مسألتان تتصدران مباحثات الاطراف المعنية بإنجاح جنيف 2: مقاومة الإرهاب، ووقف اطلاق النار قبل مباشرة المؤتمر اعماله. مَن سيتولى هاتين المهمتين؟ مسؤولون ايرانيون سرّبوا لوسائل إعلام عربية وغربية ‘ان العنصـر الاهم (في التفاهمات الإيرانية الامريكية) كان الاتفاق على إشراك ايران في مكافحة الإرهاب في سورية والعراق ولبنان وافغانستان.
مكافحة الإرهاب ليس هاجس امريكا وحدها، بل اضحى هاجس دول الغرب ايضاً. فقد اعلن نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في مقابلة مع صحيفة ‘فايننشال تايمز’ البريطانية، ان ممثلين لبعض دول الغرب اتصلوا بحكومة بلاده في شأن التعاون في مشكلة مكافحة ‘الجهاديين’.
ما شكل التعاون بين سورية ودول الغرب؟ المقداد أوضح ان ممثلي تلك الدول ‘اجروا اتصالات مع دمشق سعياً وراء التعاون في مجال تقاسم المعلومات الاستخبارية لمكافحة الجهاديين’.
ليس صعباً معرفة ‘الجهاديين’ الذين تعتبرهم دول الغرب وايران وسورية إرهابيين. انهم قيادات وأعضاء التنظيمات الموالية لقيادة ‘القاعدة’ المركزية (ايمن الظواهري) وسائر التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تنسج على منوالها، ولاسيما لجهة تكفير كل من لا يرى رأيها المتزمت او يعارضها.
هذه المواقف، المعلنة والمسرّبة، تشير الى ان مقاومة الإرهاب هو شعار المرحلة، شرقاً وغرباً، وانه الاولوية المعلنة او المضمرة لدى اللاعبين الكبار والصغار المتضررين، بأشكال ومقادير متفاوتة، من ممارسات تنظيمات ‘الإسلام القاعدي’ في الملاعب المحلية عموماً والملعبين السوري والعراقي خصوصاً. الى ذلك، وفي آخر يومين من زيارته طهران اعلن وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف دعوةً مشتركة لوقف اطلاق النار قبل انطلاق مؤتمر جنيف 2 في 22 كانون الثاني/ يناير المقبل، مع ظهور بوادر لتعاونٍ بين طهران وانقرة لحل سياسي في سورية. الحافز الى الدعوة ان التنظيمات التي يعتبرها اللاعبون الكبار، كما معظم اللاعبين الصغار، إرهابية لم تكتفِ بالإعلان عن رفضها للمؤتمر، بل شفعت ذلك بالتأكيد على الاستمرار في القتال (وثمة من يسميّه الإرهاب) ربما بقصد إجهاضه. فماذا يفعل الكبار والصغار الذين يهمهم انعقاد المؤتمر؟ هل يتحالفون سياسياً وميدانياً ضد التنظيمات ‘الإرهابية’ لدحرها بغية ضمان وجود مناخ سلمي اثناء انعقاد المؤتمر؟ ام انهم يتركون الحرب مستعرة كونهم لا يعتبرون وقفها شرطاً لانعقاد المؤتمر؟ وفي هذه الحال، هل من جدوى تبقى لانعقاد المؤتمر طالما ان تنظيماتٍ ‘ارهابية’ ناشطة ميدانياً سيكون في وسعها تعطيل تنفيذ قراراته، اياً يكون مضمون القرارات والنتائج؟
ثم لنفترض ان الكبار (والصغار في معظمهم) توصلوا الى اقتناع بأن بقاء الرئيس بشار الاسد مفيد، وربما شرط، لإنجاح حملة مقاومة الإرهاب، فهل سيقوم الكبار خصوصاً الولايات المتحدة، بالضغط على تنظيمات المعارضة السورية التي ترفع شعار تنحية الاسد وعدم إشراكه في الحكومة الانتقالية للتخلي عن شرط التنحي بغية انجاح المؤتمر ومقاومة الإرهاب معاً؟
تقارب طهران وتركيا بشأن المسألة السورية، ولاسيما لجهة التعاون على وقف اطلاق النار، دَفَع الرياض الى التحوّط بتسريب تصوّر مضاد لمواجهة مسألتيّ مقاومة الإرهاب ووقف اطلاق النار قبل انعقاد المؤتمر. الخطوط العريضة للتصور السعودي سرّبته اوساط ‘الإئتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية’ الموالي للرياض على النحو الآتي:
اولاً، الانطلاق من بيان مؤتمر جنيف 1 الداعي الى تشكيل هيئة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، على ألاّ يكون للرئيس الأسد سلطة عليها او دور فيها.
ثانياً، تقوم الهيئة او الحكومة الانتقالية بإعادة هيكلة الجيش السوري لدمج ‘الجيش الحر’ فيه.
ثالثاً، تقوم راعيتا مؤتمر جنيف 2، الولايات المتحدة وروسيا، بالتعاون مع دول غربية واقليمية مؤيدة بدعم ‘الجيش السوري الموحد’ الناجم عن دمج الجيشين بالقضاء على تنظيمات ‘الإسلام القاعدي’، ولاسيما تنظيميّ ‘الدولة الإسلامية في العراق والشام’ (داعش) و’النصرة’.
دمشق ترفض هذا المخطط السعودي الذي يحظى جزئياً بتأييد واشنطن، وتؤكد أنها ذاهبة الى مؤتمر جنيف 2 من اجل التفاهم على حل سياسي مع قوى المعارضة التي تهمها وحدة سورية واعادة بنائها سياسياً واصلاحياً وانمائياً، وانها ليست في وارد تسليم السلطة لأحد، وان مسألة تنحي الاسد اصبحت وراءها، وانها تلقى تأييداً صريحاً من موسكو في هذا السبيل.
اكثر من ذلك، تتصرف دمشق على اساس ان لديها خطتها الخاصة لمعالجة مسألتيّ مقاومة الإرهاب ووقف اطلاق النار قبل انعقاد المؤتمر. خطتها تتلخص، على ما يبدو، بتفعيل الحل العسكري على نحوٍ يؤدي الى تحرير منطقة دمشق العاصمة، بغوطتيها الغربية والشرقية، ومنطقة الوسط (محافظة حمص) ومنطقة حوران المحاذية للحدود مع الاردن (محافظة درعا) وما يتيسر من محافظة الرقة، قبل حلول موعد مؤتمر جنيف 2. بذلك يستقيم لها الإعلان بأن القوات السورية المسلحة تسيطر على اكثر من 80 في المئة من اراضي البلاد.
في هذه الأثناء، ستحرص دمشق، ربما بمساعدة من موسكو، على اجراء محادثات سرية مع فصائل المعارضة التي توافق على ‘سورنة’ النزاع، اي على اعتباره مشكلة سورية بالدرجة الاولى وان الحل، او التسوية، يجب ان يكون سورياً. ذلك يعني ان اهل النظام وقادة الفصائل المعارضة المنخرطة في المحادثات السرية سيكونون مستعدين للتوافق على اسس التسوية التاريخية المرتقبة من جهة، ومن جهة اخرى على معايير تقاسم السلطة بعد الانتخابات النيابية والرئاسية التي ستعقب التسوية.
ثمة مؤشرات الى ان دمشق جادة في تنفيذ خطتها المنوّه بها. فقد وسّع الجيش السوري دائرة هجومه في منطقة القلمون غرب دمشق، فسيطر اخيراً على بلدة دير عطية محرراً بذلك الطريق الإستراتيجية بين دمشق وحمص، كما سيطر على بلدة النبك المجاورة، وشدّد ضغوطه على بلدة يبرود. وبالسيطرة على يبرود، يصبح بإمكان الجيش النظامي احكام اغلاق حدود سورية مع لبنان ومنع نقل الرجال والسلاح والعتاد الى فصائل المعارضة المسلحة في وسط البلاد وشمالها الغربي. واذا ما تمكّن الجيش السوري من السيطرة لاحقاً على مواقع المعارضة المسلحة في محافظة درعا الجنوبية، فسيكون في وسعه اغلاق الحدود بين سورية والاردن ومنع نقل الرجال والسلاح عبرها الى الداخل. قوى المعارضة المسلحة، ولاسيما الفصائل التي اعلنت اندماجها في ‘الجبهة الإسلامية’ المستقلة عن تنظيميّ ‘داعش’ و’النصرة’، ادركت الأبعاد الإستراتيجية لخطة دمشق الجاري تنفيذها ميدانياً، فأخذت تبذل جهوداً دفاعية اضافية في ثلاثة محاور: القلمون، وجنوب الغوطة الشرقية المتصلة بمواقعها في محافظة درعا، ودمشق التي تتعرض يومياً الى قذائف الهاون والسيارات المفخخة المتفجرة في أمكنة شديدة الازدحام.
غير ان ذلك كله لا يقلل من آثار تطورٍ جديد لافت هو التقارب الحثيث بين انقرة وطهران، واتفاقهما على ضرورة وقف اطلاق النار في سورية قبل انعقاد مؤتمر جنيف 2، كما اتفاقهما ايضاً على التعاون لإيجاد حل سياسي للمسألة السورية.
كيف ستكون ردة فعل الرياض؟
‘ كاتب لبناني