بغداد-“القدس العربي”: في خضم مرارة ذكرى الغزو الأمريكي للعراق في 9 نيسان/ابريل 2003 تم ترشيح ثالث شخصية لتولي رئاسة الحكومة الجديدة منذ بداية العام الجاري، في وقت يمر البلد بأوضاع الانهيار شبه الكامل في معظم قطاعاته، جراء العملية السياسية الفاشلة التي زرع بذورها الاحتلال وانعشتها أحزاب السلطة الفاسدة والفاشلة بتشجيع خارجي لإبقاء البلد ضعيفا ومسلوب الإرادة.
دولة بلا حكومة
فمع دخول العراق شهره الخامس بلا حكومة دائمة، بسبب ممارسة أحزاب السلطة لعبتها، في اختيار أو رفض رئيس للحكومة المقبلة خلفا لرئيس الحكومة المقال شعبيا عادل عبد المهدي، حيث تفتعل الأحزاب، مبررات لرفض المرشحين بدءا من محمد علاوي مرورا بعدنان الزرفي، وغيرهما من الشخصيات التي يتم رفضها بعدة مبررات، رغم أنهم جميعا مرتبطون بالعملية السياسية الفاشلة.
ومع إعلان رئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي الانسحاب من الترشيح، بضغوط من التحالف الشيعي عليه، ومع تكليف رئيس الجمهورية برهم صالح، رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي بتشكيل الحكومة الجديدة، ستبدأ مرحلة الضغوط والمساومات والابتزاز من قبل الأحزاب لانتزاع أكبر جزء من كعكة السلطة، وسط حاجة ملحة لإنهاء هذه الأزمة وتشكيل حكومة تتعامل مع التحديات والأوضاع الصعبة في البلاد.
ولم يمر وقت طويل على زيارة قائد فيلق القدس الإيراني اسماعيل قاآني إلى بغداد ولقاءاته بقادة شيعية قبل أيام، حتى أعلن التحالف الشيعي ترشيح رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي، لرئاسة الحكومة الجديدة، معلنا رفض عدنان الزرفي مرشح رئيس الجمهورية.
وأصبح جليا أن نصائح المسؤولين الإيرانيين خلال لقاءاتهم بقادة القوى الشيعية حسمت خلافاتهم وجعلتهم يجمعون على اختيار رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي مرشحا لرئاسة الحكومة المقبلة، حيث عقدت تلك القوى اجتماعات في بغداد والنجف، أفضت إلى اتفاقها على تسمية الكاظمي مرشحا لها لرئاسة الوزراء، بدلا من المكلف الحالي عدنان الزرفي، الذي اعترضت عليه بحجة كونه مرشح أمريكا. وأبرز الكتل التي رشحت الكاظمي هي الفتح التي يتزعمها هادي العامري وتضم الفصائل المسلحة، ودولة القانون التي يتزعمها نوري المالكي، والحكمة التي يتزعمها عمار الحكيم، وكتل شيعية أخرى، مع مواقف مؤيدة من قبل الأحزاب الكردية والسنية لترشيح الكاظمي، قبل بدء طرح شروطها لحصتها في الحكومة المقبلة.
وكان هذا الاختيار متوقعا، منذ زيارة رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي شامخاني مؤخرا إلى بغداد واجتماعه بالكاظمي، إضافة إلى تركيز وسائل الإعلام الإيرانية كثيرا على دوره الأمني في تعزيز العلاقات بين البلدين، منذ توليه رئاسة جهاز المخابرات عام 2016 خلال فترة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي.
ويعتبر المراقبون أن تقديم التحالف الشيعي لمصطفى الكاظمي، مرشحا بديلا لرئاسة الحكومة في الوقت الذي يوجد فيه مرشح مكلف من قبل رئيس الجمهورية، هو رسالة تحدي بفرض إرادة هذه القوى على العملية السياسية، وكان المفروض تقديم الترشيح بعد اعتذار الزرفي عن تشكيل الحكومة وفق السياقات الدستورية، مع ملاحظة أن الحراك الشعبي الرافض للعملية السياسية ورموزها، لا يهتم كثيرا بصراع الأحزاب حول شخصية رئيس الوزراء في ظل غياب الدولة التي تخدم المواطن وتحد من هيمنة الفصائل المسلحة وتوقف انهيار الاقتصاد وتفشي الفساد.
الفقر وكورونا
وبعيدا عن دهاليز الأحزاب المظلمة وألاعيبها السياسية في اختيار رئيس حكومة جديدة، وفي ظل فرض الحظر الصحي لمواجهة تفشي مرض كورونا الآتي من إيران، يبدو أن الفقر والعوز وتدهور الأوضاع المعيشية في البلد، يعتبر بالنسبة للمواطنين أهم من حظر التجوال والوقاية من المرض. وإذا كانت التظاهرات الشعبية المطالبة بالإصلاحات والرافضة للعملية السياسية الفاشلة، التي انطلقت في تشرين الأول/اكتوبر الماضي قد أجلت فعالياتها لتجنب أضرار وباء كورونا، فان الإهمال الحكومي في مواجهة المرض، جدد خروج التظاهرات من قبل الجماهير الغاضبة التي طالبت الحكومة بمساعدة الفقراء وأصحاب المهن الأهلية على مواجهة انقطاع مصادر رزقهم اليومي بسبب حظر التجوال.
وقد وقعت مصادمات بين المحتجين والقوات الأمنية سقط فيها قتلى وجرحى، كما حصل في تظاهرات مدينة الناصرية التي هددت بمواصلة الانتفاضة، ما أجبر الحكومة على اتخاذ إجراءات عاجلة لامتصاص نقمة الشارع، منها وعود بتخصيص مبالغ لمساعدة الأسر الفقيرة، وتوفير المواد الغذائية ضمن البطاقة التموينية، وتأجيل استيفاء بعض الرسوم والضرائب، وغيرها من الإجراءات التي يبدو أنها لا تقنع المواطن الفقير، بل قوبلت بالرفض وخاصة نية الحكومة تخفيض رواتب الموظفين والمتقاعدين بحجة انخفاض أسعار النفط، فيما يرى العراقيون أن الحل الصحيح لمواجهة الأزمة هو في الإدارة الرشيدة للموارد المالية ومعالجة الثغرات والأخطاء الكثيرة مثل التضخم غير المبرر للإنفاق الحكومي وهدر الأموال والفساد. ولذا تم كسر حظر التجوال في معظم المناطق الشعبية وتواصلت الحركة في الشوارع رغم مخاطر الإصابة بوباء كورونا، ورغم تحذيرات دوائر الصحة، كما أعلنت قيادة عمليات بغداد، إن قواتها أعتقلت أكثر من 12 ألف شخص، واحتجزت أكثر من ألف عجلة ودراجة نارية مختلفة وفرضت 25568 غرامة، جراء خرق حظر التجوال المفروض في العراق لغاية 18 نيسان/أبريل الجاري.
ونتيجة مخاوف جدية من الانهيار الشامل المتوقع للاقتصاد العراقي، فقد تصاعدت دعوات لإنقاذ البلاد، عبر الإسراع في تشكيل حكومة جديدة كفوءة بعيدة عن أحزاب الفساد، تنفذ إجراءات إصلاح حقيقية، لتجاوز الثغرات والعثرات السابقة في الإدارة الفاشلة للملف الاقتصادي.
وكان وزير النفط ثامر الغضبان، كشف عن تدهور سعر برميل النفط العراقي في الوقت الحاضر، وبيعه بسعر 20 دولارا للبرميل، فيما أشارت وزارة النفط إلى أن مجموع صادراتها من النفط لشهر اذار/مارس بلغ 105 ملايين برميل، وبلغت الإيرادات 2.99 مليار دولار مقابل 5.5 مليار في شباط/فبراير الذي سبقه، أي انخفاض واردات النفط إلى النصف، ما ينذر بضائقة اقتصادية كبيرة قد تشهدها البلاد تتطلب إجراءات اقتصادية طارئة.
حوار عراقي أمريكي
وفي تطور ملفت، أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن “الولايات المتحدة تخطط لبدء حوار استراتيجي مع العراق في منتصف حزيران/يونيو المقبل وتعتزم مناقشة جميع القضايا الرئيسية على جدول الأعمال الثنائي” بما في ذلك الوجود المستقبلي للقوات الأمريكية في البلاد وآفاق التعاون المشترك. وهو الموضوع نفسه الذي بحثه رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي، مع السفير الأمريكي في بغداد، ماثيو تولر، الذي نقل مقترح بلاده لفتح الحوار الاستراتيجي بين البلدين، وتحديد الوفد المفاوض، وموعد بدء المباحثات. وقد رحبت حكومة بغداد، بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية على مقترحها بشأن فتح حوار استراتيجي بين البلدين لمناقشة الملفات المشتركة العالقة. وهو تغيير في موقف واشنطن الذي فرضه انشغال الإدارة الأمريكية بأزمة كورونا وصعوبة ردع هجمات الميليشيات الموالية لإيران على قواتها، رغم أنها سبق وأعلنت انها لا تنوي سحب قواتها من العراق، بل أن الرئيس الأمريكي ترامب هدد بفرض عقوبات على العراق إذا اجبرت قواته على الانسحاب.
الوضع الأمني
وتدور التطورات السياسية والاقتصادية، وسط تخلخل الأوضاع الأمنية في العراق، حيث المخاوف تتركز في تغول الميليشيات وهيمنتها على القرار السياسي والمجتمع، بالتزامن مع تصاعد الأعمال الإرهابية لتنظيم “داعش”.
ورغم قيام القوات الأمريكية بالانسحاب من العديد من المعسكرات مؤخرا وتركزها في قاعدتين، فإن الميليشيات ما زالت تتحدى الدولة وتواصل توجيه الصواريخ من دون موافقة الحكومة، على القواعد والسفارة الأمريكية، وآخرها هجوم في البصرة (جنوبي البلاد) قرب موقع تابع لشركة هاليبرتون النفطية الأمريكية، كما عثرت قوات الأمن على منصة إطلاق الصواريخ وفي داخلها 11 صاروخا لم تطلق وتم إبطالها وتفكيكها.
وفي المقابل، استغلت عناصر تنظيم “داعش” ظروف فوضى البلاد وأزماتها، لتعاود شن المزيد من الهجمات. فلا يمر يوم إلا وتعلن الجهات الحكومية عن هجمات جديدة تستهدف مواقع القوات الأمنية وخاصة في “مثلث الموت” بين صلاح الدين وكركوك وديالى، إضافة إلى نينوى والسليمانية، وسقوط خسائر مادية وبشرية. وشنت عناصر التنظيم الإرهابي مؤخرا، هجمات على القوات الأمنية وعلى قرى نائية وقامت باختطاف وقتل مواطنين وعسكريين. ويأتي ذلك رغم إعلان القوات الأمنية، شن عمليات ملاحقة لعناصر “داعش” في الصحراء الغربية الممتدة إلى سوريا، وفي ديالى وكركوك وصلاح الدين، تم خلالها قتل بعض عناصر التنظيم والاستيلاء على أسلحة ومعدات وتدمير مضافات له.
وبالرغم من أن أزمات العراق المستعصية متواصلة، جراء أسلوب أحزاب السلطة في تعمد إدامتها وتعطيل الدولة لاستمرار نهب موارد البلد، إلا أن موضوع تكليف رئيس حكومة جديد كان لا بد أن ينتهي، حيث يشير قانونيون أن المكلف الذي يخلف عدنان الزرفي هو مرشح الفرصة الأخيرة الواردة في المادة 76 من الدستور، وإذا أخفق ستنتقل إدارة البلاد لرئيس الجمهورية، ويحق له حينها حل البرلمان وتشكيل حكومة مؤقتة من دون العودة للأحزاب، لكي تدير البلاد لحين إجراء انتخابات جديدة، تنتج عنها حكومة تتولى إدارة أزمات وتحديات البلاد المتعددة. والسؤال الآن هو هل سيتمكن مصطفى الكاظمي من إنجاز هذه المهمة المعقدة، وسط عاصفة الأزمات والتحديات في أوضاع العراق؟