عمان ـ «القدس العربي»: فتاة جامعية أردنية ظهرت عبر وسائل الإعلام التلفزيونية ونجحت في تسليط الضوء على مجمل النظام الذي يحاول توفير ضمانة لطلاب الجامعات لممارسة حرياتهم الحزبية.
تلك الحريات وفقا لما كشفته الفتاة النشطة على المحك والاختبار وبطريقة دراماتيكية عنوانها الأعرض التأكد ما إذا كان كبار المسؤولين في الجامعات الرسمية والخاصة معنيون أصلا بثقافة حريات العمل الحزبي، ويمكنهم مساعدة مشروع تحديث المنظومة السياسية في البلاد وخصوصا في الاتجاهات التي تهتم فيها الرؤية الملكية أصلا تحت عناوين مساندة التيارات الشابة وإدخال الثقافة الحزبية إلى عقول الطلاب والتلاميذ ليس في الجامعات فقط، ولكن في المدارس أيضا.
وهنا أبرزت تلك الفتاة المفارقة الكبيرة وأثارت جدلا من نمط غير مسبوق منذ أكثر من عام عندما قالت أو نقلت عن عميد شؤون الطلبة في جامعتها الخاصة انه استدعاها ومنعها من إقامة نشاطات حزبية داخل جامعتها ثم لوح بأنه سيضع أسماء قادة حزبها اليساري ضمن قوائم الشخصيات التي يمنع عليها دخول الحرم الجامعي.
في تلك اللقطة التي تحدثت عنها الفتاة بجرأة وسط دهشة الجميع اختبرت ضمنيا مقدار الالتزام في المؤسسات الجامعية وخصوصا في عمادات شؤون الطلبة التي ترتبط بالعادة بالسلطات الرسمية والبيروقراطية عندما يتعلق الأمر بجدية الانحياز للعمل الحزبي وبجدية الالتزام بما تضمنه القوانين خصوصا وان بروتوكولا تم وضعه مبكرا منذ عدة أشهر وبنص لنظام قانوني تنظيمي يضمن حصصا من الثقافة والتثقيف الحزبي ويؤسس لكيفية العلاقة داخل المؤسسات التعليمية ما بين تلك المؤسسات وممارسات العمل الحزبي الحر.
معايير خضعت للمخالفة
الاختبار هنا لا يمكن تجاهله ببساطة والحديث كان عن فتاة جامعية قررت الانضمام إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي يساري النكهة، لكنها فوجئت بأن عمادة شؤون الطلبة في جامعتها الخاصة تستدعيها وتعترض على انضمامها لذلك الحزب وفوجئ الرأي العام ومعه بعض من كبار المسؤولين بما كشفته الفتاة عبر شاشة فضائية «رؤيا» فيما كان المذيع النشط وصاحب الأفضلية في الاشتباك الحواري محمد الخالدي يسألها عن التفاصيل.
السلطات كانت قد شكلت لجنة أصلا لوضع معايير لخدمة مسارات التحزب والتثقيف الحزبي في المدارس والجامعات. وما ينطوي عليه الأمر في حادثة الفتاة الجامعية هو أن تلك المعايير خضعت للمخالفة وبوضوح ليس فقط في الحالة التي تتحدث عنها الفتاة، بل في حالات أخرى عديد. وهو أمر يلفت النظر حتى برأي المستشار الحقوقي والناشط في مجال الحريات البارز عاصم العمري كما قال لـ«القدس العربي» إن المؤسسات حتى الآن لا تتحدث بنفس اللهجة واللغة أو تخضع لنفس المسطرة عندما يتعلق الأمر ليس بالعمل الحزبي بل بممارسته على أرض الواقع.
وهنا يجدد المحامي العمري جملته الاعتراضية على أن السلطات والحكومة مطلوب منها إثبات حسن نوايا الالتزام والتنفيذ وليس فقط التشدق بنصوص القوانين والحديث العاطفي عن تحول نحو الحياة الحزبية، مشيرا إلى أن معيقات الحريات الحزبية في الأردن تتميز ليس فقط بانها موجودة لكنها كثيرة وتتراكم وقابلة لإعادة الاعتبار لذاتها لا بل يمكنها التكاثر.
