هل يغير أوباما موقفه المتردد من سوريا ويستجيب لرغبات الداعين للتدخل العسكري؟

حجم الخط
4

لندن ـ «القدس العربي»: يلقي الرئيس الأمريكي باراك أوباما اليوم خطابا مهما في الأكاديمية العسكرية «ويست بوينت» يحدد فيه ملامح السياسة الخارجية الأمريكية، ويتحدث فيها عن دور عميق في سوريا ولكن بدون التدخل العسكري. وسيحاول أوباما الرد على نقاده في خطابه خاصة أنه يتعرض لنقد في داخل أمريكا ومن حلفائه الذين أغضبهم واتهموه بعدم الحسم في شؤون السياسة الخارجية.
ويقول جوف داير في تحليل لسياسة أوباما الخارجية إن الأصوات العالية ضد أوباما تنبع من داخل البيت الأمريكي لكن الحلفاء من السعودية لليابان يتساءلون إن كانت الولايات المتحدة ستأتي لنجدتهم ساعة الضرورة أم لا.

خطوط للتحرك

ويقول داير في تحليله الذي نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية أن اوباما عندما خاض حملته الإنتخابية في عام 2008 كان هناك شعور بأن هناك الكثير من أمريكا في العالم، وفي حملته الإنتخابية لعام 2012 قام أوباما برفع السياسة الخارجية عن الطاولة، ومع أنه لا يزال متناغما مع الرأي العام الأمريكي إلا أن الشعور العام لدى الأمريكيين أن هناك دور قليل لأمريكا في العالم. وحتى جون كيري وزير الخارجية، اعترف بوجود هذا المفهوم في خطاب له الإسبوع الماضي عندما قال «لا نستطيع السماح لأثار التدخلات العسكرية المتكررة في العقد الماضي أن تقودنا نحو عزلة اكثر».
وكان كيري يتحدث أمام طلاب جامعة ييل مضيفا أن «بقية العالم لا يسهرون الليل يفكرون حول الوجود الأمريكي ولكنهم يفكرون ماذا سيحدث لهم في غياب الولايات المتحدة».
ومن هنا فسيحاول أوباما في خطابه في «ويست بوينت» وضع الخطوط الرئيسية للكيفية التي ستقود الولايات المتحدة فيها «قيادة المجتمع الدولي ولكن بدون أن افراط» كما تحدث أحد مسؤولي البيت الأبيض.
ومع ذلك فالهجمات التي يتعرض لها أوباما حول مواقفه الخارجية جعلته في موقع الدفاع لا الهجوم ويدافع عن مدخله الحذر.
وأشار الكاتب إلى تصريحات أوباما في جولته الآسيوية عندما قال إن السياسة «قد لا تكون جذابة وقد لا تكون مغرية لتجذب الإنتباه ولا تكون مثار اهتمام في الحوارات التلفازية صباح يوم الأحد»، ولكنها «تتجنب الوقوع في الأخطاء».
ويرى الكاتب إن الإتهامات الموجهة لأوباما تنحصر في اثنين أنه خجول في سياسته الخارجية والثاني هو أن الولايات المتحدة في عهده آخذة بالتراجع عن موقعها القيادي في العالم وتتجه نحو العزلة الذاتية.
ويرى بوب كوركر، النائب الجمهوري وعضو لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس «في كل القضايا كان موقف الإدارة هو عمل الحد الأدنى وليس أكثر».
وأضاف «كل حكومة حليفة لنا أستمع لنفس السؤال وهو إن كنا سنكون هناك» للدفاع عنهم. ويعتقد داير أن الحديث عن سلبية أوباما مرتبط بالنقاش الفكري في واشنطن حول السياسة الخارجية.

من المثالية لسياسة الواقع

وعندما انتخب للرئاسة نظر الكثيرون لأوباما كمثالي حالم خاصة في خطاباته وتصريحاته الموجهة للعالم الإسلامي ونتيجة لعلاقته الطويلة مع سامنثا باور، سفيرة الولايات المتحدة الحالية في الأمم المتحدة والصوت القوي الداعي لما يعرف التدخل الليبرالي. وعلى خلاف هذه النظرة فقد كشف أوباما عن نفسه كرئيس متجذر في تقاليد السياسة الواقعية التي تركز على الدفاع عن المصالح القومية والحذر من القضايا الأخلاقية.
ويرى داير أن هذا الموقف ليس مفاجئا، فحتى قبل انتخابه للرئاسة تحدث للصحافيين عن احترامه لسياسة جورج بوش الأبن الخارجية. ومن هنا فحذر أوباما في القضية السورية ينبع من اعتقاده أنه من الأحسن تجنب الوقوع في الأخطاء بدلا من الظهور بمظهر الرجل الحازم. وعليه قال أوباما في خطاب له أمام الأمم المتحدة في إيلول/ سبتمبر الماضي أن الولايات متواضعة بشكل كبر عندما يتعلق الأمر «باستخدام قوتنا لتقرير الأحداث في داخل دول أخرى».
ومن هنا وقع أوباما في خطأ الحديث عن الخط الأحمر المتعلق بالأسلحة الكيميائية السورية، حيث هدد نظام بشار الأسد بالعقاب أن تجاوزه ثم تراجع عن استخدام القوة مقابل تفكيك الترسانة السورية في الصفقة التي عقدتها وأشرفت عليها روسيا العام الماضي.
ويعلق جون ميرشماير من جامعة شيكاغو وأحد القادة في التفكير الواقعي «خطأ أوباما في سوريا لم يكن أنه لم ينفذ تهديداته حول الخطوط الحمراء»، ولكن «كان تحديده الخط الأحمر في المقام الأول».
وهذا الموقف كما يقول الكاتب يضع في تضاد مع قطاع كبير من مؤسسة السياسة الخارجبة على اليمين أو اليسار الذين يدعمون التدخل على الرغم من الآثار الصادمة التي تركتها تجربة العراق.
ويرى عدد من الداعمين للرئيس أن الحذر قد يكون ذريعة لعدم فعل شيء كما يعتقد مسؤول الأمن القومي السابق زبينجو بريجنسكي الذي يقول إن أوباما مصيب في حدسه ولكنه «لا يترجمه إلى استراتيجيات دبلوماسية لتحقيق أهداف».

سوريا وأفغانستان

ويقارن طريقة تعامل أوباما في ولايته الثانية مع قرار وضع جنود على الأرض في أفغانستان بمراجعات السياسة الأمريكية المتكررة للسياسة في سوريا والتي انتهت بدون قرار او فعل شيء هناك.
ويضيف الكاتب هنا أن جذور الغضب على أوباما متجذرة بقراره العام الماضي عدم شن هجمات بصواريخ توم هوكس ضد سوريا وانتهت بقراره عرض الموضوع على الكونغرس. ويقول إنه خارج منطقة الشرق الأوسط هناك عدد قليل من الحلفاء ممن عبروا عن قلقهم من غياب التفاصيل حول الضربة على سوريا، وما أثار دهشتهم هو منظر رئيس هدد باستخدام القوة ثم قال إنه لا يملك السلطة السياسية لتنفيذ تهديده.
وينقل عن والي ناصر أحد المسؤولين في الخارجية الأمريكية سابقا في إدارة أوباما والذي يعتبر من النقاد الكبار للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط «لقد فقدنا الهالة التي كنا نتمتع فيها في المنطقة».
ومنذ قراره تعمقت الازمة الإنسانية في سوريا، ولكن أوباما رفض كل الضغوط من إدارته لعمل شيء وتحولت سوريا حتى بالنسبة لمساعديه الذين يدعمون موقفه الحذر يرون أن الحدث قد أدى إلى مسلسل غير مجيد في تاريخ حكمه. وبالإضافة لسوريا فالأحداث التي تكشفت في أوروبا وآسيا أظهرت محدودية الإدارة الأمريكية والتأثير على العالم، ففي الوقت الذي تخطط فيه وزارة الدفاع لقطع ميزانيات الدفاع تقوم الصين بالعمل على توسيع مناطقها وأراض تزعم أنها لها وعلى تحدي السيادة الأمريكية في غرب المخيط الهاديء.
وفي أوكرانيا قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بضم شبه جزيرة القرم وأثر على استقرار مناطق في شرق اوكرانيا في الوقت الذي كان الغرب يبحث فيه عن طرق للعثور على حلول. وينقل هنا ما قاله الأمير تركي الفيصل، مدير الإستخبارات السعودية السابق في لقاء مع الصحيفة «في الوقت الذي يقوم فيه الذئب بأكل الغنم لا راعي يأتي لأنقاذها».

