هل ينقذ فيروس كورونا إسرائيل من دوامتها السياسية؟

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-“القدس العربي”: يبدو أن عدوى كورونا تتجه لتفرض على المعسكرين المتناحرين على السلطة في إسرائيل نوعا من “زواج الغصب” من خلال حكومة طوارئ يتناوب على رئاستها رئيس “الليكود” بنيامين نتنياهو يليه رئيس “أزرق-أبيض” بيني غانتس، ولكل منهما سنة نصف السنة، لكن بقية الخيارات ما زالت مفتوحة ومنها استمرار الدوامة السياسية والذهاب لصناديق الاقتراع لجولة رابعة ربما تكون “قامعة” لنتنياهو ونهجه التحريضي كما يقول قادة “المشتركة” ممن تأملوا أن تكون الانتخابات الثالثة ثابتة. يأتي ذلك في ظل تراجع خيار حكومة ضيقة برئاسة غانتس المكلف رسميا من قبل رئيس إسرائيل بتشكيل ائتلاف حاكم نظرا لمعارضة بعض نوابه الاعتماد الخارجي على كتلة مانعة للقائمة العربية المشتركة. كذلك يبدو خيار الانتخابات الرابعة صعبا لأن عدوى كورونا لا تسمح بذلك ولأن الإسرائيليين فاض بهم وملوا تكرار الجولات الانتخابية والذهاب للصناديق.

السيناريو الأقوى

 من هنا تبدو حكومة الوحدة أو الطوارئ، هي السيناريو الأكثر واقعية اليوم رغم أن الخلافات الشخصية تطغى على كل المصالح العامة العليا، وكذلك الحسابات الحزبية باتت غير مسبوقة في دولة الاحتلال، مما يذكّر بقول وزير الخارجية الأمريكي التاريخي هنري كيسنجر اليهودي الأصل بأن “لإسرائيل سياسة داخلية لكنها تعدم السياسات الخارجية”. ونقلت القناة الإسرائيلية 13 عن مصادر في المعسكرين المتنافسين قولهم إن المفاوضات السرية بينهما تتقدم وفي مسودة الاتفاق جاء أنه في حال قام أحد المرشحين لرئاسة الوزراء بالتناوب بحل البرلمان “الكنيست” قبل أن يحين دور الآخر فإنه يترأس الحكومة المؤقتة، وقد جاء هذا البند نتيجة مخاوف من سيناريو أبو موسى الأشعري على الطريقة الإسرائيلية من خلال مبادرة نتنياهو لحل البرلمان والذهاب لانتخابات جديدة قبيل إنهاء ولايته بقليل كي يقطع الطريق على غانتس من دخول مقر رئاسة الوزراء وفقا للاتفاق خاصة أن الثقة بينهما معدومة كما تؤكد  تسريبات وسائل الإعلام الإسرائيلية. وما زال الطرفان يبحثان عن حل لخلافهما حول وزارة القضاء فكتلة “أزرق-أبيض” تتمسك بهذه الحقيبة الهامة خاصة أن وزير القضاء هو من يعين المستشار القضائي للحكومة والنائب العام. وتزداد أهمية ذلك في ظل لوائح اتهام مقدمة ضد نتنياهو الذي أجّل بجريرة كورونا موعد محاكمته إلى أيار/مايو المقبل بل قام بإغلاق المحاكم بالكامل. ويطالب “الليكود” بتوافق الطرفين على وزير تكنوقراط محايد أو تعيين وزيرين في وزارة القضاء يتخذان القرارات معا. ومن المتوقع أن تبدأ الحكومة الجديدة كحكومة طوارئ تعنى بمجابهة عدوى فيروس كورونا حتى نهاية العام ومن ثم تتحول لحكومة وحدة وطنية ما يتيح لكتل اليسار الصهيوني الانضمام لها حتى انتهاء حال الطوارئ ولاحقا يستطيع أي منها البقاء أو مغادرتها.

احتمالات

في المقابل يواجه بيني غانتس مشاكل داخلية حادة في كتلة “أزرق-أبيض” نتيجة معارضة بعض مكوناتها خاصة موشيه ياعلون ويائير لابيد، أي تعاون مع نتنياهو المتهم بالفساد التزاما بوعد الكتلة للجمهور الواسع قبيل الانتخابات التي جرت في 2 آذار/مارس الحالي. وهذا يعني أن موافقة غانتس على خيار حكومة الوحدة أو الطوارئ مع نتنياهو من شأنها أن تؤدي لانشقاق “أزرق-أبيض” لنصفين وسيبقى غانتس مع 18 نائبا من أصل 33 ولذا سيجد نفسه أمام خيارات صعبة خاصة أن بعض زملائه وأبرزهم غابي اشكنازي ممن يلومونه على رفض مقترح رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين (عقب انتخابات أيلول/سبتمبر الماضي) بحكومة وحدة يشغل فيها نتنياهو رئاسة الحكومة أولا ولستة شهور فقط. لكن المستقبل السياسي في إسرائيل ما زال مفتوحا على أكثر من باب لأن غانتس حتى الآن لم يقرر وجهته، خاصة أنه لا يثق بنتنياهو والأخير يرى الأول مترددا وغير قادر على اتخاذ قرار حاسم، كما أكدت القناة الإسرائيلية الـ 12. وعلى خلفية كل ذلك أوضحت القناة المذكورة أن غانتس اجتمع مع بعض نواب كتلته المعارضين لأي تعاون مع القائمة العربية المشتركة خاصة النائبين تسفي هاوزر ويوعاز هندل، بدعوى أن مثل هذا التعاون سيغضب الإسرائيليين ويؤدي لخسارة “أزرق-أبيض” في أي انتخابات مستقبلية. وحسب تسريبات بثتها القناة الإسرائيلية الرسمية قال غانتس لهنديل وهاوزر إن حكومة ضيقة برئاسته بالاعتماد على “كتلة مانعة” من القائمة المشتركة، خيار وارد كما هو الحال مع خيار حكومة الوحدة مع الليكود. ونوهت القناة الرسمية إلى أن النائبين المذكورين متمسكان بمعارضتهما، وأن غانتس متردد بين الذهاب لحكومة وحدة مع الليكود بدون لابيد وياعلون وبين خيار الذهاب لانتخابات رابعة.

حكومة مؤقتة وبلا برلمان

بيد أن المفاوضات بين “الليكود” و”أزرق-أبيض” متوقفة منذ يوم الجمعة ريثما تبت المحكمة العليا اليوم الأحد أو غدا بالالتماس الذي رفعته “أزرق-أبيض” لإجبار رئيس الكنيست يولي ادليشطاين “الليكود” على عقد اجتماع للبرلمان المنتخب كي يباشر مهامه في التشريع وفي مراقبة عمل الحكومة وكبحها كما هو الحال مع بقية برلمانات العالم، رغم أزمة كورونا. يشار إلى أن ادليشطاين يرفض التئام البرلمان منذ أداء نوابها اليمين الدستوري قبل عشرة أيام ورغم انتهاء ولايته وانتخاب برلمان جديد فيها أغلبية لكتلة “أزرق-أبيض” وأقلية لكتل اليمين التي ينتمي لها ادليشطاين. وتستعد “أزرق-أبيض” في موازاة الانتخابات لتفعيل البرلمان لتشكيل ما يعرف بـ “اللجنة الناظمة” داخل الكنيست وهي التي تتولى عادة إدارة البرلمان وتشكيل لجانه وطرح مشاريع قوانين جديدة وانتخاب رئيس جديد للكنيست. وفيما ترى كتلة “أزرق-أبيض” ذلك استحقاقا ديمقراطيا طبيعيا استنادا لما أفرزته الانتخابات العامة، يرى “الليكود” وبقية أحزاب اليمين وعلى رأسهم ادليشطاين نفسه أن “أزرق-أبيض” تبحث عن فرصة لتشريع قوانين خاصة ضد نتنياهو مثل قانون يمنع عضو كنيست متهم بتهم جنائية من تشكيل حكومة مستقبلا وحاليا. ورغم المفاوضات المذكورة بينهما فإن “الليكود” و “أزرق-أبيض” يتبادلان التهم في هذا المضمار،  وتشدد أوساط إسرائيلية معارضة لنتنياهو على أنه يستغل عدوى الكورونا ويقوم بتضخيمها ضمن استراتيجية ترهيب الإسرائيليين التقليدية من أجل البقاء في الحكم والنجاة من المحاكمة بتهم الفساد.

خيبة أمل المشتركة

بين هذا وذاك يعرب قادة القائمة المشتركة عن خيبة أملهم من “أزرق-أبيض” لعدة أسباب كما يقول مدير كتلتها في الكنيست النائب أحمد الطيبي لـ “القدس العربي” إن المشتركة بكل مركباتها أوصت على غانتس لتشكيل حكومة رغم المصاعب المنوطة بذلك كونه قائدا أسبقا لجيش الاحتلال ولمشاركته بنزع شرعية المشتركة وكل المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل (18في المئة من السكان) خلال الدعاية الانتخابية. كما يشير الطيبي أنه ورفاقه في “المشتركة” خاب أملهم من تردد وضعف وعدم تماسك كتلة “أزرق-أبيض” ويضيف “فعلنا كل ما بوسعنا للإطاحة بنتنياهو ورفعنا تمثيل المشتركة من 13 إلى 15 نائبا وبذلك منعنا مجددا نتنياهو من الفوز بأغلبية وأفشلناه في مهمة تشكيل حكومة، لكن “أزرق-أبيض” تراجعت في الانتخابات الأخيرة وحازت على 33 مقعدا فحسب وتجاوزت “الليكود” بمقعدين. بالطبع نحن نرى المفاوضات بين “أزرق-أبيض” و”الليكود” لتشكيل حكومة وحدة، خيانة للأمانة وصدقت زميلتي عايدة توما سليمان بقولها إن “ذلك طعنة بالظهر”.

أثر الفراشة لا يرى

 بيد أن زميلهما النائب منصور عباس يشير بالوقت نفسه للقيمة الكبيرة في فوز المشتركة بأكبر عدد من النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي وبشكل غير مسبوق منذ الانتخابات البرلمانية الأولى غداة النكبة عام 1949. وقال النائب منصور عباس (رئيس كتلة الحركة الإسلامية داخل المشتركة) لـ “القدس العربي” إن “انجاز المشتركة كبير ليس فقط من ناحية زيادة قوة التمثيل السياسي للفلسطينيين في الداخل وزيادة احتمالات انتزاع حقوق عالقة للمواطنين العرب، إنما هناك قيمة مضافة كبيرة لهذا النجاح في زمن الانقسامات: مثل هذا الالتفاف الواسع من قبل الفلسطينيين في الداخل حول قائمة توحدهم وترفع راية توفق بين الوطن والمواطنة يسهم في تعزيز هيبتهم السياسية وتعزيز ثقتهم بأنفسهم كأقلية وطن أصلية وجماعة قومية لها هويتها وانتمائها، وهذه مفاعيل لا ترى كأثر الفراشة لكنها في غاية الأهمية”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية