حسن النوّابفي ساعة متأخرة من ليل المنفى حجزت تذكرة سفر عن طريق النت، ودفعت ثمنها بنقود كان مقررا ان ارسلها صباح الغد الى دار نشر معروفة مقابل طبع روايتي البكر، ثم نهضت من امام شاشة الحاسوب وقلت لزوجتي سأسافر يوم غد للبلاد، كان سلطان النوم مازال مهيمنا على حواسها، عند الصباح شاهدتْ حقيبة صغيرة على ظهري وزوجها على وشك الرحيل .. لم اضع قبلاتي على وجوه اطفالي، املا بالعودة اليهم مرة اخرى، لا اطيق الموت وصغاري مازالوا يشربون اللبن من اصابعي، في الطائرة التي حملتني الى دبي كنت افكر بهذه الحماقة التي ارتكبتها وانا اشرب كؤوس ابنة الكروم، ولو كنت اركب حافلة لصرخت بالسائق ان يتوقف حتى اعود الى عائلتي، لكن الطائرة تسبح بسماء مثقلة بالهموم، واهجس ان مطرها الموحش يهطل على قلبي، اخرجت كتاب ‘عالم الأمس’ لستيفان تسفايج الذي وصل لي قبل ايام الى استراليا من اخي الأكبر كهدية ثمينة بيد احد الذين عادوا من البلاد مؤخرا، وقلت لأقرأ بسطوره فلربما انسى الموت الذي ينتظرني هناك على ارض السواد وتحديدا تحت نصب الحرية، ولكن اية مفاجأة ستكون امام اخي الأكبر حين يراني اعود بالكتاب اليه مرة اخرى، بدأت اقرأ بالكتاب المثير وتوقفت بعد ساعة امام جملة للكاتب النمساوي من اصل يهودي يقول فيها: ان الحماسة ظاهرة معدية بين الشباب، وفي المدرسة تنتقل عدوى هذه الظاهرة من واحد الى آخر مثل الحمى القرمزية، او مرض الحصبة.اغلقت الكتاب وضحكت على نفسي وثمة ريبة واضحة بدأت تدغدغ قلبي وفكرة رثة انتعشت في رأسي ازاء الثورات التي تحدث الآن في البلدان العربية، يا الهي انها حمى قرمزية هذه الثورات التي تحدث في البلدان العربية هذه الساعة، وهل هناك من يجد اي تفسير آخر لما يحدث الآن، والبرهان اني تركت عائلتي بفعل هذه العدوى القرمزية التي اصابتني على حين غرة ودعتني الى ركوب الطائرة من قارة بعيدة حتى اكون بين الناس في جمعة الغضب العراقي، وشعرت ان تلك الجملة التي قرأتها مثل شيطان يمد لسانه امامي ويهزأ مني، تلفتت كمن يحاول الرجوع الى منزله بأية وسيلة ولا يتورط بهذه السذاجة الثورية التي يأمل من خلالها اشعال فتيل ثورة في البلاد، لقد ايقنت لحظتها ان لا جدوى من حضوري لتلك التظاهرة تحت نصب الحرية، مادامت الأسباب التي دعتني الوصول الى هناك لا تتعدى حمى قرمزية توغلت في عقلي دون شعور مني، لكني نظرت الى الكتاب مرة اخرى وقلت له بعد ان جرعت رشفة طويلة من زجاجة ابنة الكروم: – ويحك يا ستيفان .. ان الذي يحدث الآن في البلدان العربية من تظاهرات انما هي ما كنا نتوقعها ان تحدث قبل عشرات السنين .. ولكن لماذا تدفقت كل هذه الشجاعة من نفوس الشباب الآن؟ لماذا الآن؟ ترى هل ان محمد بو عزيزي التونسي الذي احرق جسده المتدفق بالربيع كان سببا جوهريا لكل هذه التظاهرات العجيبة التي شبت في البلدان العربية؟لقد طفح الكيل بحرمان الفقراء .. هكذا قلت مع نفسي والطائرة تحط برشاقة على مدرج مطار دبي، فكرت ان الغي الرحلة الى البلاد واعود الى منزلي في استراليا، لكن حوارا بين عربيين سمعته وانا بطريقي لإلغاء رحلتي على الطائرة التي تصل بي الى مطار البصرة جعلني اهرول سريعا حتى اصل الى البلاد، كان الحوار الذي دار بينهما كما يلي:وهل انت ذاهب حتى تضيّع عمرك على ثورة تشبه التي سبقتها؟لا هذه ثورة الشباب والفقراء .. ولابد ان اكون معهم في طرابلسالثورات متشابهات مثل كراسي الطغاةآه لكم اتمنى ان يكون الفقراء طغاة.كيف؟الفقراء طيبون حتى بطغيانهم.امام كاونتر تدقيق الجوازات قال لي الموظف الهندي بلغة انكليزية صافية ان الطائرة التي ستقلع الى مطار البصرة تأجل طيرانها الى موعد غير معلوم، حملت حقيبتي الصغيرة على ظهري وشعرت اني احمل اصغر ابنائي وكادت دمعة الأب تنزلق من عيني لكني وأدتها بجرعة قوية من بطحية ابنة الكروم التي احملها بجيبي، وخرجت من مطار دبي الى جهة اخرى اجد بها واسطة نقل تحملني الى البلاد .. وحملتني الباخرة ‘مردف’ الى البصرة بعد ليلة ونهار، كان الذي يفصلني عن يوم جمعة الغضب تحت نصب الحرية ساعات معدودة، ولذا حرصت ان يكوني سفري من البصرة مباشرة الى بغداد، لم امر على اهل زوجتي في البصرة، لكني هاتفت اخي الأكبر بعد ان القمت تلفوني النقال شريحة من احد محلات العشار وقلت له:- انتظرك في بيت اختي .. لم يصدق ان صوتي جاء من البلاد اليه، عدت وقلت له:سأراك هناك ونتحدث كثيرا .. الى اللقاء حين وصلت الى بغداد مساء الخميس وهبطت من الحافلة في مرآب النهضة غيرت بوصلة اتجاهي فجأة والغيت فكرة المبيت في بيت اختي الراحلة والكائن في حي الشرطة الرابعة، وشعرت بالارتباك والغربة .. كما لو ان البلاد التي اقف على ارضها الطاهرة لا تعرفني ولا اعرفها، كنت اشبه بمطارد مشبوه دخل الى ارض مجهولة بشكل غير شرعي، كدت اضيع فلقد تغير كل شيء بهذا المرآب الذي طالما كنت اشحن جسدي المتكفن بالخاكي منه الى الجبهات في حربنا مع ايران، ضاعت خريطة بغداد من ذاكرتي وفقدت القدرة على اختيار الدرب الذي يوصل بي الى ساحة الميدان او الى ساحة الطيران، كل شيء تغير .. اومأت الى سيارة تاكسي وبعد ان جلست الى جنب السائق الذي كان في مقتبل الوجع والألم قلت له:احملني الى فندق لا تنعق الى جنبه صفارات سيارات الشرطة .. ضحك الفتى وقال لي:الفندق الذي تريده لا وجود له في بغداد .. لأن هذه الصفارات تسمعها حتى في المنطقة الخضراء .. هاتفت اخي الأكبر وسألته عن الفندق الذي يؤمه عندما يجيء الى بغداد بين حين وآخر .. فاجأني قائلا: تعال الى فندق ‘سندلوس’.. فلقد وصلته قبل ساعة لأن الطريق الى بيت اختنا مغلقة بسبب عبوة ناسفة .. اغلقت الهاتف وقلت لسائق التاكسي:- خذني الى فندق .. هل تعرفه؟تبسم السائق الذي حرص ان يضع الجل اللامع على شعره البني وقال بخبث:- قل لي من البداية انك تبحث عن ليلة حمراء ..كان اخي ينتظرني في باب الفندق الأنيق منتشيا بإبنة الكروم التي شربها .. تعانقنا بشراسة الشوق الذي يعصف بصدرينا، سنتان ونصف مرت على آخر فراق، فلقد زرت البلاد حينها حتى احمل جثمان والد زوجتي الى مقبرة النجف، بعد اسبوع من ملازمته في مشفى البصرة التعليمي حتى فارق الحياة، شعرت ان اخي الأكبر غير مصدق بمثولي امام ناظريه .. لم يبك لحظتها ، لكني حين ارتقيت معه السلالم المؤدية الى غرفته رأيت قطرات الدمع تهطل من عينيه وتسقط تباعا على قميصه الرمادي، وثمة دمعة سقطت على حافة السلم وتشظت مثل نيزك بعيد في السماء، لم تكن لدي اية رغبة بالبكاء، بل ان الدمع كان بعيدا جدا عن ضفاف عيني، ربما سنوات المنفى الطويلة جففت اخر العبرات في مقلتي، في الغرفة الفارهة والأنيقة جلست معه وامضينا الليل مع ابنة الكروم حتى الفجر نغني احيانا أغاني عراقية حزينة ونتحدث تارة اخرى عن الثورة التي ستنفجر صباح الغد تحت نصب الحرية .. وشعرت من حديثه الفاتر كما لو ان الثلج يربض على صدره بينما كانت نيران جهنم تستعر في صدري، لم يكن متفائلا بالتظاهرات التي ستحدث بعد ساعات، بينما كنت اظن ان غداءنا سيكون في المنطقة الخضراء مع الفقراء وانضمام الجيش الينا بعد اكتساحنا لجميع الحواجز الكونكريتية، كنت على يقين لا يقبل الشك ان الفقراء سيهزمون الظلام والجور والحرمان والساسة اللصوص خلال ساعات .. ولما غفا اخي الأكبر .. ذهبت الى شرفة الغرفة اتأمل بغداد ساعة الفجر .. كان كل شيء امامي يفصح عن حزن عميق، المصابيح الشحيحة بنورها، والبنايات الشاهقة المعتمة التي تشبه بنايات ضخمة بحاجة الى حنجرة بحجم البلاد حتى تطلق انينها المكتوم، نهر دجلة مظلم كما لو ان موجه حراشف سمك تفحمت بالنار، الأرصفة التي تشبه اصابع الكادحين، الحوانيت المغلقة بالأقفال الكبيرة والكثيرة، ومنائر الجوامع التي بدأت تردد صوت أذان الفجر بصوت مرتعش يشوبه القلق والخوف ..الله اكبراشهد ان محمدا رسول الله ..بينما كانت هناك منائر اخرى تردد بثقة وقوة واضحة ..اشهد ان عليا ولي الله .. اخرجت كتاب ‘عالم الأمس’ من الحقيبة على امل مواصلة القراءة لكني قرأت منه صفحة واحدة والقيت به على الطاولة وعدت الى سريري الناعم الفراش وغفوت عليه، كنت اتمنى حينها ان لا اصحو من منامي ابدا .. لكني افقت بعد حين ورأيت اخي الأكبر يتناول فطوره بهدوء وسكينة .. لم افطر معه .. وخرجنا من الفندق الى ساحة التحرير، توقفت لدقائق وشربت شايا عراقيا طيبا على عجل من مقهى صغيرة على الرصيف.. كانت الشوارع شبه خالية .. والطرق مغلقة بكتل الكونكريت، ليست هناك من حركة في الشوارع الا لسيارات الشرطة والجيش والهمرات التي جثمت في كل الأماكن، شعرت اني اجرجر خطاي في جبهة حرب غير معلنة، وثمة مواكب متفرقة من الشبان يسيرون جماعات على الرصيف وكان بعضهم يحمل علم العراق ولافتات مطوية تحت آباطهم .. سألني اخي الأكبر بحيرة:رأيت الكتاب الذي ارسلته اليك على الطاولة؟اجل لقد حملته معي حتى اقتل بمطالعته ساعات الطيران الطويلة.كم ساعة طارت بك الطائرة؟عشر ساعات ونصف .. وعند ساحة كهرمانة استوقفتنا سيطرة عسكرية وطلبت المعاينة بوثائقنا بعد تفتيش جسدينا بجهاز صغير يشبه العصا كان يحمله بيده احد الجنود الذي قال بنبرة متوترة غارقة بالسخرية:- تريدون اسقاط الحكومة اليس كذلك ..؟ من استي ستسقطونها ..وانبرى جندي آخر قائلا لحشد من الشبان وقفوا بالطابور بغية تفتيشهم:- انصحكم بالعودة الى عوائلكم .. لأن الجحيم سينتظركم تحت نصب الحرية ..ورد عليه الشبان بهتافات التحدي:- بالروح بالدم .. نفديك ياعراق ..اخيرا وصلنا الى نفق الباب الشرقي واندمجنا مع الحشود الغفيرة الواقفة تحت نصب الحرية التي تعالت هتافاتها المجلجلة وعند انتصاف الظهيرة تصاعدت وتيرة الهتافات وصارت اكثر جرأة :- كذّاب .. كذّاب .. كذّاب نوري المالكي .. كذّاب.ورأيت سورة الغضب تشتعل في عيون الجند الذين شكلوا حلقة محكمة بالأسلحة الحديثة والهراوات الغليظة لحصارنا، وماهي الا دقائق حتى سمعنا صوت لعلعة رصاص عشوائي في السماء، لحقته اصوات قنابل صوتية متفرقة، حاول اخي الأكبر ان يأخذ بيدي الى الشارع المحيط بالنفق بسبب الزحام وتفاديا من المخاطر، لكني رفضت الانقياد الى رغبته وفضلت البقاء مع المتظاهرين، وبينما كان يتوسلني ان اتبع خطاه لمحت بعض اصدقائي من الشعراء بوجوه مغبرة يهتفون بحناجر ملتهبة بوجوه الجند، كنت احرص ان لا يراني احد منهم، لأني صراحة كنت اسعى للاشتراك بالتظاهرة بالخفاء لشعوري ان جهات حكومية معينة تتمنى وقوعي بفخها حتى تذقيني مر العذاب بسبب المقالات النارية التي كتبتها ضدها، ولما رأيت عدسة كاميرا على مبعدة عشرات الأمتار من مكان وقوفي تحاول التقاط صورتي ويبدو ان مصورها قد عرفني .. تملصت من امام العدسة واختفيت بين زحام المتظاهرين .. وهمس لي اخي الأكبر:- لنبتعد الى شارع السعدون .. يبدو ان هذا المصور يعرفك.لكن المصور لحق بي وصافحني بحرارة وقال:- ماهذه المفاجأة؟- اية مفاجأة؟ يا اخي ..- اليس انت ..وردد اسمي .. اجبته بفتور:- انت متوهم اخي .. – عفوا .. ولكنك نسخة طبق الأصل من شاعر اعرفه غادر الى استراليا- يخلق من الشبه اربعين ..انصرف المصور عني .. ولم تسعفني ذاكرتي التي بدأت تشيخ بالتعرف على ذلك المصور الذي كان ودودا معي .. فجأة تساقط رذاذ ماء ساخن على وجهي، لقد فتحوا خراطيم المياه الساخنة على المتظاهرين، بينما حلقت طائرات مروحية فوق رؤوسنا بعلو منخفض جدا وبسبب عصف الريح القوية التي سببتها حركة المراوح العملاقة الجاثمة على ظهرها تطوحت بعض اللافتات واللوحات الكارتونية من اكف المتظاهرين وتصاعدت زوابع الغبار والأتربة وغطت جميع الوجوه، وبرغم خطورة الوضع الذي تأزم فجأة سمعت احد الشبان يقول لصاحبه ساخرا:- انها طريقة مبتكرة من المالكي لكنس الشوارع بالطائرات السمتية ..ازداد اوار الغضب في صدور الشبان المتظاهرين بعد ان سقط زملاء لهم برصاص مطاطي اطلق عليهم من مسافات قريبة، ورأيت قطرات الدم النازفة من وجه احد الشبان اليافعين تطرز احد الأرصفة حتى استدارت وجوه حشود المتظاهرين نحو بناية المطعم التركي المهجور ورفعت الأيادي تهتز بعنف منددة بزمرة حكومية وقفت بالطابق العلوي من البناية تراقب المتظاهرين بدم بارد قيل ان بينهم كان نجل رئيس الوزراء، بينما عادت خراطيم المياه الساخنة تنهمر على اجساد الناس، ورأيت احد الشبان يسقط مغشيا عليه بفعل تيار الماء القوي الذي صوب على جسده لسوء حظه من مسافة قريبة .. اندفعت مجموعة من الشبان وحملوه على عجل من المكان ، حينها احسست ان الحكومة فقدت اعصابها وان الجيش على وشك الالتحام بقسوة مع المتظاهرين .. ابتلعت حبة ضغط واخرى ضد داء السكري الذي يبدو انه ارتفع بشكل غير طبيعي في مجرى دمي، وبدأت قطرات العرق تتساقط من جبيني وادرك اخي الأكبر ان حالتي الصحية قد تدهورت فأسندني على كتفه وابتعد بجسدي الذي سبح بالعرق الى منطقة بعيدة عن التظاهرة ..بعد ساعة وصلنا الى الفندق من جديد .. ورأيت مكتبا للنت في الصالة فجلست امام الحاسوب وكتبت مقالا اسجل به انطباعات اولى عن التظاهرة ارسلته الى احد المواقع الألكترونية. كان بعنوان ارفعوا العلم العراقي فوق السطوح .. ولما عدت الى اخي الأكبر وجدته بوجه طاعن بالحزن ويكاد حزنه يسيح من عينيه في الكأس الموضوعة امامه .. قلت له بثقة مترددة:- لقد ربحت المنطقة الخضراء الجولة الأولى .. ولكن لن تربح الجولة القادمة ..- ستربح جميع الجولات صدقني ..شعرت ان اجابته اشبه بصفعة مباغتة تلقيتها على وجهي .. وجلست على كرسي اسطواني بجواره وانا اطلب من النادل كأسا من ابنة الكروم عسى ان تزيل الاضطراب الذي كان يصاحبني تلك اللحظات ثم قلت له:- لو عرفت الحكومة يأسك هذا لقدمت لك هدية لا تقدر بثمن.اجابني بما لا اتوقعه بعد ان افرغ كأسه في جوفه:- اتعرف ان اليأس الذي يعشش في رأس شلش العراقي يفوق يأسي بكثير .. لكنه تظاهر للناس بالأمل لجمعة الغضب.- وهل كان حاضرا اليوم تحت نصب الحرية؟- لا اظن .. لأنه كان يعرف النتائج المخيبة مسبقا ..- متى رأيته؟تأملني بعينين لامعتين بالدمع وثمة طيف ابتسامة بعيدة تبزغ من بؤبؤيهما وقال لي:- لم اره .. لكني بعثت رسالة على بريده الإلكتروني قبل اسبوع وارسل لي ردا حمل تحية حارة لك وقال فيها ان اخاك الأستاذ يعرف بهؤلاء الأوباش اكثر مني.- هل قال ذلك حقا؟- اجل ..فجأة امسك اخي الأكبر بيدي وسألني برجاء حار:من هو شلش العراقي؟ هل تعرفه حقا ..؟اجبته بهدوء:انه .. هؤلاء الشبان الذين جاءوا يهتفون للحياة والحرية تحت نصب الحرية .لم يرق له جوابي .. وعاد يسألني:انا اخوك .. اريد جوابا شافيا عن شلش العراقي ..ستعرفه ويعرفه الناس جميعا عندما ينتصر الفقراء ذات يوم.طلب اخي الأكبر سيجارة مني برغم انه لا يدخن .. ثم قلت له ببرود قاتل ومهين:الشبان يتعذبون تحت نصب الحرية .. ونحن نشرب الجعة .. يالها من ثورة عرجاء هذه التي نحلم بها ..رفع سبابته بوجهي وهزها بتوتر ثم قال:لقد جئت من قارة بعيدة وشاركتهم المحنة لساعات تحت نصب الحرية .. الا يكفي ذلك يا اخي؟ من فعلها سواك .. اخبرني؟ربما هناك المئات غيري جاءوا من منافيهم ايضا ..صدقني لن يصل احدا من المنفى سواك .. بصحتك ..قرع كأسه بكأسي الفارغ مثل روحي تلك اللحظات ..تركته يستمتع بكأسه وصعدت الى الغرفة، حملت حقيبتي على ظهري ونزلت الى الصالة .. وقفت امامه وقلت له بصوت لم اتمكن السيطرة على عواطفه فخرج مبحوحا:سأعود الى عائلتي ..نهض وعانقني بضراوة ثم قال:هذا ما كنت انتظره منك ..كنت اتمنى ان ازور قبر امي وابي واختي ..اقترب مني وقبلني على خدي وقال بصوت مشبع بالأسى:- تأكد اني سأزور قبورهم صباح الغد بالنيابة عنك ..خرج معي حتى وصلنا الى مرآب النهضة ومن هناك انطلقت بجسدي مركبة حديثة الى البصرة، وصلت مساء وزرت اهل زوجتي ثم انتقلت بعد ساعة الى بيت صهري وجلست امام حاسوبه ارى بريدي .. وفجأة دخل على شاشة الحاسوب صديقي الشاعر خزعل الماجدي:اين انت .. قلق عليك؟في البصرة .. سأعود بعد يومين الى استرالياعظيم .. خير ما فعلت ..صباحا ركبت الباخرة مردف مرة اخرى وبعد ليلة ونصف وصلت الى دبي .. وها انا الآن اجلس بين عائلتي .. اقرأ بكتاب ‘عالم الأمس’ .. وافكر بكلمات ستيفان تسفايج التي تقول:كان لابد ان تمر بضعة اعوام قبل ان افهم ان المحن تتحدى الإنسان ، والإضطهاد يقويه، والإعتزال يرفعه، شريطة الا تحطمه، وشأن جميع الأشياء المهمة في الحياة، فإن هذه المعرفة لا يستمدها المرء من تجارب الآخرين ..بل من قدره الخاص فقط ..اغلقت الكتاب وتذكرت الحرب التي دخلت غمارها لسنوات طوال .. وان الدمار الفظيع الذي نجم عنها لم يتضح الا بعد ان ارتفع دخانها.. ولذا ارى الآن ان هتافات الناس تحت نصب الحرية لن تصل الى اهدافها ما لم تطرزها بوضوح ساطع دماء الحرية.ــــــــــــــــــــــبيرث 11/3 / 2011شاعر عراقي مقيم في استرالياشلش العراقي : كاتب لا تعرف هويته الحقيقية حتى الآن .. كتب بمواقع النت بلغة تهكمية ساخرة ولاذعة ضد الظلام مما جعل له شعبية عريضة بين الناس في البلاد وخارجها ايضا.