صحف عبريةكان يفترض ان تكون الذكرى العاشرة لهجوم منظمة القاعدة الارهابي على الولايات المتحدة يوم احتفال للمنظمة وشركائها من معسكر الجهاد العالمي. ويمكن تخمين ان يختار هؤلاء تذكار هذا الموعد في الدعاية وكلام التبجح للتعبير عن النصر الكبير الذي حققوه من وجهة نظرهم على الولايات المتحدة، القوة العظمى الدولية التي تمثل بالنسبة اليهم تحالفا محتلا ومضطهدا ومُذلا للعالم الاسلامي. ومن جهة اخرى تُسمع من أفواه متحدثين كبار في الولايات المتحدة تصريحات وتحليلات عن نهاية القاعدة القريبة. ويعتمد هذا التقدير على نجاح الولايات المتحدة في القضاء على كبار قادة المنظمة وعلى رأسهم زعيمها اسامة بن لادن، وعلى سلسلة الانتفاضات الشعبية في العالم العربي التي هي في تصور الامريكيين ومحللين آخرين في أنحاء العالم، برهان وتعبير عن فشل العقيدة السلفية وطريقة العنف التي عرضتها القاعدة باعتبارها حلا لازمات المسلمين في العالم. في ضوء ذلك من المناسب ان نفحص بحرص مزاعم الطرفين، انتصارهما في المعركة الدائرة بينهما في العقد الاخير، وان نحاول تقدير الى أين تتجه المعركة في العقد القادم. يقوم زعم القاعدة النصر على عدة عوامل: اولا، ان الهجوم الذي بادرت اليه المنظمة ونفذته أفضى الى تورط الولايات المتحدة في حربين كلفتاها وما تزالان تكلفانها دماءا كثيرة أكثر من 4 آلاف جندي قتيل الى نحو من 3 آلاف من ضحايا الهجوم في ايلول/سبتمبر 2001، ونحو من 30 ألف جريح من دول التحالف في الحربين في العراق وافغانستان (زيادة على عشرات آلاف القتلى المحليين في الدول التي يجري فيها القتال)، وكذلك كلفة النفقات العسكرية والامنية التي تراوح بحسب تقديرات مختلفة بين 3 5 تريليونات دولار وكل ذلك دون هزيمة القاعدة وشركائها. وثانيا، نجحت المنظمة في المس بصورة الولايات المتحدة غير المهزومة وهي القوة العظمى الوحيدة القوية في العالم في الفترة بعد نهاية الحرب الباردة، عند مواطني دول صديقة في الغرب، وعند كثيرين في العالم الاسلامي، يرونها كيانا يعادي دينهم. وثالثا، برغم الهجوم المكثف الذي تقوم به الولايات المتحدة وحليفاتها على المنظمة، نجحت في البقاء أكثر من عشرين سنة منها العقد الذي تلا الهجوم الارهابي على الولايات المتحدة، وذلك مع الحفاظ على قدرتها الهجومية التي تفصح عنها محاولات عمليات من قبلها ومن قبل شركائها في دول مختلفة في أنحاء العالم ومنها الدول الغربية. ورابعا، نجحت المنظمة في إحداث وعي لتهديد الارهاب المحتمل الثقيل والشعور بعدم الامن في دول مختلفة في أنحاء العالم، وفي أن تُصعب بل أن تشوش احيانا على صورة حياة مواطنين كثيرين ولا سيما في فروع الطيران والنقل العام بسبب الاضطرار الى ترتيبات امنية مشددة في اماكن عامة.
وفي مقابل ذلك يعتمد زعم مسؤولين كبار من الادارة الامريكية ان المنظمة على شفا ان يُقضى عليها باعتبارها منظمة فعالة، على أن كثيرين من قادة القاعدة الكبار اعتقلوا أو قُضي عليهم خلال العقد المنصرم ولا سيما السنين الاخيرة وذلك نتيجة معركة الاغتيال المركز التي أُجريت معها في اماكن مختلفة في العالم وبخاصة باكستان. وقد أثبتت سياسة الاغتيال المركز نفسها باعتبارها واحدة من أنجع وسائل محاربة الارهاب. لو أن الولايات المتحدة سبقت الى الأخذ بهذه السياسة بنفس الكثافة والدقة على طول عدة سنين بعد هجوم الحادي عشر من ايلول فورا ولم تصرف مواردها وانتباهها الى الجبهة العراقية، فلربما كانت انجازاتها في المعركة على القاعدة والجهاد العالمي أكثر فاعلية وسرعة. وكذلك فان الانتفاضات الشعبية في دول مختلفة في العالم العربي التي نُفذت بطريقة غير عنيفة نسبيا وبخلاف مطلق بيقين للطريقة التي دعت اليها القاعدة، جعلت كثيرين يُقدرون ان ‘الربيع العربي’ ضربة قاضية للمنظمة وعقيدتها.
تستطيع الولايات المتحدة وحليفاتها ان يذكرن في رضى حقيقة انها منعت القاعدة وشركاءها خلال العقد الاخير من تحقيق محاولاتهم تنفيذ عمليات ارهابية استراتيجية مثل الحادي عشر من ايلول، وحقيقة انه تعزز جدا التعاون بين دول كثيرة بل بين دول متعادية احيانا، بنشاط ردعي لجهات الجهاد العالمي، في الجانب الاستخباري العملياتي وفي مجالات التسليم والقضاء والردع.
نحو مستهل العقد الثاني الذي يتلو الهجوم على الولايات المتحدة يقف المعسكران بعضهما في مواجهة بعض ويستعدان لمواصلة الصدام بينهما. والتحدي المركزي الذي يواجه أيمن الظواهري اليوم هو الحاجة الى ضمان بقاء المنظمة وتكتلها، والحفاظ تحت قيادته على المكانة المتقدمة التي تمتعت بها القاعدة تحت ولاية سلفه بين جهات الجهاد العالمي. قد يحاول الظواهري احراز ذلك بعمليات تظاهرية على أهداف بارزة في الغرب اذا نجح في هذا، وبمحاولة ان يسوق لمصلحته انجازات الانتفاضات الشعبية التي حدثت في العالم العربي وأفضت الى إبعاد الانظمة العربية المعادية في مصر وتونس وفي ليبيا في شبه يقين ايضا وفي اليمن من اجل تأسيس بنية تحتية فيها ومناطق قاعدة لتجنيد كوادر جديدة. ويتوقع ان تعتمد القاعدة على قادتها القدماء الذين نجحوا في البقاء وعلى جيل جديد من القادة انضموا الى صفوفها وأُعدوا للقتال والنشاط الارهابي اثناء قتالهم الى جانب طالبان في افغانستان وباكستان، والاستعانة بشركائها من القاعدة في الحجاز، والقاعدة في المغرب والقاعدة في العراق والمنظمات المشاركة في افريقيا وآسيا، للبرهان على ان نضالهم مستمر برغم زوال زعيمهم الاسطوري.
برغم الاصوات المتفائلة التي تُسمع من واشنطن في المدة الاخيرة فان مناضلة القاعدة وشركاءها في طريق الجهاد العالمي لم تنته بعد. وقد يتبين ان الشعور بالارتياح الذي صاحب القضاء على ابن لادن، وهو الرجل الذي رمز أكثر من الجميع الى تهديد الارهاب من قبل القاعدة وشركائها، قد يتبين انه سابق لأوانه جدا. ان طريقة ازالة تهديد القاعدة وشركائها كامنة في قدرة التحالف الدولي الذي تشكل ليكون ردا على ارهاب الجهاد العالمي، على الاستمرار بلا كلل في الحملة المنهجية للقضاء على سلسلة قيادة القاعدة، وتحييد قيادات المنظمات الشريكة على نحو مركز على أيدي أنظمة الحكم في الدول التي تعمل فيها وافشال واعتقال النشطاء الاجانب الذين دُربوا على أيديهم في الدول التي أُرسلوا اليها. وفي المقابل، يجب عليه ان يجابه بنجوع أكبر الرسالة العنيفة الفتاكة التي نشرتها المنظمة ووهبتها لنشطائها وشركائها ومؤيديها. ان التأليف الوثيق فقط بين النضال العملياتي الاستخباري والنضال الفكري لعناصر الجهاد العالمي قد يفضي آخر الامر الى القضاء على هذا الوباء الذي ينتشر قبل أن يمر عقد آخر.’ نظرة عليا ـ العدد281.