د. بشير موسى نافع
وقف الجيش المصري، بعد ثمانية عشر يوماً من الثورة، إلى جانب الشعب، ومارس ضغطاً ملموساً على الرئيس السابق حسني مبارك للاستقالة. ولإدراك الرئيس السابق لحقائق القوة في البلاد، تخلى عن منصبه لصالح المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وليس لنائب الرئيس أو رئيس مجلس الشعب، كما هو المفترض دستورياً. لم تلتفت الجموع الشعبية حينها للتفاصيل الدستورية، ووضعت ثقتها في الجيش والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي بات منذ مساء 11 شباط/فبراير يقوم مقام رئاسة الجمهورية. ولأن أغلبية المصريين كانت تعتبر مجلس الشعب (البرلمان)، الذي ولد من انتخابات مزورة إلى حد كبير، مؤسسة غير شرعية، فقد حل المجلس، وآلت سلطاته التشريعية إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة أيضاً. بمعنى أن المجلس لم يعد يحتل موقع الرئاسة وحسب، بل وموقع السلطة التشريعية كذلك. وبالنظر إلى أن النظام السياسي المصري يمنح رئاسة الجمهورية سلطات هائلة اصلاً، فقد أصبح المجلس الأعلى للقوات المسلحة حاكماً مطلقاً للبلاد، مطلقا حتى إن قورن بالسلطات التي مارسها الرئيس السابق نفسه.
بيد أن ثقة المصريين بجيشهم في تلك اللحظة الفاصلة من تاريخ مصر جعلت الأغلبية منهم تغض النظر عن حجم سلطات المجلس، آملين بأن المرحلة الانتقالية نحو نظام حر وتعددي ديمقراطي لن تكون طويلة. وهذا بالفعل الخيار الذي صوت له الشعب، بأغلبية لا يتطرق إليها الشك، في آذار/مارس الماضي، عندما طرحت للاستفتاء حزمة من التعديلات على دستور 1971 وخارطة طريق للمرحلة الانتقالية. وفي بادرة حسن نية، عززت من ثقة المصريين بجيشهم، سارع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بعد أيام من الاستفتاء، إلى إصدار إعلان دستوري مؤقت، ضم البنود التي أقرت في الاستفتاء، بما في ذلك خارطة الطريق. طبقاً لهذه الخارطة، كان يمكن للمرحلة الانتقالية أن تنتهي في موعد لا يتجاوز كانون الأول/ديسمبر الحالي أو كانون الثاني/يناير المقبل، باتمام الانتخابات البرلمانية، واختيار مجلس الشعب المنتخب جمعية تأسيسية لوضع مسودة دستور دائم، ومن ثم إجراء انتخابات رئاسية. المشكلة، أن المجلس الأعلى لا التزم بهذا الجدول الزمني، ولا قدم مبررات مقنعة لعدم الالتزام هذا. وفي المقابل، أخذ المجلس الأعلى الشعب المصري وقواه السياسية إلى متاهة من الجدل والخلافات، التي استبطنت زرع المزيد من الانقسام في صفوف القوى السياسية واستنزاف هذه القوى والشعب على السواء.
كانت نتيجة السياسات التي تبناها المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال الشهور القليلة الماضية أن مصر دفعت نحو أزمة جديدة، وأن ثقة المصريين بالمجلس قد تراجعت إلى حد كبير. وفي حين يبذل المجلس جهوداً كبيرة للخروج بالبلاد من مناخ الأزمة المستحكمة، بات السؤال المهم ما إن كان من الممكن، ومن الأجدر، أن يستعيد المصريون ثقتهم بالمجلس الأعلى.
تصرف الجيش المصري منذ انقلاب 1952 وولادة الجمهورية المصرية على أنه حارس البلاد والمصدر غير المعلن لشرعية النظام الجمهوري واستمراره، والمرجعية العليا لسياسات الدولة الرئيسة وتوجهاتها الكبرى. منذ 1967، وخروج المشير عبد الحكيم عامر من الصورة، أصبح الجيش أكثر مهنية واهتماماً بالحقل العسكري، وأقل تدخلاً في الشأن السياسي اليومي والعملي، ولكن موقع الجيش كمؤسسة في مركز الدولة الجمهورية لم يتغير كثيراً. تعززت رؤية الجيش لنفسه وموقعه بعد حرب تشرين الأول/اكتوبر 1973؛ وقد اتضح دور الجيش المرجعي ودوره عندما تعرض الرئيس مبارك للاغتيال، وكان الجيش هو الذي اتخذ قرار تولي نائب الرئيس حسني مبارك. وبينما حرص الجيش على الابتعاد عن الشأن السياسي التفصيلي، يحتل ضباط جيش سابقون مواقع بالغة الأهمية في الدوائر المدنية للدولة، بما في ذلك رئاسة مؤسسات متخصصة، مثل الطيران المدني والتعبئة والإحصاء والنقل العام، وغيرها، وقيادة عدد ملموس من المحافظات في الإدارة المحلية. وقد أخذ الجيش في توسيع نطاق دوره الإنتاجي في حقول صناعات متعددة، مثل قطاع الصناعات الغذائية، كما في حقلي السياحة والتجارة مع الخارج. هذه إذن مؤسسة عسكرية مترامية الأطراف، تحتفظ بوعي جمعي بالغ الخصوصية من جهة علاقتها بالدولة الجمهورية، وتمارس نشاطاً يفوق ويتجاوز حدود مهامها العسكرية والأمنية الاستراتيجية المفترضة. ولكن الاعتقاد بأن حالة الجيش المصري فريدة هو اعتقاد خاطئ بالتأكيد. فباختلافات متفاوتة، احتلت الجيوش منذ الخمسينات والستينات أدواراً مشابهة في العديد من دول أمريكا اللاتينية، بعض الدول الآسيوية، إسبانيا والبرتغال واليونان، كما في تركيا والجزائر. لم يكن التصاعد الكبير في دور الجيش في العالم الثالث انعكاساً لأزمة الدولة والحكم وحسب، ولكنه شكل أحد الأبعاد المنسية للحرب الباردة كذلك. وكانت الكتلة الأطلسية، لاسيما الولايات المتحدة، من لعب الدور الرئيس في تشجيع الجيوش على السيطرة على أنظمة الحكم، بما في ذلك الجيوش في العالم العربي والعديد من الدول الإسلامية. واكب دخول الولايات المتحدة الساحة الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية بداية الصراع بين الكتلتين الغربية والشيوعية، وتصاعد ما بات يعرف بالحرب الباردة. وكان أغلب المسؤولين الأمريكيين، الذين قادوا وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية واندفعوا ببلادهم إلى الساحة الدولية، أبناء أسر ليبرالية انكلو ـ ساكسونية، من خريجي جامعات الساحل الشرقي. آمن هؤلاء بنظرية التنمية باعتبارها الإجابة الليبرالية ـ الغربية على وعود العدالة والرفاه التي حملها التيار الاشتراكي المندفع، واعتقدوا أنها ستكون أداتهم الرئيسة في محاربة التوسع الشيوعي ـ السوفييتي في دول آسيا وافريقيا. ولأن الجيوش كانت المؤسسات الأكثر حداثة وانضباطاً وتعبيراً عن التماسك الوطني، والأقل فساداً وميلاً للتحول الإيديولوجي الراديكالي، نظرت دوائر الخارجية والاستخبارات الأمريكية إلى الجيوش باعتبارها المؤسسات المؤهلة لقيادة بلادها نحو تنمية اجتماعية واقتصادية، تحقق التقدم وتحارب الفقر، وتقف حاجزاً أمام التوسع الشيوعي. في عدد من البلدان، سرعان ما أخفقت التجربة كلية، عندما انفجرت التناقضات بين الضباط الوطنيين الحكام والمصالح الغربية، كما حدث مثلاً في مصر الناصرية. ولكن أنظمة الحكم العسكرية استطاعت على أية حال ترسيخ جذورها، وأصبح من الصعب في كثير من الحالات، حتى بعد أن تحقق بعض النجاح النسبي في برامج التنمية وتلاشى الخطر الشيوعي، تبني مسار تطور سياسي – ديمقراطي. وقد رافقت عملية التحول الديمقراطي في كثير من هذه الدول توترات بالغة في العلاقة بين أنظمة الحكم الجديدة والمؤسسة العسكرية، بما في ذلك وقوع ارتدادات انقلابية عسكرية لبعض الوقت. ويعتبر بعض من أنظمة الحكم في عدد من الدول العربية من آخر حالات الاستبداد ذي الجذور العسكرية في العالم، بدون أن يعني هذا بالضرورة أن الأنظمة الاستبدادية العربية ولدت جميعاً من جذور عسكرية. في هذه الدول، وفي مقدمتها مصر، لن تكون عملية التحول الديمقراطي يسيرة، وستتطلب وعياً ويقظة شعبية ونضالاً طويلاً، نسبياً.
لم يكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتوقع انفجار الأزمة في صورتها الحالية، ولا توقع تحول الأزمة إلى موجة ثورية ثانية. جزء من سياسات المماطلة التي تبناها المجلس خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي وصلت إلى حد التخلي الكامل عن جدول خارطة الطريق الزمني لانتقال السلطة، يعود إلى اعتقاد ما لدى قادة المجلس بأنهم قادرون على ترويض الحركة الشعبية، وأن تراجع الحراك الشعبي والانقسامات المتسعة في صفوف القوى السياسية ستوفر فرصة كافية لأن يفرض المجلس تصوره للدولة المصرية الجديدة. وليس ثمة شك في أن ما عرفت بوثيقة السلمي هي في الحقيقة وثيقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن كلاً من علي السلمي، نائب رئيس الوزراء المستقيل، ويحيى الجمل، الذي سبقه في المنصب والمسؤولية، وضع في الواجهة لتمرير تصور المجلس للدولة الجديدة، وأن هذا التصور يستبطن إقامة نظام حكم ديمقراطي، يحتفظ الجيش فيه بموقعه المركزي ودوره المرجعي، تماماً كما هو الحال في الجمهورية التركية في حقبة ما بعد انقلاب 1961. الآن، يقف المجلس الأعلى للقوات المسلحة أمام موجة شعبية واسعة النطاق، تسعى إلى إنجاز هدف واحد: تحقيق تحول كامل وقاطع نحو نظام تعددي ديمقراطي، عادل، وحر من السيطرة العسكرية، الصريحة أو المقنعة.
لم يختلف رد فعل المجلس على موجة الثورة الثانية عن ردود فعله على الاحتجاجات الشعبية السابقة، التى طالبت بمحاكمة رجال العهد السابق، أو رفع حالة الطوارئ وإلغاء المحاكم العسكرية. عقد المجلس لقاء حوار مع القوى السياسية يوم الثلاثاء 22 تشرين الثاني/نوفمبر، ليصدر المشير طنطاوي بعد اللقاء بياناً إلى الشعب المصري، يحدد لأول مرة موعداً لانتخابات رئاسة الجمهورية، ويؤكد على عقد الانتخابات البرلمانية في موعدها. تحديد موعد انتخابات الرئاسة في نهاية حزيران/يونيو المقبل يمثل تراجعاً كبيراً من المجلس أمام الحركة الشعبية. بخلاف ذلك، لم يتغير سلوك المجلس كثيراً. فلم يزل الغموض يحيط بوثيقة السلمي ومصيرها؛ كما أن المجلس تجاهل المحتجين في ميدان التحرير، بعد أن عجزت قوات الأمن عن إيقاع الهزيمة بهم، على الرغم من عشرات القتلى ومئات الجرحى؛ ثم جاء تكليف كمال الجنزوري برئاسة حكومة الإنقاذ الوطني في مواجهة رفض واستنكار قطاعات واسعة من الناشطين الشبان والقوى السياسية.
في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، بدأت الانتخابات البرلمانية لمجلس الشعب. وقد شهد اليوم الأول للانتخابات إقبالاً شعبياً غير مسبوق على صناديق الاقتراع. للوهلة الأولى، يبدو هذا التطور وكأنه يصب لصالح المجلس العسكري. ولكن الانتخابات تنذر بولادة برلمان قوي، بشرعية يصعب التشكيك فيه، ويمكن له بالتالي أن يبرز نداً صلباً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ومحاولاته التحكم بعملية وضع الدستور. هذا، إضافة إلى استمرار الاعتصام في ميدان التحرير. النتيجة، أن مأزق علاقة المجلس بالشعب لم يزل قائماً، وربما يتجه نحو مستوى أعلى من التعقيد. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث