تونس-“القدس العربي”: تعيش الساحة السياسية في تونس منذ سنوات على وقع تجاذبات غير مسبوقة وحالة جمود غير مألوفة. وإذا كان البعض ينظر لما يحدث بوصفه “من شروط الانتقال الديمقراطي” فإن البعض الآخر يعتبره من “تمظهرات الفوضى الخلاقة” التي اقحمت تونس في بوتقتها. وبين القراءتين تتواصل الحياة السياسية حاملة معها كل يوم ما يمكن ان يكون منطلقا للتحليل خاصة حين يتعلق الأمر بمستجدات تهم الحزبين المهمين وهما حركة النهضة وحركة نداء تونس. وحين نتحدث عن هذين الحزبين نتحدث أساسا عن تجربة “التوافق” التي تبدو حاليا في حالة “توقف تقني” بعد ان اختلف الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي حول الموقف من يوسف الشاهد وحكومته إذ يصر رئيس الجمهورية على رحيل يوسف الشاهد في حين تعتبر حركة النهضة ان من المهم المحافظة على “الاستقرار الحكومي”. هذا التباين دفع قيادة حركة “نداء تونس” للتأكيد على نهاية التوافق وهو موقف لا يعتبره بعض قياديي الحركة نهائيا ومن بين هؤلاء القيادي في نداء تونس عبد الرؤوف الخماسي الذي كان من مهندسي التقارب بين الحركتين، إذ أشار لـ”القدس العربي” ان “التوافق خيار استراتيجي وهو ما يعني ان الضرورة تدعو الآن إلى تقييمه بصفة مشتركة لتحديد مكاسبه وأيضا مواطن العطالة فيه قبل اتخاذ موقف بشأنه” وهذا الكلام من شانه ان يدعم بعض “التسريبات” التي تحصلت عليها “القدس العربي” والتي تشير إلى ان الفترة الأخيرة قد شهدت تنظيم لقاءات “سرية ” بين قيادات الحركتين لإعادة الروح لتوافق يعتبر حاليا محل “تجاذبات داخلية ودولية”. ولم يؤكد عبد الرؤوف الخماسي هذه “التسريبات” ولم ينفها أيضا معتبرا ان “المهم هو الابقاء على قنوات التواصل والحوار وتجنب منطق القطيعة غير المثمر سياسيا”.
ولا شك ان قيادة حركة “نداء تونس” تدرك ان حركة النهضة قد وضعتها في موقف محرج أمام الرأي العام التونسي وأمام أنصارها في الأساس، فقد امتنعت عن مسايرتها في التخلص من يوسف الشاهد وحكومته وهو ما دفع إلى إعلان القطيعة ولكن لا يمكن للنداء الاستمرار في الضغط على الشاهد دون حركة النهضة التي تمثل رقما مهما في “المعادلة البرلمانية”. وهنا يبدو ان هامش المناورة قد أخذ يضيق أمام حركة “نداء تونس” وهو ما دفعها إلى “ابتلاع” حزب الاتحاد الوطني الحر المثير للجدل في عملية إدماج أثارت ردود فعل جلها يتكهن بفشل هذه الخطوة من حيث تأثيرها السياسي وهو ما ينفيه عبد الرؤوف الخماسي الذي يعتبر “عملية الاندماج بين النداء والوطني الحر خطوة أساسية وهامة في اتجاه إعادة تجميع العائلة الوسطية الديمقراطية ولا بد ان تتواصل هذه الديناميكية لتنفتح على الدستوريين بوصفهم مكونا هاما من مكونات التيار الحداثي. ويضيف بالقول “هذا الاندماج وفرنا له كل أسباب النجاح لأننا نعتبره مرحلة هامة في عملية استعادة حركة نداء تونس للمبادرة السياسية”. تصريحات الخماسي التي لا تخلو من تفاؤل قد تبدو مبالغا فيها وتحتاج إلى تأكيدات في أرض الواقع تفيد ان “نداء تونس” قد دخل فعلا في ديناميكية استعادة التوازن المفقود سواء في مستوى هياكله أو في علاقته ببقية مكونات المشهد السياسي وهو الذي استنزف في السنوات الأخيرة جهدا غير مسبوق في “الصراعات الداخلية” أو في عمليات “تغيير الحكومات”. وهو ما جعل البلاد تعيش حاليا وضعية “استعصاء سياسي” غير مسبوق يحمل عديد الملاحظين السياسيين مسؤوليتها للباجي قائد السبسي. وهو ما يعتبره الخماسي أمرا مبالغا فيه لأن “الرئيس الباجي قائد السبسي كان وسيظل عنصر استقرار هام في التجربة السياسية التونسية وسيلعب دورا هاما في القريب العاجل من أجل تجاوز هذه الوضعية التي لا تريح”. وهذا التصريح يفتح الباب أمام “تخمينات” ما انفك صداها يزداد حول إمكانية ترشح الباجي قائد السبسي لولاية رئاسية ثانية وهو ما يعني ان “نداء تونس” قد دخل مرحلة من مواجهة “رهانات” مصيرية ستحدد مصيره ومستقبله إذ قد يؤدي فقدانها وخسارتها إلى “فقدان الوزن السياسي للنداء” نهائيا.