برلين – من تيم براونه وأندريه شتال: أرادت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ألا يقف مستشاروها الاقتصاديون الذين يعرفون في ألمانيا بـ’الحكماء الخمسة’ بعيدا عن الكاميرات عند تسليمهم إياها تقريرهم السنوي عن حالة الاقتصاد الألماني وتوصياتهم للحكومة، لذلك قالت لهم ‘اقتربوا مني!’. غير أنها ما أن نطقت عبارات قليلة حتى نأت بنفسها عما تضمنه تقريرهم الذي جاء في 461 صفحة وذلك عندما رفضت بأدب، ولكن بحزم ‘خطة ب’ (البديلة) المفصلة التي قدمها هؤلاء لحل مشكلة الديون في منطقة اليورو. فقد رأت المستشارة أن إنشاء صندوق بالمشاركة بين دول منطقة اليورو تتعهد الدول من خلاله بسداد ديون بعضها البعض بحيث لا تزيد ديون اي من دول المنطقة عن 60′ من إجمالي الدخل القومي لها، بحسب اقتراح الحكماء الخمسة ‘غير ممكن بهذا الشكل بأي حال من الأحوال’. وربما كان ذلك ليس فقط لان التقرير تضمن كلمات تثير حساسية لدى الألمان مثل عبارة ‘احتياطيات الذهب’ بل أيضا لأن كبار خبراء الاقتصاد في ألمانيا أوضحوا بما لا يدع مجالا للشك أنهم يشكّون في جدوى الجهود التي تبذلها ميركل وشركاؤها في أوروبا لإنقاذ اليورو حيث رأى الحكماء أن هذه الجهود ستؤدي في أحسن أحوالها لكسب المزيد من الوقت فقط. وحمل التقرير السنوي عنوان ‘إدراك المسؤولية عن أوروبا’. ومن المؤكد ان ميركل ووزير ماليتها فولفغانغ شويبله غرقا في تفكير عميق عند قراءة موجز التقرير الاقتصادي للحكماء الخمسة والذي اوصوا فيه باعتماد ‘ميثاق تسديد الديون’ الذي يوفر – بواسطة احتياطيات العملة للدول المساهمة وبما تجنيه من الضرائب – ضمانا لمظلة إنقاذ اليورو وآلية لرفع قيمة هذه المظلة التي تسعى دول اليورو لتنفيذها، وذلك كبديل افضل من السندات الحكومية المشتركة التي يقترحها البعض لحل أزمة اليورو. ويعتمد اقتراح الحكماء بالدرجة الأولى على أن تحيل الدول جزءا من ديونها إلى صندوق تسديد الديون. ذلك الجزء هو ما يزيد عن نسبة 60′ من إجمالي الدخل القومي حسبما تنص اتفاقية ماستريخت التي حددت الحد الأقصى المسموح به من الديون. وفي الوقت ذاته دعا الحكماء لإلزام الدول المثقلة بالديون بآلية ملزمة لخفض ديونها.
وبالتطبيق العملي فإن ألمانيا المدينة بنحو اثنين تريليون يورو، أي ما يزيد عن 80′ من إجمالي ناتجها القومي، ستزيح نحو 500 مليار يورو من ديونها إلى هذا الصندوق. وساق الحكماء السبب وراء هذه المبادرة ألا وهو: مع استمرار بلبلة المستثمرين ستصل استراتيجية التوسيع المستمر لصندوق إنقاذ اليورو يوما ما إلى مداها ‘عندها من الممكن أن يحدث انهيار خارج عن السيطرة لاتحاد العملة الموحدة أو بيع غير محدود للسندات من خلال البنك المركزي الأوروبي بشكل مشوب للغاية من ناحية النظام السياسي’. حسبما حذر الخبراء. وأوضح أساتذة الاقتصاد الخمسة أن اقتراحهم ليس له علاقة بسندات اليورو المشتركة التي حازت مساحة كبيرة من النقاش في ألمانيا ثم رفضت من قبل الأطراف الفاعلة. كما انه ليس له صلة باقتراح الاستعانة باحتياطي النقد الاجنبي في دول اليورو لتعزيز مظلة إنقاذ اليورو المعروفة اختصارا بـ ‘إي.
اف.
اس.
اف’ موضحين أن هذا الاقتراح ‘طريق خاص بهم’. مع ذلك لم تجد تلك التوضيحات والصفحات العديدة التي تضمنها التقرير كثيرا، على الأقل في البداية، حيث أكدت المستشارة ميركل بعد أول قراءة لهذا التحليل أنها لاتوافق على اقتراحاته. غير أنه باستطاعة الحكماء الخمسة ألا يفقدوا الأمل بشكل كامل وذلك لأنه لا تلوح في الأفق نهاية لأزمة اليورو وللأعاصير التي تهب على أسواق المال، كما أن السنوات الماضية شهدت تنفيذ وسائل كانت تبدو خيالية في البداية.