باريس ـ «القدس العربي»: منذ أن اتُهِم نجم المنتخب الفرنسي الفائز بلقب مونديال 2018 بول بوغبا بإلقاء تعويذة على زميله في «الديوك» كيليان مبابي، سُلّط الضوء على الدور الذي يلعبه المعالجون الشعبيون أو «المرابطون» في الرياضة الشعبية الأولى في العالم.
وقال الشيخ عيسى وهو يمسك بقطعة من لحاء الشجر وزجاجة من الدواء الأصفر إن «هناك الكثير من الغيرة في كرة القدم»، ولهذا السبب لجأ العديد من محترفيها الى المعالج الإفريقي في ضواحي باريس بحثاً عن طرق لدرء «العين الشريرة» وغيرها من الآلام. وقال الشيخ عيسى (وهو أسم مستعار للشيخ): «هذا ما أستخدمه لعلاج لاعب يتعرض للإصابة في المباريات الكبيرة». وزعم «المعالج التقليدي» المولود في ساحل العاج أنه قادر على «رؤية الماضي والمستقبل».
وقال جويل تيبو، القس الإنجيلي والمستشار الروحي للمهاجم الفرنسي أوليفييه جيرو، إنه «مع وجود الكثير من الأموال على المحك ومسيرة كروية يمكن أن تنتهي بتدخل واحد»، يلجأ نخبة الرياضيين «بانتظام إلى الأطباء السحرة». كل ذلك كان سرياً بعيداً عن أعين العامة حتى وقع بوغبا الذي ينحدر والداه من غينيا، ضحية لمحاولة ابتزاز مزعومة العام الماضي من قبل بعض المقربين منه. وزعم شقيقه الأكبر ماتياس أن بوغبا دفع لطبيب ساحر من أجل إلقاء تعويذة على مبابي، لكن نجم مانشستر يونايتد السابق ويوفنتوس الحالي والمعالج أخبرا الشرطة أنهما لم يفعلا شيئاً من هذا القبيل. وقال المرابط إن المبالغ الكبيرة التي دفعها له بوغبا كانت من أجل «أعمال خير في إفريقيا».
ومع ميل ثلاثة من كل 10 أشخاص في فرنسا الى الإيمان بنوع من السحر وفقاً لاستطلاع أجري عام 2020، قام محققون على مدار العام الماضي بالتحقيق في هذا العالم المغلق واكتشفوا كيف أن المعالجين بالإيمان «نصفهم يثيرون الخوف والنصف الآخر محتقرون» وفق ما قال أحد علماء الأنثروبولوجيا (علم الإنسان).
ويرتدي الشيخ عيسى سروال الجينز في الشارع لكن عندما يستقبل طالبي العلاج يرتدي زياً إفريقياً طويلاً. وقال الرجل البالغ 45 عاماً الذي يدير أيضاً شركة تنظيف، إنه لا يؤمن بالتمائم «بل أؤمن بالقرآن والنباتات»، زاعماً أن لحاء الشجر يحمي من «العين الشريرة»، والبذور المطحونة «تجعلك محظوظاً» والجرعات «تضيف لمعاناً» وجاذبية الى «الساسة والمحامين ورجال الأعمال» الذين قال إنهم يأتون إليه بحثاً عن «المحبة والإعجاب». وأشار أيضاً الى وجود علاجات أيضاً من أجل تعزيز «القوّة الجنسية». وكسب الشيخ عيسى هذه «الهدية» من والدته «التي تقرأ الأصداف» ووالده الإمام، وقد تدرب مع معالجين دينيين في غرب إفريقيا حيث يستشير الناس في كثير من الأحيان المرابطين، وذلك بعد دراسته في مدرسة قرآنية. وأفاد أن شهرته بدأت عندما «ساعد» أحد السياسيين على أن يصبح وزيراً في الحكومة. ومعظم زبائن الشيخ الذي يصر على أنهم يدفعون فقط تكلفة استيراد نباتاته ونفقات سفره، هم غالباً من الأفارقة وجنوب آسيا، رغم أن بعضهم يأتي من منطقة الكاريبي الفرنسية وفرنسا نفسها. وفي أحد أيام الصيف، عندما زار محقق غرفة الاستشارة الخاصة به، كانت امرأة شابة من جزر القمر «تعيش مع الأرواح وتؤذي نفسها» تنتظر رؤيته مع «مغربي يائس» بسبب مخبزه الفاشل. وقال: «الناس لا يتحدثون عندما يأتون للمرة الأولى. عليّ أن أُخَمِّن» مشكلتهم، مضيفاً أن البعض يواجه مشاكل في المنزل أو العمل أو يعاني من مشاكل صحية أو يبحث عن «حب حياته».
وبالنسبة لعالم الأنثروبولوجيا جان بيير أوليفييه دي ساردان من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، فإن «بعض (المرابطين) يشبهون المعالجين النفسيين… والبعض الآخر نصابون»، مضيفاً أن بعضهم يتحدر من تقليد صوفي ولديه «ثقافة دينية عميقة ورغبة في المساعدة»، لكن آخرين لا يعرفون سوى «بعض سور القرآن ويستخرجون الحد الأقصى من ضحاياهم» من الناحية المادية. أي شخص يقول أن لديه الموهبة وبعض المعرفة بالإسلام والعرافة وصنع المعجزات يمكنه أن يطلق على نفسه اسم المرابط. ولا يتقاضى البعض أكثر من عشرة يوروهات مقابل الموعد، رغم أن السعر يمكن أن يصل الى مئات أو آلاف عدة، وحتى عشرات الآلاف في بعض الحالات.
وتستقبل المعالجة النفسية أسا دجيلو بانتظام العملاء الذين خذلهم المرابطون، وهي تقول إن البعض لديه سيطرة «خطيرة» على الناس. وبدلاً من «مواجهة الواقع»، يقنع المعالجون الناس بأن مشاكلهم «نتجت عن تعاويذ ألقيت عليهم، ما قد يؤدي الى القلق والاكتئاب». ولا تتدخل الشرطة الفرنسية إلا عندما تكون هناك شكاوى حول الاحتيال أو ممارسة الطب بشكل غير قانوني، لكن دجيلو قالت إن مثل هذه الحالات نادرة والحديث عنها «محظور».
وفي الرياضة حيث تنتشر الخرافات، يمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة بسرعة. وقال تيبو إن «المسيرة الرياضية قصيرة وأقل إصابة» يمكن أن تكون كارثية، وبالتالي يبحث الرياضيون في بعض الأحيان عن المساعدة لأن «ليست لديهم القوة الداخلية للتغلب على كل شيء» يواجههم. لكنه أكد أن «ما يفعله هؤلاء المرابطون خطير للغاية». ويعرف المدرب الفرنسي الأسطوري كلود لوروا الذي تولى الإشراف على ستة منتخبات إفريقية، هذه المشكلة جيداً جداً، حتى أنه تعرض للتهديد ووصم بـ«الساحر الأبيض» لأنه أبعد المرابطين عن طواقمه ولاعبيه. ورأى لوروا أن «بعض اللاعبين يحتاجون الى التحدث مع المرابطين، وهذا يمكن أن يريحهم، كما أنه بمثابة رابط مع وطنهم».
وعلى الرغم من إصراره على أنه «لا يؤمن ولو لدرجة واحدة» بسلطاتهم، إلا أنه ما زال مضطرباً من حادثة واحدة. ففي عام 1997 وبعد مباراة الذهاب الكارثية في الدور التمهيدي الثاني من مسابقة دوري أبطال أوروبا ضد ستيوا بوخارست الروماني والتي خسرها بثلاثية نظيفة، كان على باريس سان جيرمان حيث كان لوروا لاعباً، الفوز بأربعة أهداف إياباً من أجل التأهل الى دور المجموعات. وفي محاولة يائسة للحصول على أي شيء قد يساعده في تحقيق مبتغاه، دفع النادي «لأحد كبار المرابطين الماليين» مبلغ 500 يورو، و«طلب منا صور اللاعبين وأرقامهم، وقبل مباراة الإياب على أرضنا أخبرنا أن اللاعب رقم 18 سيسجل الهدف الرابع في الدقيقة 37». وفاز سان جرمان 5-0، وسجل صاحب القميص رقم 18 الهدف الرابع في الدقيقة 41.