العزلة

في الإتهام الثاني الذي يقول إن الولايات المتحدة تقوم بالتراجع والتوجه نحو العزلة، يرى داير أن من الصعب دعمه، ففي النهاية تعتبر الحملة في أفغانستان التي تنتهي هذا العام من أطول الحملات العسكرية في تاريخ الولايات المتحدة.
ويعتقد أن فكرة الأنسحاب الأمريكي من المنطقة جاءت من الشرق الأوسط بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وحتى لو سلمنا بهذا الرأي فالوجود الأمريكي في منطقة الخليج قوي، فبعد التوسع الكبير لأمريكا في العقود الماضية أثناء فترة ريغان في الحرب الباردة كان مستوى الوجود الأمريكي في المنطقة لا يتجاوز 8.800 جندي أما الآن فمستوى القوات الأمريكية وصل إلى 35.000 جندي. وينقل عن الأدميرال المتقاعد دينيس بلير الذي قال لقد «عسكرنا وجودتا عبر السنين في الشرق الأوسط، والذي لم يكن دائما من مصلحتنا».
وفي اجزاء من المنطقة اثارت إدارة اوباما الغضب بسبب موقفها الحذر من سوريا ولكنها مارست سياسة قاسية في استخدام الطائرات بدون طيار والهجمات السايبرية ضد إيران. وفي هذا السياق يقول الكاتب إن معظم النقد لأوباما القادم من الشرق الأوسط لا يتعلق بمصداقية الرئيس بقدر ما يتركز حول الإختلاف في المصالح، ففي الموضوع الإيراني يحاول الرئيس منع طهران من الحصول على السلاح النووي بدون أن يبدأ حربا جديدة معها، فيما عبر السعوديون والإسرائيليون غن غضبهم من تفاوض الولايات المتحدة مع دولة ينظرون إليها باعتبارها منافسا لهم في المنطقة ويعتقدون أنها تهديد وجودي لهم. وفي الوقت نفسه ترى الكثير من دول الخليج الحرب السورية عبر منظور الحرب الطائفية وتريد أن تهزم إيران الشيعية فيها.
ويرى داير إن الطبيعة الطائفية للحرب هي واحد من الأسباب التي تدعو أمريكا للتردد على التورط فيها.

تعزيز الوجود في آسيا

وبعيدا عن الشرق الأوسط المنخرطة فيه واشنطن تحاول الأخيرة تعزيز وجودها العسكري في منطقة آسيا حيث وقعت عقودا عسكرية مع استراليا والفلبين لبناء قواعد عسكرية وتعميق التعاون العسكري مع اليابان، ولعل السبب في نشاطات الصين الأخيرة لتاكيد وجودها العسكري هو ان أوباما يدفع كثيرا في اتجاه تعزيز النشاط الأمريكي في هذه المناطق. ومقارنة مع نشاط الولايات المتحدة المحموم في الشرق الأوسط وآسيا تظل أوروبا من المناطق التي يتلاشى فيها التأثير العسكري الأمريكي، ولكن يجب قراءة هذا في إطار الوضع في أوروبا وقرارات الدول هناك بتخفيض ميزانياتها العسكرية.
ويعتقد الكاتب أن هناك بعد لا ينتبه إليه الذين يتحدثون عن الدور الأمريكي وهو ان العالم يتغير وأن هناك دول صاعدة وأخرى تخفف من حدة طموحاتها، كما وأن طبيعة المشاكل التي تواجه العالم تعكس الواقع القاسي باعتبارها تحتاج إلى عالم متعدد الأقطاب كي يقوم بمواجهتها.
وفي النهاية تظل سوريا واحدة من المشاكل التي تحتاج اجماعا دوليا لحلها، خاصة أن سوريا قد تحولت إلى ساحة حرب بالوكالة.
وكانت إدارة أوباما قد اتخذت بعض الإجراءات لتأكيد موقفها من ناحية تبني المعارضة السورية ورفع تمثيلها الدبلوماسي، وزيادة التحذير من خطـــر الجهــــاديين لكنها أي الإدارة لم تقـــدم ما هو مطلـــوب وهو الســـــلاح المتقدم، فهل يعلن أوباما تحولا نوعيا في سياسة الولايات المتحدة اليوم أم يواصل موقفه الحذر، خاصة أن الظروف المتحركة على الأرض وتغير الواقع يجبر الولايات المتحدة على تغيير أولوياتها.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية