هل يمكن أن تتحول أحداث غزة إلى انتصارات سياسية؟

حجم الخط
0

الإطراء الذي تغدقه حماس والجهاد الإسلامي على جهود مصر من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، يمكن أن يدل على الأقل على المناخ الذي تريد المنظمتان نشره. مع ذلك، ما زالت الصعوبات كبيرة لأن مصر مطلوب منها إدارة مفاوضات مزدوجة الأبعاد، عليها تحقيق توافقات بين القيادة السياسية لحماس والجهاد وبين أذرعها العسكرية وخلق قاعدة ثقة مشتركة بين حماس والجهاد، وبين هاتين المنظمتين وإسرائيل.
حسب مصادر عربية، مصر دعت بشكل خاص قائد منطقة غزة وشمال القطاع، بهاء أبو العطا، للمشاركة في النقاشات في القاهرة في أعقاب إطلاق الصواريخ على إسرائيل، في الوقت الذي أوضح فيه سكرتير عام الجهاد الإسلامي، زياد نخالة، أن إطلاق النار الأول لم يتم بالتنسيق معه. في المقابل، استدعي إلى القاهرة أيضاً مروان عيسى، الذي يعتبر رئيس أركان كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحماس، من أجل تنسيق التفاهمات على الأرض بينه وبين أبو العطا ـ وبهذا إغلاق الفصل التكتيكي.
إزاء استمرار إطلاق النار على إسرائيل ليس واضحاً إذا كانت المفاوضات الداخلية التي تجريها مصر مع التنظيمات فيما بينها قد أثمرت اتفاقاً كاملاً. ولكن يبدو أنه بين الأذرع العسكرية للمنظمتين تبلور اتفاق على أنه لا يجب إعطاء إسرائيل ذريعة للقيام بعملية عسكرية أوسع، التي ربما تشمل هجوماً برياً في غزة.

معركة زائدة

حماس والجهاد تطلبان من مصر أن تعمل مع إسرائيل من أجل منع التصفيات المركزة، من جهتهما، عملية كهذه تشكل كسراً للقواعد التي ستوسع حجم الرد. علنياً يعلن المتحدثون للمنظمتين بأنهما لا تخافان من التصفيات المركزة ويؤكدون أنه لكل شخصية كبيرة تقتلها إسرائيل هناك بديل، وأنهم منذ زمن لا يعتمدون على طبقة رقيقة من القادة السياسيين والعسكريين.
مصر تحاول إقناع التنظيمات وإسرائيل بأنه في المعركة الحالية لن تكون هناك صورة للنصر ولا للهزيمة. «هذه معركة زائدة للطرفين»، قال للصحيفة محلل مصري يكتب في صحيفة رسمية. «الاتفاقات الأساسية على شروط التهدئة صيغت في السابق قبل بضعة أشهر، الطلبات من إسرائيل ومن حماس لا تحتاج إلى إعادة تعديل، حيث إن إسرائيل والتنظيمات وافقت عليها ولو بصورة مبدئية. ادعاء التنظيمات هو أن إسرائيل لم تنفذ دورها في التفاهمات، ومصر أوضحت بأنها تتفق مع ادعائهم.
أقوال المحلل تتوافق مع المقابلات التي أجراها متحدثون بلسان هذه التنظيمات مع وسائل الإعلام العربية، التي أوضحوا فيها بأنه «لو كانت إسرائيل قد التزمت بتعهداتها كان يمكن منع الجولة الحالية من المواجهة». حسب أقوال دبلوماسي أوروبي، فإن مصر من شأنها أن تطلب من ممثلين إسرائيليين كبار القدوم إلى القاهرة قريباً من أجل صياغة الضمانات التي ستكون مستعدة لإعطائها لتنفيذ التفاهمات، في الوقت الذي ما زال فيه رؤساء التنظيمات موجودين في القاهرة.

محللون: ما يجري حرب زائدة ويمكن للطرفين أن يلتقيا… في القاهرة

صحيح أن هناك بين مصر وإسرائيل والتنظيمات توافقاً على خطة المساعدة وخطة إعادة إعمار القطاع، لكن حسب أقوال الدبلوماسي، فإن مصر فهمت أن إسرائيل وجدت صعوبة في تطبيق هذه التفاهمات ـ ليس بسبب إطلاق الصواريخ من غزة فقط، بل بسبب إجراء الانتخابات في إسرائيل. الآن يبدو أن نتنياهو يمكن أن يؤخر الخطة حتى تشكيل حكومة جديدة. «كل تأخير كهذا سيصعب التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وكلما استمر إطلاق النار فإن الطرفين يمكن أن يصلا إلى وضع اللاعودة. إلى درجة أنه حتى مصر ستجد صعوبة في إقناعها بالعودة إلى طاولة المفاوضات غير المباشرة بينهما»، حذر الدبلوماسي. هذه أيضاً هي المخاوف التي عبر عنها مندوب الأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف الذي يعمل بلا كلل من أجل تثبيت وقف إطلاق النار.

سياسة إطفاء الحرائق

في هذه الأثناء تحظى إسرائيل بصمت دولي وليس عليها ضغط لوقف النار طالما أنها تتعرض للنار من غزة. ولكن الخوف هو أن دولاً في المنطقة، لا سيما تركيا، ستتوجه إلى مجلس الأمن مطالبة بإجبار إسرائيل على وقف هجماتها على غزة. إن فتح ساحة سياسية ضد إسرائيل في الأمم المتحدة سيعتبر إنجازاً آخر لحماس التي تعززت مكانتها السياسية أيضاً إزاء انغلاق محمود عباس، وبسبب حقيقة أنها، وليس السلطة الفلسطينية، تعتبر هي التي تنجح في إملاء الرد الفلسطيني ضد إسرائيل. وكذلك بالنسبة لخطة السلام التي يتوقع أن ينشرها الرئيس ترامب بعد انتهاء شهر رمضان.
لا توضح إسرائيل ما هي أهدافها بعيدة المدى في غزة. وحتى الآن تمسكت بسياسة إطفاء الحرائق التي سمحت بنقل الأموال القطرية إلى القطاع، ووسعت منطقة الصيد، وزادت حجم البضائع التي ستدخل إلى غزة. هذه التسهيلات ألغيت أو قلصت مع اشتداد المواجهة الأخيرة، لكن إذا جددت لن يكون فيها ما يكفي لإرضاء حماس، وتحديداً المليونين الذين يعيشون تحت حصار خانق منذ 12 سنة. مصر من ناحيتها زادت مؤخرًا كمية البضائع من سيناء إلى القطاع وأوضحت لرؤساء التنظيمات أن معبر رفح سيبقى مفتوحاً، أي أنها لا تنوي استخدامه كوسيلة ضغط مثلما فعلت في السابق.
ولكن الحديث لا يدور عن وجبات مساعدة ولا عن سياسة العصا والجزرة فحسب، فالدولتان تتعاملان مع حماس على أنها جهة حاكمة مسؤولة وحصرية عما يحدث في غزة. وهما تجريان معها مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، وهما تعملان على صياغة سياسة اقتصادية معها مشروطة بسلوكها العسكري.
صحيح أن مصر سبق لها وأعطت حماس شرعية بمجرد إجراء مفاوضات مباشرة معها، في حين أن إسرائيل تمسكت علنياً بالمبدأ الذي يقول إنها لا تجري مفاوضات مع التنظيمات الإرهابية. ولكن في الوقت نفسه توافق، بل وتشجع مصر على أن تجري باسمها مفاوضات مع هذه المنظمة ومستعدة لتطبيق، حتى لو كانت لا تصرح بذلك علناً، كل اتفاق تحققه مصر بالتنسيق معها.
في هذه الخدعة تشارك حماس التي علناً لا تعترف بإسرائيل وترفض أي اقتراح لإجراء مفاوضات معها، لكن فعلياً تتعامل مثل خصم براغماتي. هكذا يحدث أن الطرفين، إسرائيل وحماس، مضفوران معاً في نظام من الردع والاعتماد المتبادل، الذي يزداد ويتعزز طالما لم يتم عرض خطة سياسية قابلة للتنفيذ للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

تسفي برئيل
هآرتس 6/5/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية