السياسية وعدم استخدام الأوامر العسكرية لمصالح خاصة والعمل على وحدة الجيش والالتزام بمهام حفظ الأمن وحماية الحدود من المهددات الخارجية، دعا السلطة المدنية إلى عدم التدخل في الشؤون الفنية العسكرية لإنفاذ غايات الأمن القومي، على حد قوله.
وبذلك يصبح قائد انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، هو ذاته المسؤول الأول عن إصلاح المؤسسة العسكرية والنأي بها عن السياسة، باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، حسب الاتفاق، الذي لم يضع آليات واضحة لتنفيذ تلك الإصلاحات.
تحدٍ آخر، يواجه الاتفاق الإطاري (المبدئي) وهو اشتراط الوصول لتوافق واسع حوله، للمضي نحو اتفاق نهائي، الأمر الذي قد يعني بالضرورة مشاركة المزيد من التنظيمات التي تشاركت السلطة مع نظام البشير وكذلك الأحزاب والحركات الموالية للانقلاب العسكري والتي ما يزال بعضها رافضا للانضمام للاتفاق، إلا أن المرجح أنهم سيلحقون به قريباً.
وبينما تؤكد مكونات الحرية والتغيير الموقعة على الاتفاق على شروعها في تكوين جبهة عريضة لقوى الثورة السودانية، وأنها ستنخرط في نقاشات واسعة مع لجان المقاومة والتنظيمات والأحزاب الداعمة للانتقال الديمقراطي، من أجل إقناعها بالانضمام إلى الاتفاق، إلا أن لجان المقاومة، سبق وأعلنت موقفها الرافض لأي تسوية مع قادة الانقلاب، مؤكدة على التصعيد حتى إسقاط الانقلاب وتقديم قادته للعدالة، والقصاص لضحاياه، الذين بلغ عددهم نحو121 قتيلا وأكثر من 6000 جريح وفق لجنة أطباء السودان المركزية.
وكذلك، تمسك تحالف التغيير الجذري وتجمع المهنيين السودانيين والحزب الشيوعي السوداني، بالإضافة إلى حزب البعث العربي الاشتراكي الأصل، برفض الاتفاق، معتبرة إياه شرعنة للانقلاب العسكري. أي أن الاتفاق الإطاري وسع شقة الانقسام في معسكر القوى الداعمة للانتقال الديمقراطي في البلاد.
فضلا عن ما سبق، أجل الاتفاق النظر في أربع قضايا أساسية، تتضمن العدالة والعدالة الانتقالية، تعديل اتفاق السلام 2020 وتفكيك النظام السابق، مشيرا إلى ضرورة تطوير النصوص الخاصة بها في الاتفاق الإطاري بمشاركة جماهيرية واسعة، تشمل ثلاث مجموعات هي أصحاب المصلحة والقوى الموقعة على الإعلان السياسي وقوى الثورة. في وقت يبدو أن العديد من قوى الثورة أكدت أنها لن تكون جزءاً من هذا الاتفاق.
وترى المكونات المدنية الموقعة على الاتفاق الإطاري أنه على الرغم من عدم وجود ضمانات لتنفيذه إلا أنه قد يقود إلى استعادة الحكم المدني الديمقراطي، بينما يقطع الطريق أمام تمدد الإسلاميين، الذين عادت كوادرهم إلى مفاصل الدولة عقب الانقلاب، كما نجحت في استرداد العديد من الأموال والأصول التي صادرتها لجنة إزالة تمكين النظام السابق والتي جمد عملها البرهان عقب الانقلاب.
وكذلك تعتبر أنه قطع الطريق أمام مخططات العسكر لتفكيك الجبهة المدنية المناهضة للانقلاب، وأنه قد يكون الطريق الأقل تكلفة لاستعادة الانتقال الديمقراطي في البلاد، خاصة في ظل الدعم الدولي الكبير الذي وجده الاتفاق.
وتعول القوى المدنية على ممارسة الوساطة الرباعية التي تقودها واشنطن والرياض، المزيد من الضغوط على العسكر للالتزام بتنفيذ الاتفاق، الذي تقوم بتسيره الآلية الدولية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد، خاصة وأن المانحين الدوليين يشترطون الوصول لاتفاق نهائي وتشكيل الحكومة المدنية لاستئناف المساعدات الدولية.
كما أن واشنطن، بعد يومين من توقيع الاتفاق الإطاري، أعلنت توسيع دائرة العقوبات ضد من يعرقلون الانتقال الديمقراطي في السودان لتشمل تقييد التأشيرة لأي مسؤولين سودانيين حاليين أو سابقين بمن فيهم عائلاتهم أو غيرهم من الأفراد الذين يُعتقد أنهم مسؤولون أو متواطئون في تقويض التحول الديمقراطي في السودان، بما في ذلك قمع حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية