عشية دخول شمعون بيرس الراحل إلى مقر الرئيس في تموز 2007 أجريت معه مقابلة مشوقة عن فكره في سمو عمره. في هذه المقابلة أطلق بيرس أقوالاً تصدح في رأسي بين الحين والآخر مثل «انتهى العصر الذي يمكن فيه حسم الحروب بقوة السلاح فقط. في العصر الجديد الذي نعيشه اليوم، تتحقق الانتصارات أساساً بمعونة الاقتصاد القوي والتكنولوجيات العليا التي تؤثر على حياتنا».
يتبين الآن بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتبنى هذه النظرية على نحو واضح. كرجل أعمال مجرب، يضع ترامب القوة الاقتصادية قبل القوة العسكرية في كل فرصة وأزمة تقريباً. رأينا هذا في فرض العقوبات الجديدة على إيران، وفي تهديدات العقوبات على الصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وتركيا، ومؤخراً المكسيك. كما أن هذا يشرح سبب تأكيد مصر، والأردن، والمغرب، والسعودية، واتحاد الإمارات، مشاركتها في المؤتمر الاقتصادي الذي تعقده إدارة ترامب في 25 و26 حزيران في البحرين، رغم الضغوط الشديدة التي مارسها الفلسطينيون عليها من رام الله، ورغم فرض المقاطعة الرسمية من أبو مازن إلى الاجتماع وعلى إجراءات إدارة ترامب في كل ما يتعلق بخطة القرن.
يبدو أن الفلسطينيين يبررون المرة تلو الأخرى ما قاله عنهم في حينه وزير الخارجية الراحل ابان ايبان: «الفلسطينيون لا يفوتون أي فرصة لتفويت الفرص». أبو مازن الذي رفع علم التمرد ضد الأمريكيين، لا يبدو أنه واع للواقع الذي يقود الفلسطينيين إليه في هذه الساعة الحرجة التي تقف فيها السلطة الفلسطينية أمام انهيار اقتصادي. من يعتبر الزعيم الفلسطيني الأكثر اعتدالاً والبراغماتي أساساً، انكشف في آخر أيامه كمن يعمل انطلاقاً من عدم الفهم لمحيطه وبدوافع أزعر في السوق. كل هذا في الوقت الذي كف فيه العالم العربي سوي العقل عن رؤية إسرائيل عدواً ويرى فيها شريكاً مركزياً في الصراع الأهم للعالم العربي ـ الصراع ضد الإرهاب الإيراني الذي يهدد قسماً من دول الشرق الأوسط.
في وقت اتخذ فيه العالم العربي إسرائيل شريكاً مركزياً
تقترب أيام أبو مازن كرئيس للسلطة الفلسطينية من نهايتها. ولعل هذا هو السبب الذي يجعله يبدي معارضة لخطوات حيوية للفلسطينيين: لعله يأمل بذلك أن ينزل عن خشبة المسرح مع صورة الزعيم الصلب والمخلص للكفاح الذي لا هوادة فيه ضد إسرائيل.
لقد قرر ترامب بحكمة أن يبدأ عرض خطة القرن خاصته بالفصل الاقتصادي، الذي يفترض أن يؤدي إلى تحسين اقتصاد السلطة وبشكل عام الدول العربية، من خلال تجنيد المال وإقامة المشاريع. وحقيقة أن كل الدول العربية التي دعيت إلى المؤتمر ستصل ـ تثبت أن سلاح الاقتصاد لترامب ناجع جداً بالفعل، باستثناء مع الفلسطينيين الذين لا يزالون عالقين في مكان ما هناك مع فكر أشوه. لو كانت لهم قيادة براغماتية، ذكية، تنظر إلى البعيد، لكانوا أول من جاء إلى البحرين. كان هذا شرعياً من ناحيتهم أن يجادلوا هناك، ويعارضوا هذا البند أو ذاك، يوحاولوا تغيير الخطط. ولكن ما يقلقنا هو حقيقة أنه على خلفية الضائقة الفلسطينية لا يسمع اليوم صوت سوي واحد يدعو إلى إعادة احتساب المسار في ضوء الواقع الجديد الذي نشأ في الشرق الأوسط. يمكن التحفظ من ترامب وسلوكه، ولكن عندما تعرض الإدارة الأمريكية خطة اقتصادية مع أفق لكل دول المنطقة، فسيكون هذا خطأ آخر في سلسلة الأخطاء التاريخية للفلسطينيين إذا لم يأتوا لعرضها.
أفرايم غانور
معاريف 18/6/2019