عمان ـ «القدس العربي»: هل يمكن للأردن الاقتراب لمسافة أبعد قليلا من فكرة محور المقاومة؟
هذا هو السؤال الذي يطرح على نخبة من كبار المسؤولين الأردنيين في مجمل سجالات المجالس.
ويستنسخ النقاش هنا سؤالا إضافيا: هل حان وقت ما يسميه المعتدلون في مطالبهم مقاربة التنويع قليلا في الاتصالات والتحالفات؟
الإجابة تفترض جدلا بان التأريخ لمعركة طوفان الأقصى التي تستعر ويبدو أنها ستفرض معادلات جديدة إقليميا يختلف في التوثيق السياسي ما قبلها عن ما بعدها.
يدرك الأردنيون جميعا هذه الحقيقة.
وفي منطقة الاختصاص الوزاري على الأقل يقترح وزير المالية الدكتور محمد العسعس الثبات والتمكين في منهجية هيكلية الإصلاح الاقتصادي بصيغة تجعل الموقف السياسي الأردني متقدما غير قابل للضغط أو للتأثير.
المسألة لم تعد مرتبطة بحسابات الاقتصاديين والماليين بل بالحسابات الإستراتيجية العميقة، لأن ما قبل طوفان الأقصى يختلف عما بعده في كل المقاربات.
تسأل «القدس العربي» أحد المسؤولين الكبار: هل بتنا أقرب إلى محور الممانعة؟
يجيب «ليس بعد».
تلك الإجابة المقتضبة تفتح المجال لتأويلات وتحليلات وتكهنات.
لكن في الوقت الذي يزيد فيه صخب الشارع الأردني تأييدا لحماس وتضغط تصرفات إسرائيل الوحشية على العصب الحيوي للدولة الأردنية، يصبح الحديث عن قطع صغيرة مثل إطلاق حريات التعبير والتضامن وفتح بعض قنوات الإعلام الرسمي لقادة في حركة حماس أقرب إلى ذر الرماد في العيون، لأن الوصفة الإستراتيجية المطلوبة أعمق بكثير من هذه القطع المنثورة في بناء سيناريو إعلامي على الأقل يوحي بأن الأردن في المعركة مع الشعب الفلسطيني حتى وإن لم يكن مع المقاومة وفصائلها.
ذلك لا يكفي ولن يكفي، ومسار المبايعات الاجتماعية العريضة للمقاومة الفلسطينية مرحليا يوحي بأن شهية الشعب الأردني انفتحت على ما هو أبعد بكثير من أي إجراءات تدخل في نطاق الامكانية بالنسبة للحكومة الأردنية.
مطالب الشارع اليوم واضحة ولا تقف عند حدود تنويع الاتصالات مع محور الممانعة أو استقبال قادة حماس بعمان، بل تتجه مباشرة لسقف يعلم الجميع انه مبالغ فيه بالحسابات الرسمية وفكرته إعادة وتجريف مجمل الرهان على العلاقات مع الكيان الإسرائيلي.
إزاء صخب سقف الشارع برزت مبادرات مرنة من السلطات التنفيذية.
وإزاء الصخب نفسه الإيحاء بمقاربات أكثر من إقرار تحولات والاحتفاظ بقرارات ممكنة ومنطقية وغير مكلفة مثل طرد السفير الإسرائيلي أو سحب السفير الأردني من تل أبيب سببه العاقل والمتعقل هو اتخاذ هذه القرارات في وقت ملائم ومتأخر قليلا حتى لا ترتفع الفاتورة المطلوبة. وعلى أساس القناعة من جهة الدولة العميقة على الأقل بأن الشارع لن يشبه بعد طوفان الأقصى وسيواصل رفع سقف مطالبه.
سعي العدو إلى
نقل الصراع إلى الأردن
تلك مؤشرات إدارة تحاول ان تكون رشيدة ومنتجة قدر الإمكان.
لكن المفارقة أن سقف الشارع منضبط أيضا ولديه قناعة بان ما يطالب به مقدور عليه أو في سياق الممكن، فيما تميل السلطات إلى إدارة أزمة فقط بدلا من مواجهة أزمة عميقة بصناعة واحدة جديدة بمعنى ما حذر منه رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات بعنوان سعي العدو إلى نقل الصراع إلى الأردن.
مجددا تلتهم الأسئلة كل الشغف والحنين إلى إعادة تموقع أردني لكن ما لفت النظر إليه الدكتور مروان المعشر في وقت مبكر هو أن التموقع الإستراتيجي الأردني مرتبط بسجل وتراث وتاريخ ومحددات وامكانات، ولا ضرر من القول إنه مرتبط أيضا بتقاليد مضادة لفكرة محور الممانعة، لا بل ترتاب به أكثر من غيره أصلا، الأمر الذي يفسر صمود تلك الفلسفة السياسية التي لا تزال تؤمن بأن إنجاز عملية سلام ممكنة.
كما تفسر تركيز الخطاب الدبلوماسي الأردني على وقف العدوان ضد قطاع غزة مرحليا بعد التمكن من إعاقة مسارات التهجير من قطاع غزة، وهي نظرية سياسية ودبلوماسية دون مستوى أسئلة الشارع وقواه. فمن يسمع مسؤولا اليوم يتحدث عن وقف العدوان يسأل: ماذا عن العدوان الذي يليه؟ ثم يسأل..»ماذا عن العدوان المقبل ضد الكيان الأردني؟».
طبعا يخفق الطاقم الذي يتولى إدارة المشهد بتقديم ضمانات مع أجوبة على مثل تلك الأسئلة، والأردن مجددا يدير الأزمة بصيغة لا تدفعه لإنتاج أزمة في الأثناء داخل الأردن أو في مكانته الإقليمية أو الدولية.
لذلك يتحدث الساسة بصيغة «ليس بعد» وتكرر الرؤوس الكبيرة في رئاسة الوزراء بأن الأردن في الجيوسياسي والديموغرافي ليس مصر، وفي الاقتصادي لا يمكنه أن يكون السعودية، وفي الأمن لا يملك إلا خيار البقاء في المحور الأمريكي والارتياب بالإيراني واللعب بغموض مع التركي. تلك برأي الناقدين وأصحاب سقف المطالب المرتفعة وصفة هشة تبقي البلاد والعباد في منطقة الترانزيت نتائجها ليست محسومة أو مضمونة وتصبح كذلك أكثر إذا ما حسم محور الممانعة بأي صيغة مواجهة طوفان الأقصى الحالية لصالحه.
باختصار ما يبدو عليه المشهد ان البيروقراطي الأردني لم يتوصل بعد إلى قرار أو صيغة تؤكد له بأن مرحلة التعايش خارج منظور الجار الإسرائيلي والعلاقات الدافئة معه انتهت فيما توصل المواطن إلى ذلك.
ولم يتوصل أيضا بعد إلى صيغة تقنعه بأن متطلبات الصمود وأحيانا البقاء تحتاج لمقاربة مختلفة مع ما يسمى بمحور الممانعة.