هل يكون لبنان نقطة الانطلاق؟
يحيي ابو زكرياهل يكون لبنان نقطة الانطلاق؟يعترف المتخصصّون في قضايا التاريخ وحركته بأنّ إنتصار أي أمة هو رهن بمجموعة شروط أولها بقاء هذه الأمة علي ثوابتها وخطهّا السياسي العام رغم تكالب الأعداء عليها لحرفها عن مسلكيتها السياسية ونقلها من دائرة إلي أخري مناقضة كل المناقضة للأولي، وفي الحالة اللبنانية يمكن القول من دائرة المقاومة والصمود وإلي دائرة التطبيع والإنخراط في المعادلة الأمريكية والإسرائيلية وهذا ما لم ولن يحدث في لبنان.ويري بعض المحسوبين علي أبناء جلدتنا من المستغربين والمثقفين ومثقفي المارينز أنّ إسرائيل قد تكون في موقع المنتصر بحكم ما ألحقته بلبنان من أضرار خطيرة في تفاصيل بنيته التحتية، علما أنّ المقاومة الإسلامية والتي صفعت الخدّ الإسرائيلي في حيفا وطبريا ونهاريا وصفد والعفولة وكريات شمونة هي الأخري ألحقت أضرارا بالبني التحتية العبرية ومع ذلك لا يقرّون بإنتصار المقاومة الإسلامية الرائدة لأنها تنطلق من خطّ سياسي لا ينسجمون معه، ولأنّ سادتهم في واشنطن وتل أبيب يطلقون شعارات لا تنسجم البتّة مع تطلعات شعوبنا المستضعفة.والواقع أنّ لبنان العملاق إنتصر في كل الجبهات السياسية والعسكرية والأمنية، بل إنّ لبنان الذي يحلو للبعض أن يقول بأنّه عديم الدور في محيطه الجيوسياسي قد أصبح رائدا وعملاقا وقائدا ليس للشعوب العربية فحسب، بل يجب أن يتزعم الدول العربية من المحيط وإلي الخليج ويضخّ فيها بعض رجولته عسي أن تعود الحياة إلي المنتظم السياسي العربي.وإنتصار لبنان علي الصعيد السياسي وفي المحافل الدولية يدلّ عليه رفضه الكامل لكل مشاريع التسوية التي أرادت أمريكا والكيان الصهيوني فرضها عليه، وأعلن أنّه مستعد لإدامة الحرب ولا يساوم علي مبادئه، بل إنّ الرسميين في لبنان طلبوا من وزيرة خارجية أمريكا كوندوليزا رايس بعدم القدوم إلي لبنان، كما أسمعوا نائب وزير خارجية أمريكا دافيد وولش كلاما لا يرضيه ولا يرضي الإدارة الأمريكية، وقد سمح الأداء السياسي المتألق لكل من رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ورئيس البرلمان نبيه برّي بالتنسيق مع المقاومة الإسلامية في تحصين الجبهة الداخلية اللبنانية التي خرجت منتصرة حيث تأتي إنجاز مشروع أممي في ضوء هذا التوافق.ولأول مرة في الراهن العربي تتمكن دولة عربية من مجابهة المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي وبقوة، وقد عودنّا هذا الراهن العربي أن يؤمر الرسميون العرب من قبل واشنطن فيطيعون وبدون مناقشة أو حتي تقديم إشكالات بسيطة، لكن في الحالة اللبنانية ورغم فداحة الأضرار المادية فإنّ الدولة اللبنانية برئاسة العماد إميل لحود تقول بملء فيها لا للمشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي، لا لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تسيطر فيه الدولة العبرية علي الشرق الأوسط والعالم العربي، لا للتطبيع، وفوق هذا وذاك لا لوأد المقاومة الإسلامية ورجالها الذين قال عنها الرئيس اللبناني في بداية الغارة الإسرائيلية الظالمة علي لبنان في أواسط تموز الماضي انها مقاومة دخلت التاريخ العربي كمحررة للبنان، فكيف يطوّق من حررّ بلاده من أكبر عدو ظالم هو الكيان الصهيوني.وبالإضافة إلي ذلك فإنّ اللبنانيين توحدّوا فيما بينهم وإلتحم الصليب بالهلال، وتشابكت يد المسيح بيد محمد عليهما الصلاة والسلام وقدمّ اللبنانيون أروع صورة وحدوية والتي يفترض أن تتحول إلي نموذج يحتذي به في كل القارات الخمس.وهذه الرفعة السياسية والشموخ السياسي لم يكن ليتحقق لولا قوة المقاومة الإسلامية بقيادة سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، فالمقاومة الإسلامية في لبنان إنتصرت فعليا بالمفهوم العسكري والأمني، فعسكريا تمكنت الفئة المؤمنة القليلة أن تلحق أكبر الأضرار بالجيش المحسوب الرابع عالميا، فدبابات الميركافا الأسطورة أصبحت أضحوكة ، وكلما كانت تدخل المستنقع اللبناني كانت تفّر محترقة لافظة أدخنتها وهي لا تلوي علي شيء، وللإشارة فإنّ الدولة العبرية وفي كل حروبها مع العرب لم تفقد ما فقدته من دبابات وجنود وبوارج حربية في ظرف شهر، وغير هذه الخسائر المادية التي ألحقتها المقاومة الإسلامية بالمؤسسة العسكرية الصهيونية، فإنّ هذه الأخيرة لم تنجح لا في تفكيك حزب الله، ولا الإضرار بتركيبته البشرية والتسليحية، بل إنّ المقاومة الإسلامية إزدادت قوة وصلابة ليس في الجغرافيا اللبنانية فحسب، بل باتت نموذجا وقائدا وملهما في العالم العربي والإسلامي، وبالتأكيد فإنّ المقاومة الإسلامية ستكون أمام مهمة حضارية كبيرة بعد إنسحاب الصهاينة إلي ما وراء الخط الأزرق حيث سوف تصدّر هذه التجربة الفذة لأجيال لبنان والعالم العربي والإسلامي لإكمال المشروع الحضاري ساعة تحين اللحظة التاريخية.وفي الوقت الذي إخترق فيه الجهاز الأمني لحزب الله إسرائيل كل إسرائيل، فإنّ الموساد والشين بيت عجزا رغم ما لهما من إمكانات مادية جبارة ووسائل تقنية مهولة من إختراق حزب الله الذي أدّي المعركة بتألق وأداء رائعين.ولا أحد ينكر بمن في ذلك المحللون العسكريون في صحف معاريف و هآريتس و يديعوت أحرنوت بأنّ المقاومة قتلت أزيد من 150 عسكريّا إسرائيليّا، وأعطبت عشرات الدبابات من نوع الميركافا، وفجرّت ثلاث بوارج حربية، والتفوق الوحيد الذي سجلته إسرائيل هو في مجال سلاح الجو والذي قتلت به الأبرياء والمدنيين وهو ما سجلّ عليها لا لها، والذين سيكملون درب المقاومة سيدرسون هذا الملف جيدا ويبدعون لنا صواريخ مضادة للطيران تتهاوي معه طائراتهم كما تهاوت بوارجهم ودباباتهم ورجالهم في جنوب الصمود والرجولة والشرف والعنوان والنهج والمدرسة والجامعة.9