كتب الصحافي هوشنك أوسي عن جائزة نوبل للسلام التي تنتظر مناصفةً السيدان عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكُردستاني ورجب أردوغان رئيس الوزراء التركي، في حال تكللت جهودهما في نزع سلاح الحزب الكردستاني وإحلال السلام في تركيا بالنجاح.ومع ما تنطوي عليه الفكرة من غرابة إلا أنه لا شئ مُستحيلاً في عالم اليوم، من جهتهم، الكُرد، سيكونون سعداء في حال حصول أحدهم على تكريمٍ مهما كان مستواه حتى دون سؤالٍ عن الثمن، فكيف إذا كان نتيجةً لإحلال السلام في الجزء الأكبر من وطنهم التاريخي، والذي سينعكس بلا شك، بشكلٍ من الأشكال، على حال الكُرد في كل مكان، وخاصةً في سورية، حيث اليد الطولى لحزب العمال الكُردستاني في المناطق الكُردية السورية، والتي تشكل خزانه البشري والمادي. والحقيقة هي أن السلام المنشود بمآله النهائي يختلف عن ما يُتدوال عن نتائج اللقاءات الحاصلة بين السيد أوجلان ومدير الإستخبارات التركية، حيث تبدو الحلول المطروحة وكأنهاُ محاولة متأخرة لأطفاء نارٍ أشعلها البعض منذُ ثلاثين عاماً، دون الأخذ في الإعتبار المرحلة الطويلة الفاصلة بين فعلي الإشعال والإطفاء، بما فيها من أهدافٍ كُبرى تقزمت، وضحايا بعشرات الألوف سقطت، وخسائر مادية ومعنوية من قبيل تدمير آلاف القرى وتشريد ملايين الناس، بحيث يبدو أن المطلوب المُلِح هو طيُّ الصفحة على عجل، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل عدة عقود، مع الأخذ في الإعتبار التطور الطبيعي للأشياء بعيداً عن تأثير ذلك اللهيب (العارض)، وكأن إعادة الإعتبار للضحايا وتعويضهم يكون في مجرد إغلاق الملف وتجنب المزيد من الخسائر، وكفى الله المؤمنين شر القتال.كمعني بالشأن الكُردي السوري أولاً، ومن ثم بالشأن الكُردي عموماً، فإنني أجده أمراً غاية في الأهمية إغلاق ملف القتال بين حزب العُمال الكُردستاني والحكومة التركية، نظراً لأن هذا الملف يلقي بظلاله القاتمة على المناطق الكُردية السورية، إذ أنه من المفترض في ظل إتفاقٍ بين الكُردستاني والحكومة التركية أن يتوقف النزيف البشري والمادي لهذه المناطق عبر آلاف الشُبان الذين إلتحقوا بصفوف الحزب لقتال الأتراك، حيث فقد الكثير منهم حياته هناك، كما أنهُ من المفترض أن يكف أحد الفرقاء في الساحة الكُردية السورية، وهو الفريق الذي يشكل إمتداداً للكُردستاني، عن الإستقواء بهذا الأخير، وأن يستفيد من تجربته في نبذ العنف، خاصةً أن سلاحه موجهٌ للداخل الكُردي، لدرجة يظهر معها وكأنه قد بدأ للتو في إعادة تجربة الكُردستاني من نقطة الصفر، من خلال التهجم على المختلفين معه من شخصياتٍ وأحزاب، وتخوينهم وتصفيتهم وترهيبهم تمهيداً للإستفراد بالساحة والقرار، حتى أن هؤلاء يقولون صراحةً بأنهم يستلهمون تجربة حزب العُمال الكُردستاني وأفكار الزعيم أوجلان. في هذا الشأن، وخروجاً عن سياق التفاؤل أعلاه بالسلام كخيار نهائي للحزب، ثمة خشية من أن يحل النزاع المُسلح في تركيا على حساب المناطق الكُردية السورية بإعتبارها أضعف حلقة من حلقات التواجد الكُردي، خاصةً بعد دخول أعداد كبيرة من مسلحي حزب العُمال الكُردستاني إليها وتغلغلهم في مفاصل المنطقة وإنشائهم منظومة خاصة بهم تُحاكي تصورات الحزب عن الإدارة والسيطرة، إذ ليس من المعروف ما إذا كان إتفاق السلام سيشمل هؤلاء أيضاً، أو ما إذا كان الإتفاق سيغفل إمتدادت الحزب وتوجهاته في الساحة الكُردية السورية، التي تبدو حتى اللحظة غير معنية بما يجري في تركيا من توجهات سلمية. أبعد من ذلك كله، يبدو أن هناك توازناً في أوراق التفاوض بين الفريقين الكُردي والتركي، إذ أن في مُقابل الخسائر المؤلمة التي يُمكن لحزب العمال الكُردستاني أن يلحقها بالدولة التركية تمتلك هذه الأخيرة بدورها إمكانية الإستفادة من زيادة ضغوطها على السيد أوجلان الذي يحتل مكانة معنوية مرموقة لدى حزبه، رغم أن البعض يرى للضغوط التركية مفعولاً عكسياً، لكن توازن القوة هذا ليس هو فقط ما حرك عملية التفاوض الأخيرة بعد إقتناع الطرفين بإستحالة كسره، فمن جهة هناك المخاوف التركية من إمتدادات الربيع العربي إلى أراضيها، وهناك من جهةٍ أُخرى مخاوف الكُردستاني من إنخفاض الروح القومية لدى الشعب الكُردي في تركيا ما يؤدي بالتالي إلى تآكل حاضنته الشعبية يوماً بعد آخر، عند هذه النقطة إلتقى الفريقان لوضع حد لتداعي وضعيهما، إذ ترغب تركيا في تحصين وضعها ضد مخاطر التقسيم، ويرغب الكُردستاني في الحصول على مكافأة إلقاء السلاح، ليس أقل منها إطلاق سراح السيد أوجلان ورفاقه في السجون التركية، والذين يعتبرهم الكُرد أسرى حرب لدى قوة معادية. تبدو دروب كُردستان حتى الآن من الوعورة بمكان بحيث أنها تستحق تمهيدها أولاً ليدخلها السلام وليدخل بالتالي الأطمئنان إلى قلوب أهلها، وإذا تأخرت بعد كل ذلك الجوائز، أو لم تأتِ أصلاً، فليست تلك هي المُشكلة.حسين جلبي محام سوري – المانيا[email protected]