في مؤشر على عمق الخلافات الشيعية، أعلنت أربعة فصائل في الحشد انشقاقها ودعت أخرى للانضمام إليها، ضمن الرؤى الوطنية العراقية ابتعادا عن نهج الفصائل الخاضعة لإيران.
بغداد-“القدس العربي”: سيناريو عرقلة أحزاب السلطة مهمة المرشحين لرئاسة حكومة جديدة في العراق يتكرر للمرة الثالثة خلال أشهر قليلة، مصحوبا بتحركات فصائل شيعية مسلحة، توحي بوجود مخطط ونوايا لفرض ترتيبات أمنية وسياسية لإحكام السيطرة على البلاد الغارقة في بحر من التحديات والأزمات المزمنة.
وبعد أيام من تفاؤل المكلف تشكيل الحكومة الجديدة مصطفى الكاظمي، باتفاق القوى السياسية على تمرير تشكيلة حكومته، فإن ذلك التفاؤل ذهب أدراج الرياح، أمام ضغوط وشروط أحزاب السلطة مقابل تمرير حكومته في البرلمان والتي تعكس الصراع على المناصب والامتيازات.
وقدم رئيس الوزراء المكلف، برنامجه الحكومي، للبرلمان قبل التصويت على تشكيلته الحكومية، وهو حافل بوعود كررها رؤساء الحكومات الذين سبقوه ولم تجد طريقا للتطبيق، مثل إجراء انتخابات برلمانية نزيهة، وتسخير إمكانات الدولة من أجل مواجهة جائحة كورونا، وفرض هيبة الدولة من خلال حصر السلاح بيد المؤسسات الحكومية والعسكرية، مع تعهد بمكافحة الفساد والإصغاء إلى مطالب حركة الاحتجاج، والتحقيق بشأن أحداث العنف التي رافقتها. وبعد ساعات على إعلان منهاج حكومة الكاظمي انطلقت تظاهرة في ساحة التحرير وسط بغداد وصدرت بيانات من تظاهرات المحافظات، ترفض المنهاج المقترح، وتهدد بمواصلة التظاهرات رغم مخاطر كورونا.
وتشير المصادر المطلعة، إلى أن الكاظمي اضطر تحت ضغوط الكتل السياسية إلى تغيير تشكيلته الوزارية مرارا لإرضائها وضمان تمريرها في البرلمان، كما أن خلو التشكيلة من وزراء الدفاع والداخلية والمالية، سببه عدم توافق الأحزاب بشأنها.
ولوحظ ان أبرز الاعتراضات على التشكيلة الحكومية كانت من الكتلة الشيعية، التي تتهم الكاظمي بأنه خضع لرغبات القوى الكردية والسنية بترشيح وزراءها في حكومته، وهي الحجة التي تهدد الكاظمي، بالانضمام إلى المرشحين السابقين محمد علاوي وعدنان الزرفي، وتؤدي إلى تحقيق هدف الأحزاب بالإبقاء على حكومة عادل عبد المهدي، التي تعتبر الخيار الأفضل لها، ليس لأنها تحقق أهداف الأحزاب والجار الشرقي فحسب، بل ولكسر إرادة الشعب الذي خرج إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير ضمن حزمة إصلاحات لإنقاذ البلاد.
وقد كشفت تصريحات العديد من السياسيين، جوانب من هذا التوجه. فالقيادي السابق في حزب الدعوة غالب الشابندر، اتهم رئيس حزب الدعوة نوري المالكي بـ “العمل على إعادة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي” فيما أكد القيادي الكردي عرفات كرم، مسؤول ملف العراق في إقليم كردستان، “أن القوى الشيعية تسعى لإجبار الكاظمى على الاعتذار ليبقى عادل عبد المهدي في منصبه”. وأشارت مصادر مطلعة بأن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي يلقبه البعض بـ”قائد الدولة العميقة في العراق” يعمل على إفشال كافة المكلفين بتشكيل حكومة جديدة بهدف الإبقاء على عبد المهدي.
ومن الطبيعي أن تشكيل حكومة جديدة، هي مناسبة لبروز الخلافات داخل الكتل السياسية، وتبادل الاتهامات بالمسؤولية عن إفشال جهود الكاظمي، كما وقعت انشقاقات داخلية بين الكتل الشيعية والكردية والسنية، وكلها بسبب صراعها على الوزارات.
وفيما أرسلت حكومة الإقليم وفدا إلى بغداد، لعرض شروطها أمام الزعماء الشيعة إضافة إلى اللقاءات مع السفير الأمريكي وممثلة الأمم المتحدة للضغط على حكومة بغداد، بعد قرارها قطع رواتب الإقليم، فإن بعض النواب الشيعة رفعوا دعوى قضائية ضد وزير المالية الكردي فؤاد حسين، رافضين إجراء مفاوضات مع الوفد الكردي، ما لم يسلم الإقليم مبلغ 128 مليار دولار بذمته لحكومة المركز، من دون أن توضح حكومة بغداد لماذا سكتت عن هذا التجاوز الواضح سابقا ولماذا أثارته الآن؟
ولأن بعض جوانب لعبة تشكيل الحكومة، ليست بعيدة عن إطار الصراع الإيراني الأمريكي في العراق، فقد دعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، القادة العراقيين إلى التخلي عن “نظام المحاصصة” وتشكيل حكومة تحرر الشعب من “الترهيب الخارجي” مشددا على ضرورة أن “تستمع الحكومة إلى نداءات الكثيرين كي تكون كل القوات المسلحة تحت إمرة الحكومة العراقية” في إشارة إلى الميليشيات.
وبموازاة اللعبة السياسية للقوى الشيعية، تتوالى العديد من المؤشرات على طبخة سياسية وأمنية يتم الإعداد لها، لترتيب أوضاع البلاد وفق رؤى لقوى وفصائل مسلحة مدعوم بعضها بتوجيهات خارجية.
ففي مؤشر لافت على عمق الخلافات بين القوى الشيعية، أعلنت أربعة فصائل في الحشد الشعبي، مقربة من خط السيد علي السيستاني، انشقاقها عن الحشد وارتباطها بالقائد العام للقوات المسلحة مع دعوتها فصائل أخرى للانضمام إليها، ضمن “الرؤى الوطنية العراقية” مما عده المراقبون بأنه ابتعاد عن نهج بعض الفصائل الولائية (الخاضعة كليا لإيران) نتيجة خشية المرجعية من أن تجر العراق إلى أتون الصراع الإيراني الأمريكي وتحمل البلاد تبعات وعقوبات لا مصلحة لها فيها.
ومعروف أن الخلافات بين الفصائل الشيعية المسلحة، تصاعدت بسبب الفراغ الكبير في قيادة الحشد الشعبي في أعقاب عملية اغتيال أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني في بغداد مؤخرا، اللذان كانا يتحكمان بفصائل الحشد، إلى درجة أن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، عبر عن خشيته “من تدمير مؤسسة الحشد الشعبي بسبب الصراع السياسي” وسط أنباء عن تشكيل فصائل جديدة منفصلة عن الحشد ومرتبطة بالحرس الثوري، وتسريب أخبار عن استيلاء فصائل ولائية مؤخرا، على مقرات ومباني وسط المنطقة الخضراء ومناطق حساسة أخرى في بغداد، استعدادا للتحرك عند الحاجة.
وإذا أضفنا مشاكل معقدة تواجه العراق وأبرزها انهيار أسعار النفط التي سيترتب عليها خفض كبير في نفقات الحكومة ورواتب الموظفين، مع تفشي وباء كورونا، وعودة هجمات تنظيم “داعش” بشكل خطير، عدا تداعيات الصراع الدولي في العراق، فالمؤكد أن حكومة مصطفى الكاظمي، إذا نجحت في عبور البرلمان، فإنها لن تكون أفضل من سابقتها، بل اسوأ كثيرا نظرا للعجز عن تلبية حاجات ومطالب الشعب والدولة، وبالتالي توقع عودة تظاهرات الاحتجاجات الغاضبة على العملية السياسية وصناعها مجددا.