من البديهي أن تتطور الدول شكلاً ومضموناً، وبالدور الذي تؤديه داخل حدودها السيادية، وبعلاقاتها الدولية. ولا بد للدول كي تتقدم أن يقودها أحزاب حقيقية، تشكلت بشكل سليم، من المرحلة الجنينية حتى بلوغها سن الحكمة، مروراً بسن الرشد. كما أن مؤسساتها المختلفة مدنية وعسكرية، ولدت من رحم المعاناة والأمل، وتطورت في جو ديمقراطي حقيقي، فإرتهن لها كل حزب والحاكم والمحكوم على حد سواء. ولا بد من توفر آليات مرنة في متابعة هذا الوضع الآنف الذكر (أحزاب ومؤسسات)، إن هذه الآليات تسهل تطوير البلد في كل إتجاه، وبكل المستويات، وتحت أي ظرف مكاني أو زماني، وتحث الخطى بوضع الإجابات لأسئلة طارئة أو حتى غير متوقعة، فلا تندهش كثيراً من أحداث تمس البلد، سواء أكانت داخلية أو خارجية (حتى خارج نطاق الكرة الأرضية، في بعض الحالات)، وفي الغالب تختلف هذه الآليات من بلد لآخر، ولكن غالباً ما يصوغ قراراتها ويراقب عملها، المجالس التشريعية. ويلاحظ أن المعايير السابقة، لم تكن متوفرة بجملتها في بلدان العرب، فهل تغير الوضع بعد أن بسط ‘الربيع العربي’ ‘سجادته’؟ إن جميع دول الربيع العربي، كانت تفتقر بجملتها لتلك الضرورات لصنع ‘ربيع’ دائم (وهذا لا ينفي وجود بعض الشروط وليس كلها، والإختلاف من بلد لآخر في بعض الشروط ودرجة الحضور)، ودون إستعراض مطول لما يحدث الآن في هذه الدول، فإن كل تلك الدول تتخبط وتتعرقل بظلال التجربة السابقة، وإفتقارها لشروط إنتقالها التطوري. فماذا سيؤول إليه الوضع القادم؟ إن جميع الدول المتطورة عليها الإستمرار في تطوير وضعها، وهذا التطور ليس موسمياً أو مزاجياً لدى البعض، فإن لم تسع لهذا الهدف، فإنها ستندثر (وخاصة في ظل عصر العولمة وتقزم السيطرة المركزية لكل الدول). وقد تتحد هذه الدولة مع تلك فتشكل كياناً جديداً (الإتحاد الأوروبي رغم بعض الإشكالات التي تواجهه). ولكن واقع البلدان العربية سيؤدي إلى إندثارها وتحولها إلى إمارات (كما العشائر العربية قبل التاريخ)؛ لإنه لا خيار أمام الدول: إما التقدم أو الزوال أو في أحسن الأحوال ولادة مشوهة لمخلوق جديد. عبدالله أبو مازن