هل يقبل السودانيون بحكومة حاضنتها السياسية أحزاب النظام القديم؟

حسن محمد علي 
حجم الخط
0

أعلنت السلطات الانقلابية في السودان، عن شروعها في تكوين حكومة جديدة، بينما تمضي في تفاهمات مع قوى سياسية واجتماعية، موالية للنظام السابق، والتي يعتبرها الشارع قوى ردة عكسية مناهضة للثورة.
وبعد إعلان المستشار الإعلامي للقائد العام للجيش، الطاهر أبو هاجة، الأسبوع الماضي، عن اقتراب تكوين حكومة جديدة، بدا وكأن قادة الانقلاب يضربون بالمبادرات المطروحة عرض الحائط، بينما يتصاعد الرفض الشعبي للانقلاب. الأمر الذي قد يفتح الأوضاع السياسية في البلاد على احتمالات عديدة، أبرزها تخلي العسكريين عن دعواتهم للوفاق الوطني مقابل تكوين حكومة من التكنوقراط يأملون أن تعيد لهم الشرعية الدولية، رغم أن الحاضنة السياسية المنتظرة لهذه الحكومة غير مقبولة محليا ودوليا.
وفي كل الأحوال يمقت السودانيون عودة المشهد السياسي القديم الذي أطاحوا به عبر ثورة شعبية تمضي نحو عامها الثالث، وما زالت تتصاعد مطالبهم بالحكم المدني الديمقراطي وخروج الجيش من السياسة.
وقال أبو هاجة، في تصريحات لوكالة السودان للأنباء «سونا» إن الحكومة المنتظرة ستشكل واقعا سياسيا جديدا خلال الفترة المقبلة، بالاستفادة من كل المبادرات الوطنية المطروحة لحل الأزمة السودانية.
لكن رئيس لجنة التحقيق في فض الاعتصام، المحامي نبيل أديب، الذي كان جزءا من مبادرة عقب الانقلاب لإيجاد تسوية بين العسكر والمدنيين، شكك في حديث مستشار البرهان.
وقال في تصريح لـ«القدس العربي» إن تشكيل الحكومة متوقف على توافق القوى السياسية والمجتمعية وهو لم يتم بعد، وان قرار تجميد فقرة الحرية والتغيير الذي بسببه انتفت الحاضنة السياسية للحكومة، لا يمنح أي سلطة لحاضنة أخرى، ومن الذي يعين.
وأوضح أديب أن المتفق عليه هو تشكيل الحكومة وحاضنتها السياسية بالتوافق وبالتحديد من الأحزاب وتشكيلات الحرية والتغيير سواء كانت المجلس المركزي أو الوفاق الوطني.
وفي تعليقه القانوني حول تجميد المادة المتعلقة بالحرية والتغيير في الوثيقة الدستورية التي كانت تمنحها سلطة تعيين رئيس مجلس الوزراء وحكومته، يرى أن قائد الجيش لم يكن يقصد تجميدها بالكامل، بل ان لا تحتكر مجموعة قليلة السلطة، وقطع أديب المحامي بانه ليس من حق أو سلطة المجلس السيادي بتشكيله الحالي منفردا تعيين حكومة تنفيذية ولا يجوز له دستوريا، وهو ما دعاه – نبيل- لدحض حديث مستشار البرهان بتعيين حكومة جديدة خلال أيام معلقا بقوله «لا أعتقد أن هذا الحديث صحيح».
وشهد السودان منذ بداية الفترة الانتقالية تعيين حكومتين على مدار عامين ونصف، كانت الأولى حكومة كفاءات في العام 2020 أعقبتها حكومة تشارك فيها أطراف اتفاق السلام والأحزاب2021 والتي انقلب عليها العسكريون في تشرين الأول/اكتوبر من نفس العام حيث قاموا بتكليف حكومة تصريف أعمال أغلبها من الموظفين في دواوين الوزارات بدون رئيس وزراء.
وحسب المراقبين، فإن العسكريين يسعون لتكوين الحكومة الجديدة لفقدانهم السند السياسي الذي كانت توفره مظلة تحالف قوى الحرية والتغيير، الذي قاد لسيولة سياسية زادت تعقيد المشهد.
وفي محاولة لتلافي تلك التعقيدات يسعى العسكريون لتكوين تحالفات لا تبدو منسجمة مع بقايا منسوبي حزب المؤتمر الوطني المحلول.
وأطلق قادة الانقلاب مؤخرا سراح عدد من قادة المؤتمر الوطني، وقاموا بفك تجميد عدد كبير من ممتلكاتهم وحساباتهم البنكية المصادرة بواسطة لجنة إزالة التمكين.
ويبدو أن الإجراءات التي اتخذها قائد الجيش في تشرين الأول/اكتوبر لم تؤد غرضها، ولم تنجح في صناعة استقرار سياسي، وهو ما لم يكن يتوقعه الفريق البرهان، الأمر الذي وضعه أمام خيارات صعبة لتكوين حاضنة سياسية من مجموعات غير متوافقة، أبرزها الحركات المسلحة والحزب الحاكم السابق وأحزاب صغيرة بعضها يوالي البرهان والأخرى لنائبه محمد حمدان دقلو، الأمر الذي قد يقود لصراعات قد تعصف بالحكومة المنتظرة.

الحكومة المنتظرة

وفي ذات الوقت تسعى الآلية المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيقاد لاستعادة الشرعية الدستورية في البلاد عبر توافق بين العسكريين وقوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة الأمر الذي يبدو صعبا في الوقت الراهن.
من جهة أخرى يرجح بعض المراقبين أن العسكر يستخدمون بعض الحواضن الاجتماعية والسياسية ككروت ضغط للمناورة ولمزيد من كسب الوقت وطمس معالم الحل السياسي، أبرزها إعادة تيارات نظام الإخوان المسلمين وحزب المؤتمر الوطني المحلول للفضاء السياسي من جديد، وأحزاب كانت تحت كنف حكمه السابق، بالإضافة إلى إقحام الإدارات الأهلية في المشهد السياسي.
وتتفاوت التوقعات للحكومة المنتظرة بين حاضنة من ائتلاف سياسي جهوي أهلي، يضم أحزابا خارج الحراك الثوري، وشاركت في نظام الإنقاذ، بالإضافة إلى احتمال مشاركة قوى محسوبة على الثورة، قد تقطع الطريق أمام صعودها مثل الحركات المتمردة الموقعة على اتفاق السلام.
وخلال اليومين الماضيين بدأت تحركات لتشكيل حاضنة سياسية من الأحزاب القديمة، تتكون من تيارات ذات توجه وسطي بقيادة محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي «الأصل» وأحزاب اتحادية صغيرة كانت قد انفصلت عنه، بجانب حزب الأمة فصيل مبارك الفاضل، الذي كان وزيرا بحكومة الإنقاذ لمرتين، بجانب كتلة البجا أو ما يعرف بالمجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، لكن سرعان ما نفض الأخير يده من هذا التحالف وأعلن ذلك قبل يومين أثناء حديثه في إفطار رمضاني أقامه حليفه الاستراتيجي عضو المجلس السيادي أبو القاسم برطم.
وتضم الحاضنة السياسية للانقلاب أيضا حسب متابعات «القدس العربي» الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا وهي الأخرى منقسمة إلى نصفين، حيث تؤيد بعض الحركات الانقلاب جملة وتفصيلا، وتقف في موقف حاد من تحالف قوي يضم قوى الثورة، بينما الحركات الأخرى التي تضم أعضاء المجلس السيادي مالك عقار، الطاهر حجر والهادي ادريس، لديها ميول نحو الحراك الثوري وتؤكد ايمانها بالديمقراطية والدولة المدنية، رغم استمرارها في الشراكة مع العسكر.

مبادرة لحل الأزمة

وقدمت الجبهة الثورية مؤخرا مبادرة لحل الأزمة السياسية، يرجح ان حظوظها أقوى من بقية المبادرات، لكونها المبادرة الأولى من أحد أطراف الأزمة في السودان وتتضمن مجموعة الحركات المسلحة التي تشارك العسكر الحكومة وتتمسك في ذات الوقت بعضويتها في تحالف قوى الحرية والتغيير «المجلس المركزي».
ورغم ان حزب الأمة القومي من أبرز أحزاب الثورة وتحالفها السياسي إلا ان هناك من يشكك في مواقفه المتأرجحة بين دعم الحراك والتواصل مع المكون العسكري،
رغم تأكيد عضو المجلس المركزي للحرية والتغيير والقيادي بحزب الأمة صديق الصادق المهدي أن حزبه لا يمثل حاضنة للانقلاب.
وأكد الصادق في حديث متلفز إن الموقف داخل الحزب متمسك بحكم مدني يحقق أهداف الثورة وضد الانقلاب وأنه قاومه بكل الوسائل السلمية.
ونوه المهدي إلى ان قرار مؤسسات الحزب أنه لن يكون طرفا في أي تحالف أو حاضنة تدعم الحكم الشمولي والانقلابي وهو قرار نهائي لا رجعة عنه.
وحول ما إذا كانت قوى الحرية والتغيير ستعود لتمثل حاضنة أخرى للعملية السياسية في البلاد واحتمالات مشاركتها في الحكومة المرتقب إعلانها بواسطة العسكريين، أكد القيادي بقوى الحرية والتغيير عمار حمودة لـ «القدس العربي» أن المشكلة الأساسية هي فعل الانقلاب نفسه وليس شكل الحكومة التي يصنعها.
وأضاف: «أي حكومة في ظل الانقلاب ستكون حكومة تفتقر للشرعية تمكنها من إنجاز أي عمل تنفيذي، أو نيل المقبولية من الشعب».
وشدد على ان الحكومة المقبلة يجب ان تتمتع بشرعية ووضع دستوري انتقالي، أو انتخاب ديمقراطي، أما حكومات الأمر الواقع والقوة العسكرية الشمولية فهي لا سند لها إلا البندقية، ويؤمها المؤمنون بسلطة البندقية، وليس لهم إيمان لا بثورة ولا ديمقراطية.
وحول رؤية وموقف قوى الحرية والتغيير من الحكومة، أكد ان قوى الحرية والتغيير أعلنت رؤيتها السياسية المتمثلة في مهمة أساسية هي هزيمة الانقلاب، ويردف قائلا «هذا بالضرورة يعني مواصلة عملها ضد كل مظاهر تثبيت حالة الانقلاب أما موضوع الشخصيات وتسميتها فلا معنى لها مهما أسبغت عليها من أوصاف».
وتشترط قوى دولية مثل «الترويكا» تعيين حكومة مدنية ذات امتداد سياسي من قوى الثورة والقوى المدنية لاستئناف المساعدات، ويطالب بذات الشروط كيان رباعي ومجموعة أصدقاء السودان وتمثلها دول الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة العربية السعودية، الإمارات، والمملكة المتحدة.
ورغم الجولات المكوكية بُغية استئناف المساعدات أو إيجاد أي صيغة لانعاش الاقتصاد السوداني من قبل الانقلابيين إلا ان كل هذه الدول لم تعلن عن تقديم مساعدات لهم، ما يعيد الكرة مرة أخرى إلى خانة الثورة.
وقال ممثل الاتحاد الأفريقي بالسودان والناطق الرسمي بإسم الآلية المشتركة، السفير محمد بلعيش، إن الآلية قدمت نتائج جهودها خلال الفترة الماضية وآفاق الخروج من الأزمة الراهنة باستعادة النظام الدستوري المدني.
وأشار بلعيش عقب لقاء جمعهم بالبرهان في اليومين الماضيين إلى أن الآلية تسعى من خلال ما تبذله من جهود لبناء توافق سياسي، مبني على أوسع نطاق من التوافق بين السودانيين.
وأشار إلى ان الحل للأزمة في السودان، يجب أن يبنى على أساس روح التراضي، ويتخذ منهج التدرج في تناول أربع قضايا أساسية تشمل الترتيبات الدستورية، معايير اختيار رئيس حكومة التكنوقراط وأعضائها، برنامج عمل يتصدى للاحتياجات الأساسية والمستعجلة للمواطن وخطة زمنية دقيقة ومحكمة لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة.
وأضاف، أن فريق العمل المشترك بالآلية الثلاثية شدد على ضرورة اتخاذ إجراءات تهيئة المناخ الملائم للحوار السوداني، بما في ذلك إطلاق سراح الموقوفين، ورفع حالة الطوارئ وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات وعدم حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان.
وعبر بلعيش عن تفاؤله بحدوث اختراق وشيك في الأزمة الراهنة، قائلا: «أبشر إخواني وأهلي في السودان أنهم سيرون قريبا ما يسرهم ويثلج صدورهم».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية