أعلن نادي ليفربول في نهاية الأسبوع الماضي، عن ثاني صفقاته الصيفية، بالحصول على توقيع بطل إيطاليا في يورو 2020 فيديريكو كييزا، في صفقة مفاجئة لم تكسر حاجز الـ11 مليون جنيه إسترليني، كأفضل استغلال لحاجة نادي يوفنتوس لبيع لاعبه العشريني بأفضل عائد مادي، قبل أن يحق له الرحيل بموجب قانون بوسمان فور انتهاء الموسم الجاري، وأيضا لعدم حاجة المدرب الجديد تياغو موتا، لخدمات مواطنه في المرحلة القادمة، والسؤال الذي يفرض نفسه، لماذا وافق المدرب الهولندي آرن سلوت على ضم الدولي الإيطالي رغم ضغوط ودعوات التوقيع مع لاعب وسط رقم 6؟ والسؤال الآخر.. هل ينجح الوافد الجديد في فك عقدة ابناء جلدته في «الآنفيلد»؟ هذا ما سنحاول استكشافه معا.
مصالح مشتركة
بالنظر إلى وضع أو موقف نادي السيدة العجوز، سنجد أنه يسابق الزمن لبناء فريق بالشخصية المهيبة المعروفة عن كبير الطليان على المستوى المحلي، بعد ابتعاده عن دائرة المنافسة على لقب الكالتشيو في آخر ثلاثة مواسم، ورغم أنه بصم على واحد من أفضل مواسمه منذ تعافيه من لعنة الإصابات المتلاحقة بعد اليورو، بتوقيعه على 10 أهداف تحت قيادة الميستر ماكس أليغري الموسم الماضي، إلا أنه تفاجأ بتراجع أسهمه داخل قلعة البيانكونيري، وحدث ذلك بعد اختلافه مع المسؤولين وأصحاب القرار بشأن تمديد عقده الذي سينتهي في أول ساعات تموز/يوليو المقبل، لأسباب تتعلق في المقام الأول حول راتبه السنوي، بعدما رفض الحصول على نفس راتبه في عقده الجديد، وهي الرسالة التي فسرها أصحاب القرار في النادي على أنها مؤشر لاقتراب رحلة صاحب الـ26 عاما في النادي، لدرجة الموافقة على بيعه مقابل رسوم تندرج تحت مسمى «زهيدة» فقط لحرمانه من رفاهية التوقيع لأي ناد بموجب قانون بوسمان منتصف العام المقبل، وبالنسبة للنادي الإنكليزي، فتعتبر صفقة على «النهج الانتهازي» الذي يتحدث عنه المدير الرياضي ريتشارد هيوز، من حين لآخر، كيف لا والوافد الجديد من نوعية الجناح المهاجم الذي يمكن أن إعادة براعته وتنوعه في الثلث الأخير من الملعب، بتلك النسخة المضيئة التي رسمها لنفسه حتى وصول إلى قمة هرم النجاح بقيادة الآدوزري للفوز باليورو على حساب المنتخب الإنكليزي في نهائي «ويمبلي» 2021 تلك الفترة التي قُدرت فيها قيمته السوقية إلى حوالي 100 مليون جنيه إسترليني، قبل أن تأخذ مسيرته الاحترافية منحى آخر، بسبب الإصابات المروعة التي تعرض لها في أول موسمين بعد اليورو.
مغامرة جديدة
بالنسبة لصاحب الشأن، فتبدو خطوة انتقاله إلى «الآنفيلد» كما وصفها بنفسه «مغامرة غير متوقعة» لا سيما بعد تقلص فرصه في الذهاب لأحد عمالقة أوروبا، نظرا لتعثر محاولة نقله إلى برشلونة بسبب وضع البلوغرانا المالي الخطير، الأمر الذي كان سيجبره على الذهاب إلى أحد الأندية المتوسطة في القارة العجوز، أو الاستجابة لأحد العروض الفلكية السعودية، لذا من المفترض ألا يواجه مشاكل على مستوى الاستقرار في الجزء الأحمر لمدينة نهر الميرسيسايد، كشخص يتحدث اللغة الإنكليزية بطلاقة، وأسلوب لعبه وخفة حركته تكاد تكون مثالية للدوري الإنكليزي الممتاز، وأيضا لمدربه سلوت، الذي يتشابه مع الأسطورة يورغن كلوب، في بعض النواحي المتعلقة بالضغط العالي من الأمام والتحول السريع من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، فقط ربما تكون أزمته الوحيدة، أن المدرب الجديد لديه وفرة عددية في الثلث الأخير من الملعب، بجانب تحدي الحفاظ على لياقته البدنية وتخطي صفحة الإصابات طويلة الأجل، وهذا ما يعول عليه مدرب الريدز وطاقمه المساعد، أملا في تحقيق الهدف المنشود، بضمان الاستدامة والحفاظ على المعدلات البدنية للاعبين على مدار الموسم، بدلا من فكرة ملء المراكز، وفي حال نجح كييزا في القيام بالدور المطلوب منه، بإعطاء التنوع اللازم في الثلث الأخير من الملعب، بتطويع موهبته وقدرته في الاختراق والانطلاقات العنترية من كلا الجانبين والعمق، سيكون قد ساعد المدرب سلوت في ضرب عصفورين بحجر واحد، الأول ضمان المرونة التكتيكية وتنوع الحلول في المناطق المحظورة في دفاعات الخصوم، والثاني بإراحة الملك محمد صلاح، عندما يزداد ضغط روزنامة المباريات في منتصف الموسم.
الالتزام والإيمان
من الأمور، التي تضاعف من جرعة التفاؤل داخل «الآنفيلد» بأن الوافد الجديد سيعيد اكتشاف نفسه مع الفريق في المرحلة القادمة، هو طموحه وشغفه لاستعادة نسخته العالمية التي كان عليها في مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات، كجناح جوكر يهابه كبار المدافعين في أوروبا قبل الشباب الواعد، وما عكس هذه الرغبة، تمنعه على عروض مادية لا تقاوم من أندية سعودية، وذلك لاقتناعه بالعلامات المبكرة لمشروع المدرب سلوت، أو كما قال الناقد المقرب من النادي ديفيد لينش «انحياز كييزا لعرض ليفربول على حساب الثروات التي عُرضت عليه من السعودية، يظهر إعجابه بجودة مشروع سلوت» فقط يتبقى أمامه الخطوة التالية وهي الأهم، بالتكيف سريعا مع الأدوار الهجومية المختلفة لإعطاء ديناميكية جديدة للفريق، ريثما يخفف الضغوط الهائلة على المهاجمين وتقديم الكثير من الحلول من العمق والأطراف، وهذا سيتوقف إلى مدى استجابته للتحدي الجديد وقدرته على العودة أكثر قوة بعد كل إصابة، كما فعلها أكثر من مرة سواء مع فيورنتينا أو الفيكا سينيورا، أما غير ذلك، فنحن نتحدث عن موهبة تنبض بالجودة والبراعة وباقي المواصفات التي يبحث عنها أي مدرب في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم، مع ظهور بعض الأدلة التي تشير إلى تعافيه بشكل كامل من الإصابة، منها مشاركته في 33 مباراة من أصل 38 الموسم الماضي، بالإضافة إلى توقيعه على 10 أهداف وخلق ما مجموعه 61 فرصة و39 مراوغة كاملة، وهو ما ساهم في انتشار شائعات وتقارير عن رغبة مدرب روما دانييلي دي روسي في التوقيع معه، لولا الضائعة المالية التي يعاني منها فريق الذئاب مثل برشلونة، وقبل أي شيء، يعرف جيدا أنه لم يستعد كامل مستواه ولياقته البدنية كما كان قبل الإصابة الأخيرة، استنادا إلى ما قاله لوسائل الإعلام بعد اختياره كأفضل لاعب في مباراة إيطاليا ضد ألبانيا في يورو 2024 «لقد أبطأت الإصابة مسيرتي المهنية، لكنها علمتني الكثير، صحيح قبل الإصابة كنت أكثر حدة واندفاعا، وربما تغير أسلوبي قليلاً، ولكن سرعتي لم تتأثر. الآن عدت إلى أن أكون قريبا جدا من المستوى الذي كنت عليه قبل الإصابة».
بوجه عام، يُمكن القول إن ليفربول لم يوقع مع ميغا ستار، مرشح للفوز بجائزة «البالون دور» في المستقبل، لكنه حصل على صفقة بجودة عالية مقابل عُشر قيمته السوقية الحقيقية قبل 3 سنوات، وبديل محتمل لمحمد صلاح ولويس دياز على الأطراف، لمرونته وقدرته على اللعب في كل مراكز الهجوم، وبالأخص على طرفي الملعب، على أن يشتد التنافس الإيجابي بين الثلاثي ديوغو غوتا وجاكبو ودارين نونييز على مكان العمق في التشكيل الأساسي، ما يعني ببساطة أن النادي لم يخاطر بالتوقيع مع الدولي الإيطالي، بل أبرم صفقة «انتهازية» على طريقة المدير الرياضي الجديد، مع توقعات أن يصحح الانطباع السلبي المحفور في أذهان عشاق ليفربول عن الصفقات الإيطالية، بداية من غابرييل باليتا، الذي وصل إلى النادي في صيف 2006 قادما من بانفيلد الأرجنتيني في صفقة وصلت قيمتها لنحو 2.5 مليون إسترليني، وفي الأخير اكتفى بالظهور في 8 مباريات سجل خلالها هدفا وصنع اثنين، وفي كانون الثاني/يناير لعام 2007 جاء الحارس دانييلي باديلي من سامبدوريا على سبيل الإعارة، ولم يشارك سوى مرة واحدة، وفي العام التالي 2008 أثيرت ضجة كبيرة بعد انتقال أندريا دوسينا من أودينيزي إلى الريدز مقابل 7.5 مليون بنفس العملة، وفي الأخير بصم على موسم وحيد للنسيان، وتبعه ألبيرتو أكويلاني في ميركاتو 2009 وأيضا ظهر بنسخة لا تقارن بما كان عليها مع فريقه القديم روما، وبالمثل فشل كل من فابينو بوريني والمثير للجدل ماريو بالوتيلي، فهل يا ترى ينجح كييزا في تحقيق ما عجز عنه أبناء وطنه؟