أمين صوصي علويمن المفارقات العجيبة، أن يعتبر مؤرخو الغرب ومنظروه عصر ‘إيدو’ الياباني (1603-1868 م.) عصر تخلف وانغلاق. في الوقت الذي تشير فيه الاثار وشواهد التاريخ الى عكس ذلك. فما كان لليابان اليوم أن تعد في مصاف الدول العظمى لولا مرورها عبر ذلك العصر المعروف بقوة الحكم العسكري الذي وحد البلاد وضمن الاستقرار السياسي. كان لإيدو (طوكيو) عاصمة التنظيم الاداري والاجتماعي المحكم، الفضل ان ذاك في توسيع الطبقة الوسطى وتأهيلها للعب أدوار هامة في تطوير العلوم والاداب والفنون التي عرفت نقلة نوعية في ابتكار انماط جديدة يطبعها البعد عن الخلاعة والابتذال، حيث منع ظهور المرأة في تلك الأعمال ( مسرح الكابوكي)، وارتقى الرسم إلى الاقتراب من هموم الناس وتمثيل حياتهم البسيطة بشكل انطباعي يقتفي اثار الضوء الهارب مؤكدا على جمالية اللحظة الزائلة (لوحات الطباعة الفنية ‘الأوكييو-إه’). خلافا لما كان سائدا في الغرب فيما يعرف بالتيار الكلاسيكي المستلهم من التصوير الروماني الإغريقي الذي تلبس بمحاكاة الطبيعة ومضاهاة الخالق.لكن ما يثير الاستغراب عند الاطلاع على كتابات المؤرخين والأدباء الغربيين الذين تعرضوا لهذه الحقبة تشابه منطلقات بغضهم وتحاملهم عليها والكامنة في انتهاج يابان ‘إيدو’ لسياسة احتراز ضد الغرب بسبب خوفهم من الحملة الاستعمارية التي انطلقت مصحوبة ببعثات تنصيرية في كل دول الجوار. فمنعت حكومات ‘إيدو’ المتعاقبة دخول الاوربيين الى اراضيها ومنعت التعامل التجاري والديبلوماسي معهم، لانعدام ثقتها في الوسطاء الغربيين لتورطهم في عمليات استخباراتية. وقد استثنيت من ذلك هولندا التي استطاعت طمأنة الطرف الياباني واستفادت من العلاقات المتوازنة التي طبعتها المصالح المتبادلة فيسرت اطلاع النخب اليابانية على الثقافة الغربية كما ادخلت ثقافه اليابان وفنونه الى أورروبا مما ساعد اوروبا على تخطي سيطرة الكلاسيكية الرتيبة عبر ظهور تيار فني جديد عرف ب’الجابونيسم’ (Japonism)..استعصت اليابان طويلا على الحملات الكولونيالية المتعاقبة بفضل قوة الشوغون (الحاكم العسكري) الى أن استطاع الأسطول الأمريكي في مرحلة متأخرة اختراق اليابان (1853م) ومن ثم اجبار حكامها على توقيع اتفاقية كاناغاوا في مارس 1854 م التي فتحت بموجبها موانئ اليابان أمام الغزو التجاري والثقافي الغربي الذي مهد لسقوط اليابان سنة 1868 م. فأعاد الغرب حكم الامبراطور ودخلت اليابان تحت سيطرة المنظومة الغربية في ما يعرف بعصر ‘مايجي’ الذي يعتبره الغرب ‘ذهبيا’.إن دراسة التاريخ المعاصر من زاوية التحولات الثقافية وارتباطاتها بالمشاريع الجيوسياسية الكبيرة قد تظهر مؤشرات خطيرة عن استمرارية الأسلوب الذي تحكم به الغرب في القوى المقابلة له فيما يسميه ‘شرقا’ حتى يصير الخضوع لثقافته شرطا وجوديا مثلما حدث في حالة اليابان الامبراطورية المرضي عنها غربا. أو تتمسك تلك الحضارات (الصين الكنفوشيوسية، والحضارة الاسلامية) بخصوصيتها لتجد نفسها في مواجهة كتيبة من محترفي تزوير التاريخ ومنظري صراع الحضارات للألفية الثالثة (إيرفن كريسطول، بيرنارد ليويس، فرانسيس فوكوياما، صامويل هانتغتنون).’ خبير اعلامي مقيم بفرنساqmdqpt