وقد لا يقف الأمر فيما يخص الناشط الحزبي علي قيسية عند تلك الممارسات في الجامعات والمدارس التي لا تزال وكأنها لم تسمع بعد بمنطوق ومضمون تحديث المنظومة السياسية في البلاد. بل يتعدى نحو مناولات وإنزالات خلف الحديقة الحزبية وممارسات لتضييق العمل الحزبي في بعض الوزارات والمؤسسات ومن بينها مثلا وزارة مختصة بإدارة شؤون البلديات واستدعاءات واتصالات ذات بعد أمني بين الحين والآخر لمنع المواطنين أو مواطنين من الانضمام لحزب أو التفكير بالانضمام لآخر. ذلك ينبغي أن لا يحصل برأي الناشط الحقوقي والسياسي الإسلامي الدكتور رامي العياصرة لإن السلطة يتوجب عليها الاهتمام بهوامش بناء مصداقية شاملة لمسار التحول لتحديث المنظومة السياسية.
لدى العياصرة ورفاقه في الحركة الإسلامية توثيقات وتذمرات ومظلمات تشير إلى تدخل ما بالنشاط الحزبي الطلابي عبر بعض المؤسسات الجامعية لا بل مضايقات يتعرض لها نشطاء إما إسلاميون أو يساريون بين الحين والآخر.
المصداقية هنا ضرورة لكي يصدق الناس بتقدير العياصرة مجمل الخطاب الرسمي وحتى يتمكن الأردنيون عموما من بناء مقاربة وطنية منتجة في ظل «ما عرض عليهم من إصلاحات» وعلى المؤسسات الرسمية أن تبذل جهدا أكبر لإظهار قدرتها على الالتزام ليس بما تريده الأحزاب السياسية، بل بما تقرر على مستوى الدولة وصناع القرار.
لذلك برأي العياصرة وغيره من المهتمين بالحقوق العامة الدستورية ما يجري في الساحة البيروقراطية العامة يمكن إسقاطه على ما يجري في الغرف الطلابية مع ان التعددية الحزبية يفترض ان تكون ثمرة لمغادرة منطقة التردد والتخوف.
مرد التركيز على الجامعات بالنسبة للمؤسسات الرسمية والحكومية هو الرغبة بالحد من نفوذ وحضور حركة الإخوان المسلمين في الأطر الجامعية، لكن مثل هذا المنطق رد عليه مبكرا وعبر «القدس العربي» السياسي والبرلماني الدكتور ممدوح العبادي عندما اعتبر أن ما يرعب ويخيف وينبغي له أن يفعل هو غياب العمل الديمقراطي واحترام «نتائج الصندوق» وليس النزاهة والتعددية الديمقراطية، معتبرا أن «الخوف» لا يصنع ديمقراطية ولا يوجد ما يمنع أن يفوز أي حزب يقرر فوزه الناخبون بنزاهة بأي أغلبية وبأي وقت وذلك لا ينبغي ان يخيف أحدا.
ويحاجج العبادي دوما بان «الديمقراطية الحقيقية» قوة كامنة ووطنية بينما الضعف والهزال السياسي والإقليمي والاقتصادي أعراض تلازم الدول التي لا تعتمد الديمقراطية، وعليه يقرر بأن الدول القوية والتي أنجزت فعلا هي حصرا الديمقراطية ويمكن للجميع قراءة التاريخ هنا للتثبت.
والمفارقات بهذا المعنى قد لا تقف عند حدود، وما يبشر به رئيس الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات المشرفة على السجل الحزبي بعد مسارات التصويب هو ان القانون واضح ليس في حرية العمل الحزبي لكن في حرية الممارسة أيضا.
وبالتالي أي اجتهادات للنص خارج هذا السياق قد لا تنطوي على معنى لكن ما يلمح له المعايطة أيضا أن التجربة وسط الناس عموما تحتاج إلى المزيد من الوقت حتى تستقر، وأن العمل الحزبي برمته لا يحبه المجتمع ولم يعتد عليه، لكن النسبة القليلة التي انضمت للأحزاب من الأردنيين ليست إشارة سلبية، فالعمل قابل للتطور والتعمق إذا ما تمكنت الأحزاب السياسية من إقناع الأردنيين بخبراتها.
استنتاجات متسرعة
يعيد المعايطة التحذير من بناء استنتاجات متسرعة مع انطباعات سلبية في هذه المرحلة، ويقترح على الملاحظين جميعا الالتحاق بالعمل الحزبي لمنحه جرعة ثقة زائدة تمكنه من الصمود أكثر مستقبلا بدلا من الشكوى والتذمر.
لكن المسألة في مجال حريات الشباب وتحديدا الجامعيين في ممارسة حرياتهم الحزبية ورغم أنها مضمونة بموجب القانون تتعدى التذمر والشكوى والتضجر، والانطباع قوي جدا بأن بعض الجهات الرسمية لا تزال تعمل في عمق أوساط الطلاب لصالح التمييز والتدخل بالعمل الحزبي المرتبط بانتخابات مؤسسات الطلاب الداخلية مثل اتحادات الطلبة.
فوق ذلك يقول الشاب يزن عبادي الناشط في الأوساط الطلابية إن التدخل بالممارسة لا يقتصر على التحذير البيروقراطي والمضايقات لطلاب الأحزاب المعارضة، بل يتعداه بوضوح باتجاه دلائل وقرائن قوية بأن إدارات الجامعات ومؤسسات عمادات شؤون الطلبة في التراكم السلبي المضاد بعد الاستفادة من بعض النصوص والعبارات الغامضة المضادة لحريات العمل الحزبي في الأنظمة التي ألحقت لأغراض دعم الحزبي بينما تستخدم فعليا بالاتجاه المعاكس الآن.
يتحدث عبادي هنا حصرا عن «صلاحيات عميد شؤون الطلبة» ورئيس الجامعة ومجلس الأمناء التي تسمح باعتداءات قانونية ومنهجية على حريات الممارسة الحزبية، كما يتحدث عن نصوص مرنة وعبارات غامضة تستخدم ضد الحريات الحزبية مثل «شريطة ان لا يؤثر على التحصيل العلمي وعلى الوضع الدراسي».
يقدر عبادي بأن الكثير من اللوائح في الجامعات تحديدا ينبغي ان تقرأ مجددا بالتفصيل حتى تتم مراكمة ثقافة خاصة منتجة تدعم فعلا الشارع الطلابي وتجعله جزءا حيويا من مجمل مسار تحديث المنظومة السياسية في البلاد.
ويستذكر عبادي الشاب الجامعي الذي ظهر على شاشة تلفزيون المملكة الشهر الماضي بشعار «أنا المستقبل» مقترحا أن تلتزم إدارات الجامعات بالمسار وتثبت لهذا الشاب وغيره بأنها لا تخطط لكمائن وستدعم توجهات الرؤية الملكية بتمكين الشباب من ممارسة حرياتهم الحزبية داخل الحرم الجامعي طبعا بما لا يخالف القانون شريطة أن يتم تفسير وترسيم وتحديد عبارة «بما لا يخالف القانون».
وبهذا المعنى ثمة قيود يشعر بها الجميع ليس على حرية العمل الحزبي فقط، لكن على حرية ممارسته. وما يقترحه الباحث الحقوقي علي قيسية هو تعديلات قانونية تضمن حريات مزاولة العمل الحزبي وتضمن معاقبة الموظف العام بصرف النظر عن هويته ومؤسسته إذا ما ارتكب مخالفة تعيق العمل الحزبي.
وهو أمر يرى قيسية انه ورد في قانون الانتخاب لتعزيز النزاهة ويمكن سحبه على تعديل جديد على قانون التعددية الحزبية يضمن للأردنيين ممارسة آمنة لحرياتهم الحزبية بدون عقوبات أو حجب خدمات وامتيازات.
ويشير قيسية إلى أن الأسرة الأكاديمية تحديدا التي تدير شؤون الجامعات لا تزال في ذهنية وعقلية الماضي، وعليها تطوير مساراتها والتفاعل بسرعة أكبر مع التصورات الحادة للشباب والطلاب الأردنيين عن حقوقهم بعد الآن، ويتصور الحقوقي نفسه بأن الحكومة يمكنها ان تعقد «خلوة خاصة بالأكاديميين» تثبت لهم بأن «الأمور تغيرت» وبأن وظائفهم مضمونة ولن تتأثر لو سمحوا بإطلاق الحريات الطلابية عموما على أساس أن إدارات الجامعات الأردنية بشقيها الرسمي والخاص اليوم مرتابة خلافا لأنها لم تعتد بعد على العمل الديمقراطي ولا تعرفه أساسا.
وما تكشف عنه الملابسات التي فجرتها الفتاة الجامعية المشار إليها أن بشائر مسار التحول في البلاد نحو العمل الحزبي يبدو انها لم تصل بعد للمساحة الكاملة في مؤسسات التعليم العالي، والسبب برأي كثيرين هو تلك الأسس المعتمدة في إدارة الجامعات والأسرة الأكاديمية عموما وبالطرق والصياغات الكلاسيكية ما يجعل المؤسسات الجامعية في حالة خوف من وصول مد التحول الإصلاحي السياسي وبالتالي العمل الحزبي إلى ساحاتها.