هل يُمكن أن تموت اللغة العربية؟

 فداء الدين يحيى
حجم الخط
15

في رُكنٍ قصيّ من ذاكرة التاريخ، لم يكن المستعمِر حين بسط سطوته على بلاد المسلمين يهدف فقط إلى استغلال الموارد أو فرض السيطرة السياسية، بل كان سعيه الأعمق يكمن في سلخ الأمم عن ثقافتها ولغتها. الدين لم يكن هدفا مباشرا، بل اللغة، لأنها الحامل للهوية والمرآة التي تنعكس فيها معالم الحضارة. لذلك لم يكن غريبا أن يكون أول قرار بعد تقرير «توماس ماكولي» في الهند عام 1835 هو إيقاف التعليم باللغة المحلية، واستبداله بالإنكليزية، لخلق جيل «هندي المظهر، إنكليزي العقل». وفي مصر، اتُّخذ قرار عام 1898 بجعل التعليم باللغة الإنكليزية، حتى جاءت حكومة الوفد بقيادة سعد زغلول عام 1922، لتوقف هذا المسار، وتعيد تعريب التعليم ما دون الجامعي. أما هولندا، فقد كانت أكثر حزما، فألزمت المستعمرات باللغة الهولندية بقوة القانون. هذه النماذج تكشف أن اللغة ليست وسيلة تواصل فحسب، بل ميدان معركة، ولذا لا يُستغرب أن يَبعث الصهاينة اللغة العبرية من سباتها، الذي دام قرابة ألفي عام، ويبدؤوا بإحيائها منذ عام 1881، أي قبل إعلان دولتهم بسبعين عاما! أدركوا أن الهوية لا تقوم إلا على لسانها الأم.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل تموت اللغات؟ نعم، هناك ما يُسمى بـ»الداروينية اللغوية»، حيث تبقى اللغة الأقوى والأصلح، وتموت الأخرى. لغة «البو»، مثلا، انقرضت تماما بموت آخر من تحدث بها عام 2010. فهل العربية في خطر؟ ليست ميتة بعد، ولكن الخطر يُحدق. ما زال العربي يفهم نشرة الأخبار أو خطبة الجمعة، وما زالت الفصحى حيّة في القرآن والأدب والتعليم. لكن التحدي ليس في فهمها، بل في التمكين لها وسط سطوة المحتوى الأجنبي، وسيطرة اللهجات المحلية، وكسل المجتمعات عن بعثها في الحياة اليومية، والرقمية على وجه الخصوص.

هل يمكن أن تموت اللغة العربية؟

قد يقول قائل لقد تعهّد الله بحفظ القرآن، وبالتالي ستحفظ اللغة العربية كونها لغة القرآن!
حين يقول الله: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، لا يعني أن نتفرّج. كما أن قول الله «ومن دخله كان آمنا» لا يعني أن من دخل الحرم المكي لا يُصاب، فقد حدثت فيه مجازر، وأُخذ الحجر الأسود زمن القرامطة، بل المعنى: «قوموا بتحقيق الأمان فيه». كذلك اللغة، لا تحيا لأنها لغة القرآن، بل لأن هناك من يحيا بها ولها. لو سكت الجميع وقالوا «الله سيحفظها»، فسيأتي يوم قد تُمحى من واقع الحياة، كما اندثرت مع الإسلام من الأندلس والهند، بعد قرون من الوجود. فهل يمكن أن تموت اللغة العربية في بلاد العرب؟ نعم. وهل يمكن أن يُنسى الإسلام فيها؟ ممكن. إن فرّط الحَمَلة. نحن قدرُ الله في حفظ هذا الدين واللسان. كما قال الصحابة لرستم قائد الفرس: «ويحك يا رستم.. لا يغرنك ما ترى حولك.. فإنك لست تجاول الإنس، وإنما تجاول القضاء والقدر، ونحن قضاءُ الله وقدره».
اللغة العربية اليوم تُعد من أكثر اللغات تحدثا في العالم، إذ يتجاوز عدد الناطقين بها 475 مليون نسمة، إلا أن حضورها في الفضاء الرقمي لا يعكس هذا الواقع الديموغرافي الهائل. وفقا لتقارير «الاتحاد الدولي للاتصالات»، لا يتجاوز المحتوى العربي على الويب نسبة 3% من إجمالي المحتوى في العالم. وما يُنشر باسم العربية شحيح جدا وكثيرا ما يفتقر إلى الدقة اللغوية، والجاذبية الأسلوبية، وكأن القلم العربي يكتب بيدٍ مرتجفة والحرف العربي يُنطق بحنجرة مرتعشة. تُضاف إلى ذلك عزلة مؤسساتية؛ فالمحتوى العربي يعتمد غالبا على مبادرات فردية، تفتقر إلى التمويل والتخطيط الاستراتيجي، بينما تتكدس ثروات المحتوى الأجنبي على أعتاب شاشاتنا، ثم تأتي القنوات الرسمية لتزيد الطين بلة، إذ تقدّم ما لا يُلهم، وتخاطب من لا يستمع، في حين ينسحب الشباب إلى منصات أجنبية وجدت الطريق إلى قلوبهم وعقولهم. لكن، على الضفة الأخرى، تلوح لنا فرصٌ واعدة كأنها قوارب نجاة في بحرٍ هائج. الطلب على محتوى نابع من بيئتنا وثقافتنا في ازدياد، والأهالي يبحثون عمّا يُشبههم، لا ما يُغرّب أبناءهم. أدوات الذكاء الاصطناعي فتحت الأبواب على مصراعيها، ومنحت صانع المحتوى القدرة على التحرير والإخراج والنشر، دون أن يقف عائق المال أو التقنية حجر عثرة في طريقه. أما وسائل التواصل، فهي ساحات العصر الجديدة، فيها تُخاض المعارك الثقافية، ومنها تنبثق التيارات الفكرية واللغوية، وبها نستطيع أن نعيد للغتنا هيبتها ومكانتها.
وما بين هذا الواقع المؤلم وتلك الآمال المتقدة، تتوهج بعض المشاعل التي تقاوم العتمة، وتشقّ طريق النور وسط ركام التغريب والتهميش. من بين هذه المشاعل، تبرز مبادرة «بالعربي» التي أطلقتها مؤسسة قطر، محاولة إعادة اللغة إلى قلب المشهد الرقمي، وتشجيع الشباب على استخدامها بطريقة مبتكرة ومُلهمة. اللغة ليست وسيلة تواصل فحسب، بل وعاء الهوية، وجواز السفر إلى الوعي الجمعي. ولا يمكن أن نُسلّم هذا الوعي للآخرين، ونغيب عن المنصات التي تُشكّل عقول الأجيال، بل لتكن الكلمة لنا، والمحتوى من صُنع أيدينا، والرسالة تُحمل على ألسنتنا. لذا واجبنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نلتف ونتحلّق حول أي جهد وبادرة تسلك طريق إحياء لغتنا وثقافتنا وديننا، نمدّ لها أيدينا وعقولنا وقلوبنا، حتى تتظافر الجهود، وتُغرس البذور، ويُسقى الحرف بماءِ الإيمان والانتماء، فيورق الغصن، ويثمر، وينفع الله بنا أجيالا تتحدث بلغة القرآن وتحيا بها ولها.
فلنُعِد للعربية أُلقها، ونحفظ القرآن بحفظ لغته، ونكون نحن «قدر الله» الذي يُقيم الكلمة، ويُحيي الرسالة.

 مدون يمني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية