بغداد-“القدس العربي”: تسعى الحكومة العراقية للترويج إلى انتهاجها سياسة النأي بالنفس والابتعاد عن الصراعات الإقليمية وخاصة الصراع الأمريكي الإيراني، في محاولة منها لتجنب أضرار الصراع عليها، فيما يشكك المطلعون بامكانية العراق إقناع أحد بقدرته على المضي في هذا النهج بسبب ارتباطات قواه السياسية الخارجية وشدة زخم الضغوط التي يرزح تحتها.
وخلال هذا الأسبوع شدد الرئيس العراقي برهم صالح على أن “بلاده عملت على ألا تكون جزءاً من سياسة المحاور في المنطقة، وإن العراق مطلوب منه الآن أن يلعب دوراً في لم شمل المنطقة” مؤكداً سعي حكومته “للنأي بالبلد عن الصراعات والتنازعات العبثية التي عمت هذه المنطقة” بل دعا إلى “أن يكون العراق محورا وساحة توافق للمصالح بين الدول وشعوب هذه المنطقة، وتكون مبنية ومستندة إلى خلق ترابط اقتصادي بين شعوب المنطقة”.
وانسجاما مع سياسة الانفتاح نحو دول المنطقة والعالم كشف رئيس الحكومة عادل عبد المهدي أن حكومته تنتظر سلسلة من زيارات قادة الدول المهمة إلى العراق، وكذلك زيارات المسؤولين العراقيين إلى الخارج، معتبرا ذلك “دليلا على أن العراق أصبح محوراً مهما وله مكانته ودوره الإقليمي والدولي!”.
وفي اجتماع رؤساء البرلمانات العربية دعا رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، إلى ضرورة “توحيد المواقف والرؤى في المحافل الدولية إزاء القضايا العربية ذات الاهتمام المشترك، فضلا عن تنسيق الجهود في مجال مكافحة الإرهاب والحد من الفكر المتطرف وتعزيز التعاون المشترك في المجال الاقتصادي” إضافة إلى المساهمة العربية في إعادة الإعمار والاستثمار في العراق.
ويرى المطلعون على خفايا المشهد العراقي أن تكرار إعلان الحكومة العراقية مؤخرا وخاصة بعد بدء سريان العقوبات الأمريكية على إيران انها ترفض الدخول في محاور، لا يبدو مقنعا لأحد بسبب الارتباطات الوثيقة التي لا تخفى على الجميع، بين القوى الفاعلة في العراق (وخاصة الشيعية والكردية) مع إيران. وسط تساؤلات فيما إذا كانت إيران أو الولايات المتحدة يمكن أن تسمحا للعراق بالوقوف على الحياد في الصراع بينهما.
ويذكر أن حكومة عبد المهدي أعلنت عن قرب قيام الرئيس الإيراني حسن روحاني والتركي رجب اردوغان بزيارة إلى العاصمة العراقية لبحث تطوير العلاقات وزيادة حجم التجارة الإيرانية والتركية إلى العراق وتوسيع الاستثمار وخاصة في إعادة بناء المدن المدمرة وتأهيل البنية التحتية في الكهرباء والطرق.
وفي هذا الصدد، أعلن السفير التركي لدى بغداد فاتح يلدز ان زيارة اردوغان إلى العراق ستكون بعد الانتخابات التركية المحلية المقررة هذا الشهر. مشددا على أهمية تقوية العلاقات بين العرب من جهة وتركيا وإيران من جهة أخرى، ورأى أن “اتفاق هذه الدول الثلاث، العراق وتركيا وإيران، سيمنع أي تدخل آخر في المنطقة”. وتسعى تركيا إلى زيادة صادراتها إلى العراق لتتجاوز 10 مليارات دولار الحالية.
وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي صادق مجلس الوزراء العراقي على مذكرة تفاهم لتجهيز الأردن بالنفط الخام بأسعار تفضيلية وتقديم تسهيلات للصادرات الأردنية للعراق، الأمر الذي أثار رفض القوى الشيعية التي تفضل أن يركز العراق علاقاته التجارية مع حليفتهم إيران وليس مع الأردن الذي كانت له علاقة مميزة مع النظام السابق كما يؤوي مطلوبين وبعض أفراد عائلة صدام حسين.
ولأن تبادل الزيارات بين المسؤولين العراقيين والعرب والأجانب ليس كافيا وحده لتحقيق مصلحة العراق، بل المهم هو النتائج التي تتحقق من وراء الزيارات، لذا تصاعدت الدعوات لتحقيق الاستفادة المطلوبة للعراق منها، حيث طالب النائب عن تحالف البناء منصور البعيجي المفاوض العراقي بأن يكون قويا بطرح الأوراق والملفات العراقية المهمة، مع رؤساء الدول ورؤساء الوزراء الذين يتوافدون، بزيارات مكوكية إلى العراق خلال الفترة الحالية بعيدا عن المحاباة أو الاتسام بطابع الخجل الذي دائما نشهده، من قبل المفاوض العراقي في كافة المحافل الدولية. وذكر في بيان أن جدول الزيارات إلى البلد مزدحم بزيارات ملوك ورؤساء الدول المتعاقبة على العراق وهذه الزيارات بعضها ستراتيجية والأخرى من أجل استثمارات لتلك الدول في العراق كون البلد بيئة خصبه لهذه الاستثمارات ويجب على المفاوض العراقي ان يستثمرها لصالح البلد وليس العكس من أجل مصالح خاصة.
وتدرك الحكومة العراقية جيدا أن وقوع المواجهة الأمريكية الإيرانية غير مستبعد، وأن آثارها لن تكون بين الطرفين فقط بل سيكون لها تداعيات على الساحة العراقية المفعمة بالخلافات العقائدية والقومية والصراع على السلطة بين القوى السياسية، لذا تحاول تصوير نفسها بالحيادية وتنفتح في علاقاتها على الجميع.
ورغم محاولات الحكومة العراقية تكرار إعلان موقفها بعدم التورط في النزاعات الدولية أو الانحياز إلى أحد أطراف الصراع بهدف تجنب الآثار السلبية المترتبة عليه، فان الحكومة العراقية، وفقا لمعطيات الواقع، ستجد نفسها بالضرورة مضطرة للوقوف مع الطرف الأقرب الذي لديه عوامل ضغط داخلية متنوعة.