صلاح سليماننادي المصريون أثناء الثورة المصرية وبعدها بالعدالة الاجتماعية، ورفعوا شعارات ‘عيش، حرية،عدالة اجتماعية’، فقد تسبب نظام حسني مبارك في خلخلة الأساس الاجتماعي في الدولة بشكل عير مسبوق، وسمح لحفنة من الأغنياء ورجال الأعمال المحسوبين على النظام من إحكام قبضتهم على خيرات البلاد واستغلالها أسوأ استغلال، وترك ذلك اثره الواضح على الطبقات الاجتماعية في البلاد فازداد ثراء الأغنياء،وفقر الفقراء بشكل لم تعرفه مصر من قبل.لكن ثمة نوع آخر من العدالة المفقودة التي تم إهدارها والجور عليها،هو ما يمكن تسميته مجازاً بعدالة الإبداع،فقد تفتت وانهارت هي الأخرى بالكامل، وتم حجب الطاقات الإبداعية والكفاءات المصرية المتميزة من الوصول إلى العمل في مؤسسات الدولة الراقية التي طالها الفساد ونخر فيها، وتحولت مع مرور الوقت تحت رعاية النظام السابق إلى عزب خاصة، وإقطاعيات عائلية، يتحكم فيها القائمون على إداراتها من مدراء ورؤساء وغيرهم.لم ينتبه احد منهم على الإطلاق في ظل استشراء هذا الفساد وانعدام الضمير إلى البحث عن الكفاءات أو المبدعين الذين يمكنهم أن يمسكوا بزمام الأمور ويقودوا البلاد إلى حيث المكانة التي تستحقها، لكن الضمير الميت والاسترخاء في أحضان الفساد مكن الأقارب، والأصهار، وأنصاف الموهوبين بفضل الواسطة والمحسوبية والدفع ‘الكاش’ من الوصول الى المناصب القيادية والحساسة، أما الأذكياء والموهوبين من المصريين من أولاد الفقراء، فقد سدت في وجوههم كل الطرق والمنافذ ولم يترك لهم من سبيل إلا الموت كمدا، أو ركوب قوارب الموت للعبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط إلى حيث الهجرة إلى المجهول. في ظل هذا الدفع بأنصاف الموهوبين والمتعلمين ومنعدمي الكفاءة، أصبح الأمر دراميا، وانحدرت البلاد بشكل سريع في هوة التخلف،وساد نوع جديد من الثقافة الهشة، الضحلة، التي نراها اليوم في الكثير من معتركات الحياة المصرية اليومية، وأصبح الناس يعانون من ضحالة هؤلاء وجهلهم في مواقع عملهم. لم يترك هذا الانحدار مؤسسة واحدة إلا واستشرى فيها،وباتت مؤسسات صحفية عريقة ومحطات إعلامية بارزة محسوبة على الدولة أو غيرها لا تستطيع القيام بدورها التنويري في المجتمع، وأصبح المستوى ‘بائس، ومنحط، وهابط ‘ووصل هذا المستوى الى كل المؤسسات الأخرى حتى المؤسسة الدينية لم تكن بعيدة هي الأخرى عن هذا المستوى وأصبح تعيين بعض الموظفين في الوظائف مثل المعاهد الدينية مثلا يلزمه دفع رشاوى.هذا الغياب في الكفاءات وسوء العدالة الإبداعية اصبح يشكل خطرا حقيقيا على امن البلاد القومي،فهذا كان واضحا بعد قيام الثورة إذ لم ينهض احد على الإطلاق للبحث في أي من المؤسسات القائمة عن كيفية النهوض بمصر، لأن الكثير ممن هم على الساحة الفاعلة الآن، لم يكونوا بعيدين عن درجات الفساد في الوصول إلى المناصب، فعندما انهار جهاز الشرطة رغم تمتعه بميزانية ضخمة، وإمكانيات هائلة،لم يستطع النهوض وظل الأمن مفقودا حتى الآن.تدور كذلك معارك شرسة الآن بين الكثير من أجهزة الدولة وبين الرئاسة، ليس ذلك بسبب الصراع على خدمة المصريين،أو البحث عن حقوقهم المسلوبة، أو للتنافس على خطط من أجل تعمير البلاد، إنما هو صراع أعمى هدفه الحفاظ على الامتيازات، وبقاء الإقطاعيات، والعزب الخاصة قائمة وفعالة كما كان الحال قبل الثورة. كان على الرئيس مرسي أن يجري تطهيرا عميقا ومتواصلا في مؤسسات الدولة العميقة وهذا هو حق الشعب عليه وهذا هو حق الثورة أيضا.كان عليه الإطاحة بكل الرموز التي فسدت وأفسدت في عهد النظام السابق، لكنه لم يفعل ونحن نتساءل ـ أين هي الملفات؟ ولماذا لم يتم فتحها إلى الآن؟ وأين هي التحقيقات؟ وهل انتهت الثورة بحبس حسني مبارك وحده؟ لابد أن تكون هناك محاكمات مستمرة ومتواصلة لكل من افسد في حق هذا البلد، لكن الرئيس مرسي خيب الآمال. انظر إلى خطابه الأخير في مناسبة بدء العمل بالدستور الجديد، أقل ما يمكن وصفه به،هو أن كاتب هذا الخطاب هو نفسه الذي كان يكتب خطابات مبارك، أستخدم الرئيس مرسي نفس العبارات التي تحلق بنا في عالم من عوالم الغيب والأحلام، أبتعد عن الواقع، لم يحدد الخطط،ولم يفجر خبايا وأسرار الدولة العميقة،ابتعد عن الحديث عن الفساد، وتجنب الحديث عن الصراعات، ولم يتطرق الى هيكلة المؤسسات، ونسي مطالب الشعب وحقوقه، لكنه لم ينس تجديد القسم مرة أخرى أمام الشعب، فلعل الشعب يهدأ والرئيس يستريح، لكن قادم الأيام سيكشف المزيد عن مستقبل هذه البلاد.’ كاتب مصري