فرق بين الكلام المنطقي العلمي والكلام العاطفي العشوائي. إنّ إقليمنا في بعده الجغرافي والتاريخي لم يصنع إلاّ حضارة واحدة ومرة واحدة، ألا وهي الحضارة الإسلامية! فالحضارة الإسلامية التي إمتدت الى خارج موطن نشأتها هي بنت الوطن العربي خالصة. فهذا الإرث الحضاري كامن في وجدان الأمة رغم ما حل بها من محاولات الطمس والتشويه والسلب.. إنّ الإنسان الذي يملك تلك المرجعية التي إنطلق منها المسلمون في الأندلس والهمت الامير عبدالقادر الجزائري على تأسيس ‘الدولة الجزائرية الحديثة’ هذا الإنسان لا يعب عليه أن يقدم مشروعا يعيد للأمة وجهها الحضاري الذي غيّب جراء إستراد أفكار وإديولوجيات غريبة عنّا لا ترقى لمستوى برنامج نهيك عن مشروع!! لو توقعنا نجاح الإسلامين في الإنتقال بالأمة كي تلعب دور الفاعل على الساحة الدولية وأنهم بصدد تحويل المنطقة خلال العشرين سنة القادمة الى محور هام في المعادلة الدولية، فماهي المقاييس التي نبني عليها هذا التوقع! بهذا الصدد نقول أن التيار الإسلامي بسلبياته يملك جميع أدوات المشروع الحضاري، وأسمح لنفسي أن ألخصها في الآتي: المرجعية، فمرجعية الإسلاميين كأداة فهي مليئة بالعطاء لدرجة أنّ اصحاب العقول في الغرب وطفوا الكثير من تراثنا في حل مشاكلهم الإجتماعية فعلى سبيل المثال ‘The Social Welfare’ فمثل هذا الاجراء الإجتماعي مورس في صدر الإسلام خاصة في عهد الخليفة عمر. وأبعد من هذا ذكرت كتب السير أن مشروع الدولة الإسلامية في عهدها الأول هي التي شرعت ما يسمى اليوم يقانون حماية الأقليات حيث كانت لأصحاب الديانات غير الإسلامية محاكمهم الخاصة التي يتقاضون من خلالها في شؤونهم الخاصة! والغريب أنّ مقاطعة أونتاريو وقبل عشرة سنوات تقريبا من الآن إقتربت من الترخصين للمسلمين من تأسيس محاكم خاصة بهم تتكفل بقضايا الزواج والطلاق ومثل هذه الاشياء التي لا تضر بالنظام العام لدولة كندة وهي محاكم غير ملزمة إنما هي للذين يرغبون في فك نزعاتهم طوعية من خلال تقاليد المسلمين، ومثل هذا الأمر متوفر للجاية اليهودية مثلا، لكن بعض العلمانيين المحسوبين على المسلمين تصدوا لهذه الفكرة بشراسة رغم أنه إجراء لا يلزمهم!! إذا الإسلاميون يستندون الى مرجعية متجددة ومرنة وواقعية. الأداه الثانية هي الأخلاق، فالخلق هو عامل وجداني ينعكس على السلوك والأخلاق كما عرفها بعض الدارسين هي سياج الاعمال التي تحفظها من الفلتان والتميع والانحراف وبالتالي يمكن إجتناب الغساد ومحاربته إذا ما وقع، والاخلاق هي التي تجعلنا ‘لانبخس الناس أشياءهم’ وهناك عامل ثالث يتمثل في الكفاءة حيث يمتك التيار الإسلامي طاقات شابّة كفؤة سواء علميا أو مهنيا وهم من الجيل الحديث الذي لم يتلوث بثقافة المستعمر، وهو جيل أكثر إستعابا وفهما للتكنولوجيات الحديثة. أما المقوم الرابع فيتمثل في اللغة إذ لا يمكن أن نصنع حضارة متميزة ومستقلة وخالصة بإستعارة لغة أجنبية!
فاللغة الفرنسية مثلا صنعت مجد فرنسا لكنها فشلت في تقديم شيئ معتبر لكل الدول التي تبنتها. واليابانيون حين طوروا بلادهم طورها بإستعمال لغتهم وليس لغة أخرى كوعاء لغوي رسمي وأساسي في البلاد. فالتيار الإسلامي هو الاول بلا منازع الذي يعتمد على اللغة العربية كوعاء للثقافة وللحضارة التي يعبر بها عن مشاريعه وهذه أداة قوية من أدوات بناء الحضارة أو إنجاز مشروع حضاري. إن تهمة فساد الإسلاميين هي تهمة باطلة ولا يمكن أن لتيار يرفع شعار الإسلام وهو تيار فاسد ويعمر ويستمر حيث أن الإسلام نفسه لا يقبل ذلك ‘فالمدينة تنفي خبثها’ كما يقال. وإعتماد الإسلام كمرجعية لا يمت بصلة لمفهوم الدولة الثيوقراطية التي لم تمارس قط في تاريخ الامة الإسلامية إنما مورست عند الاروبيون أو عند أصحاب العقائد الوضعية. هناك مقوم آخر يدعم نجاح المشروع وهو متوفر لدى الإسلاميين، وهو أن ‘النخبة الإسلامية’ خرجت من صميم المجتمع وهي نشأت وسط الشعب ولم تصنع في دوائر مفلقة أو تخرجت من مخابر عالمية فهي الشعب والشعب هي. فمن مميزات هذه النخبة أنها بسيطة وليست معقدة ويسهل التواصل معها وبما أنها نتاج شعبي فهي تخضع لمقياس النقد والرقابة الشعبية. فالمشروع متوفر ولو أخذنا الجانب القتصادي على سبيل المثال فالإسلاميون وبدون مبالغة لديهم من الحلول والآليات ما يجنبوا بلدانهم تلك الأزمات التي تعصف بدول كبرى من حولنا. فالمشروع موجود ومؤشرات نجاحه واضحة. يبقى على الشعب أن يقبل بهم أو لا، وإذا قبل بهم فهل هو مستعد أن يساعدهم في تخطي العراقيل التي قد تواجههم من هنا وهناك؟! عبدالقادر بهوري – كندا[email protected]