همسات في نقد المادة التاريخية

اتسم المشهد التاريخي بوجود فارقية ماثلة بين المواد التي تتغيى الرؤى الفكرية والفلسفية والاجتماعية، وإنتاجات تتخذ من التاريخ غطاء لبلورة مفهوم مزيف، فأصبحت بذلك مجموعة من الأعمال عبر التاريخ ذات بروز لافت رغم عدم استيفائها الشروط النقدية اللازمة، في غياب نقد تاريخي صريح ومتخصص.
ففهم القضايا التاريخية يتوقف على الممارسة النقدية، والخبرة في الكتابة النقدية، والتجربة العالمة في مزاولة المادة التاريخية.
فمعظم الكُتاب الذين تناولوا المواد التاريخية كانوا عادة يتجهون في تحليلاتهم لاعتماد المنتوج، من وجهة ذاتية بعيدة كل البعد عن الموضوعية، لأنه ليس لديهم خبرة بالمجال التاريخي في شموليته، وليست لديهم تجربة من حيث ممارسة المادة التاريخية، فإذا لامسوا مجال الكتابة من هذه الزاوية سقطوا في خلط مفاهيمي، وكرسوا وضعية القراءة الذاتية.
إن غياب النقد المتخصص يطرح أكثر من علامة استفهام في الأوساط التاريخية، لأنه يشكل عنصرا مهما وقوة أساسية في تقويم مسار المادة التاريخية وإعطائها الإضفاءات اللازمة، التي تغذي السمات الأساسية التي تكشف عن الأبعاد الدلالية للمادة، إذ لها خصوصيات تمنحها معنى آخر، فإذا كان النقد مفرغا من المحتوى الموضوعي والبحث الشامل، ومن الأسس القويمة التي يستند إليها النقد عموما، وإذا كان الناقد غير ملم بالقراءة التاريخية البحتة وآلياتها ومحتوياتها، ومجردا من الأدوات الأداتية للنقد المتخصص؛ فإن ذلك يضع المادة التاريخية في سلبية قرائية قد تدخلها في متاهات، وفي قلب المفاهيم، ويضعها كذلك في أزمة نقدية تزداد حدتها مع كثرة القراء من هذا النوع. فمهمات الناقد في المادة التاريخية هي مهمات موضوعية أولا، ثم شمولية وثقافية ومعرفية وفكرية يخترق من خلالها المادة التاريخية، بما تحتويه في المخطوط من رموز ودلالات، بدون أن يتأثر بأي مشوش قد يوقظ لديه الفكر الذاتي، أو ما من شأنه السيطرة على سلطانه في التفكير. فللناقد المتخصص أن يبدي رأيه حول مركزية معينة في المادة التاريخية، في علاقاتها ببنية الزمان والمكان، وببنية الأحداث والوقائع وغيرها مما تكتنزه النصوص التاريخية وتحتويه المخطوطات. ولعل استحضار القواميس الرمزية بحمولاتها التاريخية المتعددة قد يحدد مرجعياتها داخل النسق التاريخي.
إن المادة التاريخية قد تتأثر بالفراغ الذي يخلفه النقد الموضوعي، بل ويتأثر بالأفكار الأدبية التي تحل محل النقد التاريخي، على الرغم من المحاولات النقدية المتخصصة الشحيحة، التي تؤكد حضورها ومركزيتها في بعض الأحايين. فتتبدى بذلك إحدى الظواهر الحضارية الدالة على وجود نقد متخصص، وتميزه في مجاله الاحترافي الصرف، لكن بوجود مزاحمة تبعثر المسار النقدي، وتخلط بين النقد الجاد والوهم، فهناك نقد وهمي ذو طابع وهمي يُصور الأحداث والحروب والخيل.. بما يوحي بما يتصوره صانع الوهم في نفسه فيصدر مادة فارغة من المحتوى الحقيقي، بعيدا عن التجريديات، وعن الموضوعية، ما يضيع الفرص في احتواء المادة التاريخية على نحو من الجدة والممارسة النقدية الصريحة، بما يضمن استيعابا قويما للتاريخ. لكن حين تختلط التقييمات، وتتبعثر الأفكار النقدية، وتختلف باختلاف ثقافة النقاد، وتَمكنهم من المادة النقدية المتخصصة، يغدو المجال مسرحا لتشويه حالة النقد عموما. لأن صناع الوهم يسكبون أفكارا غامضة، أو مقتبسة من المجال الأدبي، أو تطغى عليها الذاتية، وهو ما يضيع القيمة الموضوعية للنقد في عدد هائل من المواد التاريخية الجادة، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام، إزاء هذا الوضع النقدي المتردي، إذ شطحت أقلام بعض أشباه النقاد إلى الحد الذي أضحى فيه الناقد في واد وكتاباته في واد آخر، ولا يقتصر الأمر على هذا النحو فقط؛ بل يتعداه، إلى إحداث خلل في المنتوج التاريخي بإضفاء المبالغة أحيانا، أو تشويه المادة بانحرافات عن السياق الموضوعي.
وهذا لا ينفي بأن هناك عددا من الأعمال النقدية، التي استطاعت أن تحقق متعة جديدة للمادة التاريخية، باستيفائها للموضوعية، فاستهوت المتتبعين والقراء في المجال التاريخي، حيث تبدى نضج كبير ووعي جاد بارتياد المبادرة وصنع حيز نقدي جاد، يسمح ببروز المادة التاريخية على نحو موضوعي وجاد.
كاتبة مغربية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية