تعود صحراء سيناء الى واجهة الاحداث مجددا بعد اختطاف مجموعة مجهولة تسعة جنود ورجال شرطة مصريين كانوا متوجهين الى القاهرة في حافلة صغيرة عندما تم توقيفهم امام حاجز اقيم من اجل هذا الغرض.
عملية الخطف هذه تشكل اهانة للسلطة المصرية، اولا لان المخطوفين كانوا من الامن والعسكر، وثانيا لان جميع الاجراءات التي قيل انها اتخذت لفرض هيبة الدولة وسطوتها في المنطقة ثبت عدم فعاليتها.
صحراء سيناء تتحول تدريجيا الى دولة فاشلة لا تخضع لسيطرة الدولة لان بنود معاهدات كامب ديفيد تحول دون وجود عسكري وامني قوي فيها.
الخاطفون يمثلون جماعات مسلحة باتت اقوى من الدولة، ويستطيعون فرض شروطهم عليها، سواء بالافراج عن بعض المعتقلين في السجون من مهربين او اسلاميين متشددين، او الحصول على فدية مالية ضخمة.
السلطات المصرية اختارت التفاوض مع القيادات القبلية والعشائرية لاقناع الخاطفين بالافراج عن جنودها، ولكن العقبة الرئيسية امام هذه المفاوضات عدم معرفة الجهة الخاطفة وهويتها او المطالب التي تعرضها مقابل هذا الافراج.
سيناء التي لا يزيد عدد سكانها عن 350 الف نسمة تعيش ظروفا اقتصادية صعبة بسبب نقص الاستثمارات والمشاريع الانتاجية، واهمال الحكومات المصرية لها على مدى الستين عاما الماضية، حتى بات مواطنوها يشعرون ان انتماءهم للدولة ضعيف جدا ان لم يكن معدوما.
في سيناء خليط غريب من الجماعات الجهادية وشيوخ القبائل البدوية، وعصابات تحترف كل انواع التهريب ابتداء من الاسلحة الثقيلة الى المخدرات، والقاسم المشترك الذي يجمع هؤلاء جميعا رغم تناقضاتهم واهدافهم، هو العداء للدولة التي همشت المنطقة واهلها لعقود.
الجماعات الجهادية اتخذت من سيناء قاعدة لقصف العمق الاسرائيلي، وآخر هذه الهجمات استهدفت مدينة ايلات (ام الرشراش) على البحر الاحمر، مثلما اقدمت اكثر من 15 مرة على تفجير انبوب الغاز المصري الذي كان يزود كلا من تل ابيب والاردن من احتياجاتها من الطاقة.
الحكومة المصرية امام خيارين لا ثالث لهما، الاول ان تواصل نهج التفاوض مع الخاطفين من خلال وسطاء للافراج عن الجنود، او اللجوء الى استخدام القوة، وهنا يكمن خطر انتهاك بنود اتفاقات كامب ديفيد، وتعريض حياة الجنود للخطر.
من المرجح ان تختار الحكومة الخيار التفاوضي لانه الاقل تكلفة والاكثر ايجابية من حيث الوصول الى الاهداف الموجوة في الافراج عن الجنود مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة لكن السؤال هو حول المدى الزمني الذي يمكن ان تستغرقه، فكلما طال امد المفاوضات كلما زاد حرج السلطات المصرية.
الحلول التفاوضية تظل قصيرة الامد، تقدم مخارج مؤقتة للازمة، فعمليات الخطف للجنود ستتكرر طالما ان هناك من يتجاوب مع مطالب الخاطفين ويدفع اموالا او يفرج عن معتقلين، ولهذا لا بد من التركيز على الحلول الجذرية التي تتمثل في حتمية بسط السيادة المصرية على كل اراضي صحراء سيناء.
الحكومة المصرية يجب ان تقدم امنها وسيادتها على اتفاقيات كامب ديفيد، من خلال المطالبة بتعديلها، او حتى الغائها لانها باتت تشكل خطرا على الامن القومي المصري، وليس هناك اهم من هذا الامن.
الاسرائيليون الذين فرضوا الملاحق الامنية لهذه الاتفاقات على حكومة الرئيس الراحل محمد انور السادات استغلوا ضعف هذه الحكومة، وحاجتها لاستعادة سيناء وقناة السويس وفرضوا شروطهم الابتزازية، الآن تغيرت الصورة ومصر باتت اقوى بعد ان اعادت الثورة هيبتها وكرامتها، ولو اقدمت حكومة الرئيس مرسي على تعديل هذه الاتفاقات او الغائها من الاساس لوجدت الشعب المصري في غالبيته الساحقة خلفها فهل يفعلها الرئيس مرسي!!