لا يحلو لي أبدا أن أطرح ما يمليه علي ضميري في قضايا وأمور محبطة وواقعية لئلا أتهم أولا بأنني من مروجي وأنصار أصحاب ثقافة الهزيمة، ولأنني ثانيا غير معتاد على النبش في قضايا تجر وراءها تساؤلاتٍ وتساؤلات قد تفضي في نهاية المطاف إلى تيئيس المتلقي اليائس أصلا، بسبب الهموم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشتركة في الوطن العربي من محيطة الزاخر بمشاكل الهجرة والفقر والحروب بأشكالها، إلى خليجه ‘حارس’ البوابة العربية الهزيل من ‘الغول الفارسي’. لكن الشعب الفلسطيني الذي عايش تجربة الانتفاضة الأولى وما أعقبها من انتفاضات وهبات وعاش تبعات اوسلو، وما تمخض عنها من مصائب كبيرة، ما زال يعاني من آثارها وأوجاعها الكثيرة، وعايش تجارب صمود غزة، دون أن ينسلخ عن جواره الاقليمي وكذلك هبات الشعوب العربية التي لم يهدأ أوارها حتى الآن لخلافات طفت على السطح، وجذورها متأصلة في النفوس وكان لا مجال لظهورها لأن الهدف الاسمى للجماهير العربية كان سحب الكراسي من تحت أنظمة بالية وفاسدة، وحان الآن دور التجاذبات السياسية والتصفيات الحزبية. وفلسطين ليست في كوكب آخر فقد تأثرت وتحركت شوارعها وضجت بسبب الانقسام الحاد، لانه أصبح مرضا مزمنا عصيا على الشفاء والزوال، وعواقبه الوخيمة زلزلت أركان البيت الفلسطيني المهلهل أصلا تحت نير الاحتلال ومضايقاته.
الجدار العنصري البغيض ساهم في اضعاف الحالة الاقتصادية للأسرة الفلسطينية ومنع الكثير من الايدي العاملة من الوصول إلى الداخل للعمل، فتفاقمت البطالة واتسعت رقعة الفقر لدى الشريحة العظمى في المجتمع الفلسطيني. أما بالنسبة للابتزاز الاسرائيلي وحجز العائدات الضريبية، فقد ساهم أيضا في اضعاف الحالة الاقتصادية أيضا لدى شرائح كبيرة أخرى، فحل الفقر واصبح شغل الناس الشاغل البحث عن لقمة العيش وساهمت البطالة في انحراف الشباب عن متابعة السياسة وما يجري خلف الكواليس من انتكاسات ورضوخ من اجل استرداد ما فقدناه ماديا، فأصبحنا نبتز سياسيا ونتنازل عن طموحات وأماني وأحلام رسمناها من أجل أمور أخرى ضئيلة وصغيرة.
الاستيطان الاسرائيلي السرطاني لا يتوقف، والقتل اليومي الممنهج أيضا بسبب مقاومة الجدار مستمر، وقضية الأسرى لا زالت عالقة والتصفيات الجسدية في صفوفهم تزداد يوما عن يوم، والعرب منقسمون كعادتهم ما بين مؤيد ومعارض للثورات العربية، صحيح أن الضغط يولد الانفجار، والمعاناة تقود إلى الرفض والخروج على المألوف، لكن الظروف التي توفرت وسبقت الانتفاضة الأولى، ليست متوفرة حاليا ولا يمكن أن تعود، والسبب في ذلك أن لقمة العيش كانت متوفرة، فانعدم وجود طبقة تحت خط الفقر في ذلك الحين، والضفة لم تكن مجزأة إلى كانتونات كما هو الحال اليوم، والمستوطنون كانوا كالارانب في تنقلاتهم من مستعمرة ألى أخرى تحميمهم الدوريات المتنقلة مع كل سيارة تتحرك لهم، حينها كانت الظروف مهيأة جدا لانتفاضة عظيمة لإشعال مثل تلك الانتفاضة، فأنى ستنقشع كل سحب الانقسام وتتوفر لقمة العيش ويزال الجدار ويلغى مشروع دايتون الأمني، ليستطيع الشعب الفلسطيني في الضفة على الأقل، أن يعيد أمجاده، ويحمل على عاتقه من جديد تبعات الأمانة لتجديد المسارالمقاوم، ويشعل انتفاضة ثالثة تطيح بأحلام ليبرمان التوسعية والإقصائية ألى مزابل التاريخ!
لطفي خلف[email protected]