هل يمكن لاستمرار الاحتجاجات أن يؤدي إلى انهيار الحكومة العراقية؟

حجم الخط
0

“رئيس حكومة جاء عبر انتخابات ديمقراطية لا يعزل بواسطة المظاهرات”، هذا ما أعلنه رئيس الحكومة العراقية، عادل عبد المهدي، رداً على مطالبة آلاف المتظاهرين أن يستقيل، ومن ثم إجراء انتخابات جديدة. قبل نحو سنة، وبعد نقاشات مطولة، تم تعيين الحكومة الجديدة في العراق، وهي الآن تقف أمام أحد التحديات الصعبة التي ستؤدي إلى انهيارها، إذا لم تنجح في إرضاء المتظاهرين. وبعد أكثر من 100 قتيل ونحو 4 آلاف مصاب بسبب استخدام النار الحية والقناصة والقنابل المسيلة للدموع، أجرت الحكومة نقاشاً طارئاً، وضعوا في نهايته على الطاولة خطة اقتصادية تستهدف مساعدة الطبقات الأكثر ضعفاً.
من بين أمور أخرى، تعهدت الحكومة ببناء 100 ألف شقة رخيصة، وتخصيص قطع أراض للفقراء من أجل بناء بيوتهم عليها، ومنحهم قروضاً بدون فوائد، وأن تدفع للمتظاهرين العاطلين عن العمل 147 دولاراً شهرياً لمدة ثلاثة أشهر، وتنشئ مصانع توفر أماكن عمل، وتشكل محكمة عليا لمعالجة مظاهر الفساد. ولكن هذه القرارات قد لا تهدئ الجمهور الذي جرب الوعود التي أطلقت على الورق. هذا الجمهور يواصل الخروج إلى المظاهرات.
ليس جديداً أو مفاجئاً هذا التناقض الذي، بحسبه، لا تنجح دول أغنى بالنفط في دفع رواتب مناسبة أو إنشاء شبكة كهرباء ناجعة بعد 16 سنة على سقوط نظام صدام حسين. والتقدير هو أن أكثر من الـ 450 مليار دولار التي يجب أن تصل إلى خزينة الدولة منذ عام 2003 اختفت في جيوب المقربين والمقاولين والشركات التي لم تنفذ المشاريع الحكومية، وضباط جيش أبلغوا في تقاريرهم عن جنود غير موجودين من أجل جرف رواتبهم إلى جيوبهم. البيروقراطية الشديدة التي حولت الحكومة إلى المشغل الأكبر مليئة بالفساد العميق في جميع أقسامها. ويدار الجهاز القضائي جيداً بأموال الرشوة، وأقيمت وكالات حكومية من أجل متابعة نفقات الدولة هي نفسها فاسدة.
توقعات البنك الدولي الاقتصادية تشير إلى نمو نسبة أكثر من 8 في المئة في السنة المقبلة إلى جانب هبوط في نسبة الفقر إلى أقل من 22 في المئة. العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران تساعد العراق على زيادة كمية النفط التي يصدرها. فتح المعبر الحدودي مع سوريا، والمعبر الحدودي البري مع السعودية يمكن أن يعطيا دفعة أخرى للتصدير العراقي. في المقابل، العراق غارق في دين عام ضخم يمثل أكثر من 48 في المئة من الناتج القومي الإجمالي، ونحو نصف سكان الدولة يشاركون في سوق العمل.
وبالرغم من التوقعات والتقارير الإيجابية، لا يمكن أن تشتري من المجمعات التجارية الجديدة التي افتُتحت في المدن الكبرى في الدولة. ومثلما الوضع في مصر التي تحظى هي أيضاً بتقديرات متفائلة من جانب مؤسسات التمويل الدولية، فالأموال الكبيرة لا تصل إلى الجمهور غير المستعد لإبداء مزيد من الصبر، ونتيجة لذلك ينتقل الاحتجاج الاقتصادي إلى عصيان سياسي. ولكن خلافاً لاحتجاجات جماهيرية سابقة كان المكون الطائفي هو العنصر المحرك الأساسي، مثل احتجاج السنّة ضد نظام رئيس الحكومة نوري المالكي، الذي تميز بتمييز منهجي ضدهم… يظهر هذه المرة أن الاحتجاج يمثل يأس الجمهور الشيعي من الحكومة التي معظمها من الشيعة. عدد من المواطنين السنّة يشاركون في المظاهرات، ولكن ليس بقوة طائفية، بل كمن لا يستطيعون أن يجدوا أماكن عمل ويعيدوا عائلاتهم. صوت الأكراد لا يسمع في هذه المظاهرات رغم حقيقة أن رئيس الدولة كردي، وتتركز مظاهراتهم في إقليم الحكم الذاتي الكردي وضد القيادة الكردية، وكأن المنطقة نفسها ليست جزءاً من العراق.
سياسة الاحتجاج الحالية موجهة نحو هدفين أساسيين: الأول هو النظام الفاسد الذي هو على المستوى الأساسي غير قادر على القيام بدوره كمزود للخدمات، مثل الكهرباء والماء والصحة والتعليم. الثاني هو الاعتماد المتزايد على إيران التي تلقت مؤخراً الشتائم والسباب في الشبكات الاجتماعية باعتبارها تقف خلف قتل المتظاهرين وتدفن العراق اقتصادياً. صحيح أن الحديث لا يدور عن ادعاء جديد، ففي تموز 2018 جرت مظاهرات عنيفة في مدينة البصرة وفي حي مدينة الصدر في بغداد، أحرق فيها المتظاهرون الأعلام الإيرانية وصور خامنئي وأحرقوا مبنى قيادة قوة بدر الشيعية المرتبطة بإيران، وطلبوا من الحكومة أن تنفصل عن شبكات الكهرباء والماء الإيرانية التي توفر الاستهلاك للعراق.
قرار إيران قبل اندلاع المظاهرات في البصرة بقطع الكهرباء بسبب الديون غير المسددة، وتحديداً في الصيف الحار، حوّل إيران إلى “دولة معادية” في نظر عدد كبير من المتظاهرين. لكن العراق لا يمكنه التحرر الآن من الاعتماد على إيران. حجم التجارة بين الدولتين بمبلغ 12 مليار دولار، والكهرباء والمياه والوقود التي يشتريها من إيران ليس لها بديل الآن. صحيح أن السعودية وعدت بمساعدة العراق على تطوير شبكة الكهرباء وبيعها الكهرباء السعودية، لكن إلى أن يتم إنشاء شبكة جديدة سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً.
بالنسبة إلى إيران، فإن اعتماد العراق على مواردها يعد سيفاً ذا حدين: من جهة، يعطيها تأثيراً كبيراً على العمليات السياسية، وفي المقابل تعتبر المسؤولة عن الضائقة التي تلم بمواطني العراق، وليس على الصعيد الاقتصادي فحسب. عندما تهاجم إسرائيل (حسب مصادر أجنبية) في العراق أهدافاً للمليشيات الشيعية، يشعر الجمهور بالتهديد. وعندما تتغذى هذه المليشيات على ميزانية الدولة فإن الجمهور يحتج على أن أمواله تذهب إلى تمويل قوات أجنبية غير ضرورية للعراق رغم مشاركتها الفعالة والمهمة في الحرب ضد داعش.
يمكن للهوية الدينية المشتركة لمعظم سكان العراق وإيران أن تخلق تعاوناً استراتيجياً بين الدولتين. ولكن عدداً كبيراً من الأحزاب الشيعية التي تشكل البرلمان لا تتبنى طريقة الحكم الإيرانية أو السياسة الإيرانية. مقتدى الصدر، وهو أحد زعماء الشيعة المهمين، الذي حظي التيار الذي يترأسه الصدر بأغلبية في الانتخابات، تنافس في الانتخابات مع حركات علمانية وشيوعية. إضافة إلى ذلك، هو يعارض التدخل الإيراني في العراق، ومثله أيضاً آية الله الأعلى في العراق، علي السيستاني، ذو النفوذ السياسي الكبير. قرار العراق تطبيق العقوبات الأمريكية على إيران، رغم أنه يعارضها، يدل على الفجوة بين الواقع وموقف الغرب الذي يرى في كل كيان شيعي فرعاً لإيران.
في الأيام القريبة، سيتبين إذا ما كان المتظاهرون مستعدين لقبول خطة الحكومة كعملية إيجابية يمكنها أن تمنحهم فترة تجريبية، أو أن مواجهات الشارع ستستمر. وإلى جانب عدم الثقة بقرارات الحكومة، يدرك الجمهور أن انتخابات جديدة وإسقاط رئيس الحكومة لن يضمنا تغييراً حقيقياً، وتحديداً في الفترة القريبة. في الوقت نفسه، هو يريد أن يجبي ثمناً سياسياً من المسؤول عن موت 100 إنسان.

بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 7/10/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية