يواجه الباحث في الخطاب السجالي، الراغب في اكتشاف مكوناته وأسسه وخصائصه، مجموعة من الإشكالات النقدية والمعرفية، تجعل التصدي له أمرا محفوفا بعديد من المزالق والمشكلات الإبستمولوجية، وتسمه بطابع «الخطاب الإشكالي» (أحمد عبد الفتاح يوسف، الخطاب السجالي في الشعر العربي تحولاته المعرفية ورهاناته في التواصل)، الذي يعبر عن علاقة تصادم ما بين أطاريح أطرافه ومواقفهم حول قضايا إبستمولوجية معينة، حيث تتصارع فيه الذوات لإثبات نفسها ونفي الآخر المناوئ لها، ولهذا تتخذ علاقة أطراف هذا الخطاب طابعا إشكاليا يتوافق مع طبيعة هذا الخطاب نفسه.
من بين تلك المشاكل ما يتعلق بالعلاقة التي تربطه بالحجاج، ونسعى في هذا المقال إلى الإجابة عن إشكالية مركزية هي: هل يمكن أن يكون الخطاب السجالي خطابا حجاجيا؟ بفحص العلاقة بين الحجاج والسجال، وإبراز المسوغات التي نستند إليها في وصف السجال بالحجاجية.
السجال والحجاج بين بلاغتي الاختلاف والاتفاق
تثير علاقة الخطاب السجالي بالحجاج مجموعة من الإشكالات، فبينهما من الاختلافات ما يجعل القول بوجود الحجاج فيه أمرا غير مقبول، ويشكل عائقا إبستمولوجيا، لأنه يقوم على اختلاف قد يبلغ حد الخصومة والحرب (باشا العيادي، فن المناظرة)، إذ يجري بين طرفين يحملان رأيين متعارضين متقابلين. يسعى كل طرف منهما إلى التغلب على الطرف الآخر، تتنازعه آراء ومواقف متباينة ومختلفة، تصل أحيانا إلى حد القطيعة الإبستمولوجية، فلكي ينمو السجال لا بد من وجود اختلاف أو قطيعة بين أطرافه. يفيد هذا أن بلاغة هذا الخطاب قائمة على الاختلاف، وليس على التطابق والاتفاق، وبالتالي فهو ينشئ بلاغته بناء على التعددية، التي تعد عمدة بلاغة الاختلاف، فالمساجل لا يهدف إلى إقناع خصمه بدعواه، بالقدر الذي يروم تشويهه ونسف جهوده وإرغامه على تقبل آرائه بالقوة، لأن منطلقه في السجال حب غلبة الخصم والتفوق عليه ونشدان بلاغة الانتصار. يجعله ذلك خطابا صراعيا، لا يقوم على تغيير القناعات، وفض الاختلافات بقدر ما يقوم عليها. إن المساجل لا يُبْدِي استعدادا لتقبل رأي الآخر إذا أثبت صواب رأيه، فيقتنع ويعدل عما يقول، وإنما يظل متشبثا برأيه وراغبا في احتكار الحقيقة، وتقوده رغبة التمركز على الذات، فرأيه هو الصواب أما رأي الآخر فلا قيمة له، والأمر نفسه ينطبق على الطرف الآخر، وبذلك يصعب الوصول إلى اتفاق بينهما، ويظل مآل خطابهما القطيعة.
أما الحجاج فهو مسخر لحل الصراعات وفض الاختلافات، وذلك عائد لكونه يقوم على «مبدأ مراعاة الأفكار المقبولة والمشتركة في ما يسمى بالمواضع والمسلمات» (محمد مشبال، في بلاغة الحجاج)، إذ لا يمكن حصول فعل الإقناع المرتبط به، إلا في إطار بيئة مشتركة من الآراء والأفكار والمبادئ والقيم والتمثلات الاجتماعية… فالمتحاورون لا يمكنهم بتاتا فض خلافاتهم إذا لم يكن خطابهم مستندا إلى جماع من نقاط التوافق والائتلاف، وإلى مجموعة من القيم والقضايا المشتركة. يُفضي ذلك إلى القول إن الحجاج « منغمس في عالم التطابق والمعايير الملزمة، إلى درجة أن الاختلاف في الرأي والنزاع لا يمكنهما إلا أن يكونا مرحلة وسيطة سرعان ما ستتلاشى عند الإجماع والاتفاق النهائي» (ألان لومبرور، اختزالات البلاغتين الجديدتين). وبهذا يغدو ما يسمى بالاتفاق المسبق أساسا يبنى عليه الخطاب الحجاجي. ويتوقف قبول السامع لدعوى الخطاب «على جملة من الأمور تحيل ـ حسب بيرلمان ـ إما إلى الواقع: الحقائق، والوقائع والافتراضات، وإما إلى المفضل: القيم، والهرميات، والمواضع» (مشبال، في بلاغة الحجاج). وبذلك يستحيل الحديث عن حجاج من دون اتفاق المتلقي، إذ «يجب بادئ ذي بدء أن يقبل الجدل ويذعن للإقناع، وهذا ليس مسلما به أبدا… يجب أحيانا أن نقنع الآخر بمشروعية السعي إلى إقناعه» (فيليب بروتون، الحجاج في التواصل).
حجاجية الخطاب السجالي
إذا كان الحجاج مرتبطا ببلاغة الاتفاق لسعيه إلى فض النزاعات والاختلافات بين المخاطبين، والسجال مرتبطا ببلاغة الاختلاف لقيامه على التعددية، ولرغبة المساجلين في الانتصار والتفوق على الخصم، لا الاتفاق معه، فما مسوغ قولنا بحجاجية الخطاب السجالي؟ نتصور هنا أن الخطاب السجالي هو خطاب يوظف الحجاج بآلياته المتعددة في خدمة أغراضه، حيث يجعله خاضعا لبنيته العامة، يصبح الحجاج ذا لبوس سجالي، ويخضع لوظيفته القائمة أساسا على الرغبة في تجاوز الخصم، لذلك يستثمر الآليات التي تعينه على الوصول إلى أغراضه، على رأسها حجة أدهومنيم بتنويعاتها المختلفة، التي يجد فيها السجال أفضل وسيلة للنيل من الخصم، والباتوس العدواني، الذي يسعى بواسطته إلى السيطرة على الآخر وقمعه. إن الخطاب السجالي لا يمكنه أن يقوم في منأى عن الحجاج، غير أن الحجاج في هذا النوع من الخطابات يعرف إبدالا وظيفيا من الإقناع إلى الإرغام، وذلك عائد بالأساس إلى أن الذات السجالية لا تؤمن بالاختلاف، وإنما ترى أن خطاب الآخر لا قيمة له حتى يتخلى عن تصوراته التي ينادي بها، ويتنكر لمبادئه، ويتجرد من اختلافاته، ليصبح متطابقا مع رؤاها ومتوافقا معها، ولا ينظر إلى الحقيقة، إلا من خلال ما أقرته واعترفت به، ويتحول من شخص مختلف ومناوئ إلى شخص متماه معها ومتطابق مع ما تذيعه وما تتصوره، فهي تسعى إلى إقامة «علاقة أحادية بالآخر من أجل احتوائه وسلب آرائه وأفكاره؛ لأن منازعـ[ها] معادية للحوار، ولكل ما يتصل به من تفاعل وانفتاح وتقويض للتطابق. وحيثما استتب الأمر لواحدة من هذه المنازع لا نُوَاجَهُ إلا بالعنف، ولا تنتصب أمامنا إلا مظاهر الهيمنة والتسلط» (محمد الحيرش، أخلاقيات التأويل من أنطولوجيا النص إلى أنطولوجيا الفهم). وهذا ما يفسر سبب لجوء الخطابات السجالية إلى الحجاج، فهي تستخدمه في صيغته الانزلاقية للقضاء على الخصم.
يدعونا ذلك إلى إعادة النظر في الثنائية التي تجعل الحجاج مرتبطا بالاتفاق والسجال بالاختلاف، فنقول مع ألان لومبرور، إن التعارض بين الحجاج الذي يحيل على الاتفاق والسجال الذي يحيل على الاختلاف ليس محسوما فعلا في الواقع، إذ إن لعبة التطابق والاختلاف، التي تبدو ثابتة، ليست مستقرة بما فيه الكفاية. فنحن، أثناء قراءة خطابٍ سجالي، نكون منخرطين في جماعة لسانية، تستلزم موضعا للتطابق بالنسبة لجميع أفرادها. فالنص يتحدث، إلى حد ما، اللغةَ نفسَهَا التي نتحدث بها. يجب أن يكون هناك من التطابق ما يكفي لتبديد الاختلافات والانزياحات الدلالية والتأويلية (ألان لومبرور، اختزال البلاغتين الجديدتين)، إذ لا يمكن أن يحصل الإفهام إلا بوجود نقاط اتفاق واشتراك بين المتكلم والمستمع.
بناء عليه، يجوز لنا القول: إن الخطاب السجالي يُبنى في إحالته على عالم الاختلاف والتعددية، حيث يكتفي المساجل بذاته وينغلق على آرائه معتبرا ذاته مصدرَ الحقيقة، فيأبى بالتالي الإذعان لرأي خصمه، لكنه يبنى أيضا في إحالته على الاتفاق، وذلك حينما يرغب في إقصاء الآخر، ولا يؤمن بالاختلاف معه حقا مشروعا. في هذه الانتقالة من الاختلاف إلى مناهضة الاختلاف يفسح المجال للحجاج الإرغامي ليمارس سلطته وعنفه على الآخر…
كاتب مغربي