هل يغير ترامب السياسة الإسرائيلية

حجم الخط
0

فجأةً وداخل بحر القرف والسخرية والغضب الذي يثيره دونالد ترامب، فقد اتخذ قراراً يبعث الأمل، لقد قرر الانسحاب من سوريا. إزاء جوقة النحيب الإسرائيلية، التي تضم بالطبع أيضاً قدراً لا بأس به من السرور لبنيامين نتنياهو، يجب أن نقول لترامب: شكراً، شكراً على القرار الذي سيفيد إسرائيل والولايات المتحدة والمنطقة.
ليس لأن الرئيس وفى بوعده، وليس لأنه يواصل السياسة الحكيمة لسابقه..ليس هذا فحسب، بل إن قراره أيضاً تجاه إسرائيل، والذي عرض هنا بالطبع وكأنه يحمل كارثة ويضعضع الوعد.. سوف يؤدي إلى جعل إسرائيل تبدأ بالوقوف على أرجلها ويفتح شرخاً في ثمل القوة لديها وفي قوتها الزائدة التي هي العوامل الأكثر تدميرية لها ولمحيطها. القرار يتعهد بإرجاع إسرائيل إلى أرض الواقع على الأقل في سوريا: سوريا أولاً.
إن استناد إسرائيل على قوتها العسكرية العظيمة واعتقادها أن القوة ستجيب عن كل شيء ـ بالإضافة إلى الدعم غير المحدود للولايات المتحدة ـ لم يفدها. الآن يجب أن نأمل أن الانسحاب من سوريا يبشر بتغيير الاتجاه من جانب الأمريكان، ولا يدلل فقط على قرار سريع لمرة واحدة. إذا حدث ذلك عندها سيتحول ترامب إلى صديق حقيقي لإسرائيل، يهتم بمستقبلها أكثر بكثير من كل مسلِّحيها ومموِّليها، أصدقاء أكاذيبها. مثل الأب الذي يقرر أن يتخلى عن معانقة الدب الذي يمنحها لابنه المدلل من أجل أن يواجه الواقع بنفسه ـ ربما سيقوم ترامب بتحرير إسرائيل من الرعاية المضرة التي أحاطتها بها أمريكا، مصيدة العسل التي أفسدتها حتى النخاع.
لا يوجد ما نبكي عليه على خروج أمريكا من سوريا. وباستثناء التخلي عن الأكراد المثير للغضب والمتوقع، فإن بقاء جيش الولايات المتحدة لم يؤدِ لا إلى سلام ولا إلى حرية لأحد، فكل حروب الولايات المتحدة أدت إلى سفك الدماء من العراق إلى فيتنام.
إسرائيل اعتقدت أن تكون في سوريا أيضاً تحت ظل الحماية الأمريكية، ترامب وضع حداً لهذا الأمل. في البداية كانت روسيا هي التي أنهت طيران إسرائيل في سماء سوريا ولبنان ـ والآن الولايات المتحدة. إسرائيل بقيت تواجه مصيرها، على الأقل في سوريا. هذا يخيف الأمنيين، أما المقتنعون بأن إسرائيل تستطيع أن تعيش بواسطة القوة فهذا يجب أن يشجع كل من يفهمون بأن الاعتماد الحصري على القوة العسكرية لم ينجح في يوم ما طوال الوقت. دول عظمى أقوى من إسرائيل انهارت. إسرائيل ستضطر لأن تقصف بقدر أقل، وهذا جيد. سوف تضطر للاعتراف بحدود القوة، وهذا أيضاً أفضل من سابقه.
إذا تسرّب هذا الفهم، عندها سيحدث تغيير ثوري في رؤية إسرائيل. الاحتمال للوصول إلى سلام وقبولها في المنطقة مرهون بإضعاف قوتها. خلافاً للتفكير المعتاد، فإن زيادة قوة إسرائيل هو لعنتها الكبرى. بفضلها وبفضل الدعم الأعمى للولايات المتحدة فإنه يمكّنها من العربدة كما يروق لها في الضفة وغزة، وفي لبنان وأحياناً أيضاً بأبعد من ذلك: أن تقمع شعباً، وأن تبني مستوطنات، وأن تسخر من العالم وتتجاهل القانون الدولي، وأن تتحرش وتعتدي. الآن جاء الرئيس الأكثر يمينية والأكثر قومية متطرفة من بين رؤساء الولايات المتحدة، أكبر أصدقاء الاحتلال الإسرائيلي، ليقول لمن هي من رعاياه: عليكِ أن تواجهي الأمور وحدكِ، وسنرى كيف ستقومين بذلك؟
الأمر يدور حول مشروع تجريبي، مشروع سوريا التجريبي. ترامب اتخذ خطوة (BDS مقاطعة): لقد قاطع إسرائيل. إذا واصل بهذه الصورة فإن إسرائيل ستضطر إلى السير في طريق لم تسر فيها يوماً ما. ترامب تحديداً من بين كل الرؤساء من شأنه أن يجعلها تغيِّر الاتجاه بدون قصد؛ أن تفهم أن هنالك مشكلة وأن هنالك حدوداً لقوتها، وأنها ليست هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط، وأن شعبها ليس مختاراً، وليس شعب الله المختار، وأن ليس كل شيء مسموحاً به، فقط لأنها تستطيع؛ وأنه يجدر التفكير والحديث والتنازل، وأن الاحتلال والأبرتهايد برعاية الخناجر لن يصمد للأبد. ربما ترامب من بين كل الناس هو من يفعل ذلك.

جدعون ليفي
هآرتس23/12/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية