هل ينجح أوباما في تأخير نهاية الإمبراطورية الأمريكية؟
25 - September - 2013
حجم الخط
0
لقد بدأت السياسة الأمريكية تتغير ـ مجبرة ـ بعد الهزائم في كل من العراق وأفغانستان، وما تسببت به تلك الهــــزائم من خسائر بشرية لأمريكا وأهل المنطقة، علاوة على الخسائر المادية الباهظة لكل المشاركين في تلك الحروب، وهذا التغير لم يبدأه أوباما، بل بدأ منذ نهاية حكم بوش الإبن وما جرته الهزائم ـ التي ذكرت ـ على صعيد توجهات جديدة في التعامل مع القضايا الدولية عسكرياً، خاصة تلك التي لا تهدد المصالح المباشرة لأمريكا وأمن إسرائيل ومستقبلها. إن ما تقوم به الإدارة الأمريكية، التي تقترب من حافة النهاية، بقيادة شخصية مناسبة (أوباما)، لهي محاولة تسابق العواصف الشديدة التي تجتاح كل العالم، في محاولة لقطع الطريق أمام نهاية مبكرة لعصر الإمبراطورية الأمريكية، كدولة مهيمنة على العالم. لقد إنطلق أوباما منذ حملته الإنتخــــابية وحتى اللحظة، مركزاً على الشأن الداخلي الأمريكي، من إصلاحات إقتصادية ورعاية صحــــية وتوجهات أكثر عدالة حيال رؤوس الأموال الضخمة، مقابل تراجع واضح على صعيد السياسة الخارجية، والتي برزت في أكثر من ملف، لعل أبرزها الملف السوري. لقد إستمر النهج العام لإدارة أوباما ووفقاً لوضعها، بالتركيز داخلياً وإدارة الظهر للخارج ( في حالة لا تتهدد مصالحها للخطر المباشر). لقد فوجئ الكثيرون بعدم إنتهاء الأزمة السورية، ورسوها على أي بر مهما كان هشاً، ومع ذلك بقيت تلك الإدارة مرتاحة البال حتى وصول الأزمة السورية لتعقيدات ‘غير عادية’، جعلت الإدارة الأمريكية تصول وتجول دون قدرة على حل. وشهد العالم التردد الواضح والإرتباك في الموقف الأمريكي في الأزمة بعد إستخدام الكيماوي السوري. أما حيال إيران فلن يختلف الموقف كثيراً، بل هناك الوضع أصعب : إيران لم تستخدم سلاحاً محظوراً، كما أنها لم تصل لمرحلة إنتاج سلاح نووي، فضلاً عن قوة إيران في مختلف المجالات، مقارنة مع سورية. ومن هذه الميزات الإيرانية، ستشكل منها أمريكا مظلة جديدة، تقيها وابل الإنتقادات، خصوصاً الإسرائيلية. والسؤال هل ستبقى أمريكا الأوباموية، تسير على هذه الخطى ؟ وهل سينجح أوباما بنهاية المطاف في تأخير نهاية الإمبراطورية الأمريكية بسياسته المتبعة؟ رغم الصراعات في بقاع كثيرة، إلا أن أمريكا ستبقى تهتم بوضعها الداخلي، وتتلمس بقايا النور المنبعث من أفول نجمها، حتى تستطيع الوقوف ثانية، على أمل إبقاء عصر الإمبراطورية المتعثر، وإلا إن تهورت ـ كما يحاول البعض توريطها ـ فستكون نهاية دولة كانت العظمى. أما إمكانية نجاح أوباما الذي يجد تأييداً أمريكياً مقبولاً، في هذا النهج ‘ التصحيحي ‘ فهو يعتمد على عوامل داخلية وخارجية. ففي الداخل الأمريكي ستقف بلا شك الشرائح الفقيرة ومتوسطة الحال (بإستثناء الطبقة البرجوازية العليا)، إلى جانب ‘حلمه الأمريكي’ وستسر تلك الشرائح الشعبية بخطواته في مجال فرض ضرائب إضافية على ذوي الدخل المرتفع، وستقف معه ضد التساهل في إمتلاك السلاح، وبرامج صحية ومشاريع داعمة للشيخوخة الكريمة، وستطول القائمة (من خلال إجتهاد تلك الإدارة في محاولة تحقيق بعض العدالة، في النظام الرأسمالي الذي يسود الغرب الأمريكي). إن مواصلة إحتفاظ أمريكا بهرم القيادة العالمية، صعب في ظل تصاعد القوى الإقتصادية العالمية في الصين والهند وروسيا ودول أخرى، تشكل بعض الدول منفردة أو متحدة، تحدياً جدياً لأمريكا، صحيح أن قوة بعض تلك الدول العسكرية أضعف من قوة أمريكا، إلا أن إنهيار الدولة الإقتصادية سيعقبه آجلاً أم عاجلاً إنهيارها عسكرياً (الإتحاد السوفياتي مثالاً)، وخاصة إذا ترافق مع ذلك الإنهيار تشظٍ في منظومة القيم لدى تلك الأمة، من بينها عدم قدرة تلك الدول على إقناع أبناءها في المشاركة بحروب وتدخلات عسكرية خارجية (وبرزت تلك في المظاهرات بعد خسائر أمريكا في فيتنام، وبرزت بشكل أقل بعد غزو العراق، ثم الأغلبية التي ترفض التدخل في سوريا رغم إستخدام الكيماوي)، فدول الإستعمار قامت أساساً على تقبل أفراد شعبها لفكر قيادتها، من خلال موافقتها على خطوات الحرب وإعتبار الحرب عملاً مقدساً لا نقاش فيه مع القيادة. ولكن كلما زاد الأغنياء غنى والفقراء فقراً، كلما إبتعدت المسافات بين أفراد الشعب، ويصبح عندها ملايين البشر المكونة لدولة رأسمالية مستعمرة، كأنهم يعيشون في دول منفصلة، الروابط فيما بينهم تضعف شيئاً فشيئاً، وخصوصاً عند التدخل في مشكلات بعيدة خارجية، والذي بنتيجته يضعف الدولة المعتدية عند التدخل المباشر في حروب غير مقنعة لمواطنيها. إن أكبر عملاق لا يكون هكذا دون السير على ساقي التقدم الإقتصادي ومنظومة القيم والأخلاق، فإن أصيب أحداهما بخلل أصبح قزماً. ودول اليوم، وخاصة أن تكون الدولة عظمى، أصبحت تحتاج لتلك الشروط أكثر من السابق، في زمن الثورة العلمية وثورة الإتصالات ومواقع التواصل الإجتماعي بإيجابياتها وسلبياتها. إن النظام الرأسمالي كله وعلى رأسه أمريكا، يشهد تخبطات متسارعة وسيشهد تراجعاً وتهاوياً في فكره ومن يتبنونه من شعوبهم التي تشعر ليل نهار بالقهر والظلم. إن أوباما سيبقى يقنع الأمريكيين بأنهم لا زالوا أمة عظيمة بأقوى دولة في الحلم الأمريكي، وخارجياً سيبقى العالم يجامل أمريكا بأنها ما زالت دولة عظمى، ولكنها ليست الأقوى. عبدالله أبو مازن