هل يعدم أسير الحرب كي يعدم صدام حسين؟ الظلال الطائفية والعنصرية حولت صدام من متهم إلي شهيد!

حجم الخط
0

هل يعدم أسير الحرب كي يعدم صدام حسين؟ الظلال الطائفية والعنصرية حولت صدام من متهم إلي شهيد!

محمد عبدالحكم ديابهل يعدم أسير الحرب كي يعدم صدام حسين؟ الظلال الطائفية والعنصرية حولت صدام من متهم إلي شهيد!أصبح الكاتب العربي المهتم بالهم العام غير قادر علي تتبع الأحداث المتلاحقة والمصائب المتسارعة، التي تحط علي رأس العرب والمسلمين، فمن الهم المصري، الذي انهارت فيه مؤسسات الدولة تماما، ولم يبق منها إلا مؤسسة عائلية ، محدودة العدد والتأثير، تدير مصر بطريقة إدارة الورش العائلية، أو محلات البقالة. وفي فلسطين بلغت المأساة ذروتها، بسلطة تعادي التطلعات الفلسطينية في التحرير والدولة المستقلة، وتجد الدعم من حكام عرب جعلوا مهمتهم حصار الفلسطينيين وتجويعهم واعتقالهم وقتلهم، إذا لزم الأمر. ولا يختلف الموقف في العراق ولبنان، وباقي بلاد العرب. فمن لا يدمره الاستبداد، يترك للفساد ينهشه، ومن لم يرض بالتبعية يأتيه الغزو جهارا نهارا.أصبحت الكتابة مثل النفخ في القرب المقطوعة، ومع ذلك فعلي الكاتب ألا ييأس، فالكلمة تبقي مفتاحا للمعرفة، والمعرفة تنير الطريق إلي التغيير المطلوب بشكل ملح. وقد يقول قائل تشابه علينا البقر .. وتاه الناس بين البقر المصري والعراقي والفلسطيني واللبناني وباقي البقر العربي، والخلاف بينهم ليس كبيرا، ولا يتعدي اللون أو الوزن أو طرق التعامل.ويأتي الحكم الصادر بإعدام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، جزءا من الهم العربي العام، يعكس الأوضاع الراهنة المتردية. ويبين مستوي الانحطاط في التعامل الذي وصلت إليه حالة الرخاوة والبلادة العربية العامة، وبداية فإن تناول هذا الحكم وما يحيط به هو من أجل الوقوف علي مدي سلامته ومنطقيته، من خلال طرق جوانب بدت غير مطروقة.. وفي البداية علينا أن نقر بالاتهامات الموجهة للرئيس العراقي المخلوع بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وسوف يترتب علي ذلك سؤال هو من هو المؤهل للتعبير عن هذه الإنسانية، التي ارتكبت ضدها الجرائم المزعومة؟، من هو لكي يعطي لنفسه حق الحكم بالإدانة أو البراءة؟ هذا من ناحية الاتهام، أما من ناحية الموقف من المحكمة، فهذه المحكمة تشكلت أثناء حرب ما زالت دائرة، منذ اذار (مارس) 2003، وصدر بها قرار من حكومة أقامها الغزاة، ومحاكم فترات الحروب، فضلا عن أنها استثنائية، فإنها لا يمكن أن تكون مستقلة مهما ادعت، وهي رهن بسير المعارك علي الأرض، والحروب بين طرفين.. وهما في الحالة العراقية طرف غاز وشعب معتدي عليه، يقاوم علي أرضه، وهي بالشكل الحالي، رغم الاحتلال وتنصيب حكومة موالية له، علي غرار حكومة فيشي، أثناء الاحتلال النازي لفرنسا، لم تحسم بعد، فليست هناك سيطرة فعلية للاحتلال إلا علي المنطقة الخضراء، في بغداد، أما باقي البلاد فهي محل كر وفر بين الطرفين.والمتابع يعلم أنه كان مطلوبا من القادة السياسيين والعسكريين، لعراق ما قبل الغزو، أن يعلنوا استسلامهم كشرط للإقرار بالهزيمة، وتأكيد انتصار الغزاة، لكنهم لم يفعلوا. وتم أسرهم بقوات أمريكية، وعدم الاستسلام أكد معني استمرار الحرب، بين مد وجزر، وللأسير معاملة خاصة وفق القوانين والأعراف الدولية، وهي قوانين وأعراف غير معترف بها، من قبل الغزاة، لكون الأسير عربيا ومسلما. ونعرف، سواء بالخبرة المنقولة، عبر تراث السلف وقيم وعادات الآباء والأجداد، أو من جراء الاطلاع علي كتب الأولين والآخرين، من بني الجلدة أو من الأجانب، نعرف أن الأسير لا يتم تسليمه إلي خصمه، وفي حالة صدام اهتدي الغزاة إلي تصنيع وتعليب وكيل ، يحاكم صدام نيابة عنهم. وهذا لا يغطي علي حقيقة أن الآسر أمريكي، وصاحب القرار أمريكي، يشاركه أوروبيون وكنديون واستراليون، ومسؤوليتهم جميعا حماية الأسير، وكفالة حقوقه القانونية والإنسانية، ونقل المسؤولية إلي وكيل مصنع ومعلب، معروف بعدم أهليته وطائفيته وعنصريته وعدم استقلاليته.. وكلها صفات تخل بالنزاهة والحيدة ومتطلبات العدالة. بالإضافة إلي أن المسؤولية بالوكالة غير المسؤولية بالأصالة، ومسؤولية الخادم لا ترقي لمسؤولية سيده.. ولا يغير من هذه الحقائق كل ما قيل ويقال عن عراقية القضاة والمحكمة، وقد لجأ الغزاة إلي هذه الحيلة للتغطية علي عملية الإبادة والتطهير العرقي المنظمة، التي تجري للشعب العراقي الشقيق. فالتقارير الغربية هي التي أشارت إلي أن عدد الضحايا العراقيين، اقترب، علي مدي ثلاث سنوات ونصف، من سبعمئة ألف ضحية. وكما يشهد العالم غياب الضمير الرسمي الغربي، منذ ما قبل الاستيطان في فلسطين، فإن المشهد العراقي يؤكد فقدانه للحس الإنساني، وتبعا له غاب الضمير الرسمي العربي، وفقدانه، هو الآخر، لحسه الإنساني، والسبب أنه جعل من نفسه رديفا للمجهود السياسي والعسكري الصهيو غربي، وهذا طمس قيما إنسانية وأخلاقية، تربت عليها أجيال، وكان من الممكن أن تضبط قواعد التعامل أثناء الحروب، فمنظومة القيم الأخلاقية والإنسانية للعرب، المطموسة حاليا، وتأكدت بالرسالات السماوية، ورسختها القوانين والأعراف الوضعية، المتعلقة بالخصومات والحروب والأسري، حيث من الثابت أن حضارات المنطقة القديمة، في مصر وبابل واليمن والشام توصلت إلي قواعد واضحة في هذا الشأن، وجاءت وصية أبو بكر الصديق إلي جند أسامة بن زيد، وهو يسلمه إمارة جيش المسلمين تتويجا لهذا التراث الإنساني، وكان نصها: لا تخونوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا إمرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له ، وهي وصية كان عمر بن الخطاب يوصي بها قواده وجنوده، وصارت تقليدا من بعده. أما التعامل مع الأسري فالتراث العربي والإسلامي يشير إلي أن الرسول الكريم، عامل أسري مكة علي قاعدة التصالح والعفو عند المقدرة، وقال قولته الشهيرة اذهبوا فأنتم الطلقاء ، أما الأسري الآخرين فاشترط علي الأسير أن يعلم عشرة أميين القراءة والكتابة للعتق وإطلاق السراح، وبهذا فتح الباب أمام الاستفادة بالأسير، من علمه وفضله وخبرته، أو فديته بالمال أو استبداله بأسري لدي العدو بعد أن تضع الحرب أوزارها!!.هذا جري مع لويس التاسع ملك فرنسا، الذي قاد حربا أوروبية، وصفت بالصليبية، للاستيلاء علي بيت المقدس وبلاد الشام، أطلق سراحه عند تسوية آثار الحرب، مقابل دية دفعت عنه، وهناك بيت شعر شهير يذكر بما جري، وما يمكن أن يجري يقول: هذي دار ابن لقمان علي حالها.. والقيد باق والطواشي صبيح ، ودار ابن لقمان، كانت دار الأسر بالمنصورة، أما صبيح فهو خادم الملك الأسير.. وفي زمننا هذا قتلت الدولة الصهيونية أسري مصريين دهستهم أحياء بالدبابات الصهيونية، وأبادت، وما زالت تبيد، الفلسطينيين العزل وتهدم بيوتهم علي رؤوسهم، بجانب القتل المعنوي، الذي مارسته وتمارسه الولايات المتحدة في غوانتانامو وأبو غريب. وعند مقارنة محاكمة صدام بمحاكمة ميلوسوفيتش، الرئيس الصربي الأسبق، نجد أن ميلوسوفيتش حوكم بعد أن انتهت الحرب، ولأنه اتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، قدم لمحكمة دولية.. ولم يسلم لخصومه، ولم يعدم لأن قوانين أوروبا تمنع الإعدام، أما عندما يكون المتهم عربيا أو مسلما، يختلف الموقف.. يسلمونه لخصومه، ولا يقتصر هذا علي شخص صدام حسين، فهو نهج عام طبق علي المتهمين بالإرهاب.. ارسلوا للتعذيب وانتزاع الاعترافات بالوكالة تحت التعذيب، في مصر وباكستان وغيرهما، للتغلب علي القوانين الغربية التي تمنع التعذيب، والعدالة الشكلية التي تقتضي توفر حياد شكلي، تغيب فور تسليم الأسير إلي خصمه وعدوه، وهذا التمييز متعمد لإهانة كل ما له علاقة بتكوين صدام حسين العرقي والثقافي والحضاري والديني، ضمن تقاليد استعمارية تمت علي أساسها محاكمة سليمان الحلبي، المتهم بقتل كليبر، قائد الحملة الفرنسية علي مصر، بعد أن حل محل نابليون، أعدم بالوضع علي الخازوق حتي لفظ أنفاسه. ومحاكمة دنشواي التي أقامها الاحتلال البريطاني، وعلق الضحايا علي المشانق لعدة أيام وسط القرية في هجير الصيف، ونفس الشيء حدث مع عمر المختار، من قبل الفاشيست الإيطاليين، الذين احتلوا ليبيا، وما زالت هذه التقاليد مستمرة فيما تقوم به الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين، وما تقوم به فرق الموت الطائفية، التي أعدها الاحتلال للقيام بالمهام القذرة نيابة عنه. وإذا كانوا يريدون منا أن نقر بسلامة الحكم وصحة الاتهامات، فإن هذا الإقرار غير ممكن. فالتجربة العملية أكدت تمرس الغزاة علي تزييف الحقائق والمعلومات، أليسوا هم الذين ادعوا امتلاك العراق أسلحة دمار شامل؟ وهم الذين قالوا بوجود علاقة بين صدام وأسامة بن لادن؟ وهم من أحضر الشهود وفبرك المعلومات والتقارير وعبأ الرأي العام، بمعلومات وتقارير مغلوطة؟ ومصدر الشك يزكيه الطابع الطائفي في تناول قضية الدجيل، كمنطقة شيعية، مع أن نظام صدام كان يوزع ظلمه بالعدل والقسطاس علي كافة مكونات الشعب العراقي، لم يعاقب أحدا علي الهوية أو العرق أو المذهب، لهذا لم توجه له المحكمة اتهاما بتصفية عدد من رجال نظامه وحكمه وحزبه. ونفس الشيء مع قضية الأنفال، فبجانب أنها تحمل طابعا عرقيا، لأنها كانت ضد الأكراد، فقد وظفت، في تسعينات القرن الماضي ضد إيران، ثم عندما ساءت العلاقة الأمريكية العراقية وجهت التهمة إلي العراق.. أيهما نصدق؟، اتهام إيران، أم العراق؟!.وأما إذا كانوا سيعدمون صدام لاستبداده، فمعني ذلك أن يتحسس الحكام العرب رقابهم، كم حاكم سيبقي علي مقعده، لو أعدم الغرب المستبدين؟!!. لقد سجل التاريخ أن الحكم بإعدام صدام تم ضمن محاولة لصنع انتصار وهمي يغطي علي الفشل الأمريكي في العراق، وعلي هزيمة المشروع الصهيو غربي لإعادة صياغة المنطقة العربية والعالم الإسلامي. ومحاولة أخيرة بائسة لتسويق المحافظين الجدد للناخب الأمريكي في انتخابات نصف المدة للكونغرس، ولم يكف هذا النصر الوهمي لاقناع الناخب الأمريكي بسلامة قرار الحرب، أو جدارة من أصدره، ومن المتوقع أن تتحول المحكمة إلي عبء وعار يضاف إلي عارات الإدارة الأمريكية وملحقاتها في أوروبا والوطن العربي والعالم الإسلامي.هذا السلوك الاستعماري المعتاد صب، في النهاية، لصالح صدام حسين، وجعل من انحيازه للمقاومة وطلب إخراج الاحتلال بابا للمغفرة، فقد نال بوقفته الشجاعة وتحديه للاحتلال ومحكمته إعجاب قطاعات عريضة من العرب، كل العرب.. وقف وقفة عز ضد عدو شعبه وأمته، وهذا وحده كفيل بأن يحوله من متهم وجان إلي بطل وشهيد وسبحان مغير الأحوال!!.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية