يعبث الهواء بفستانها المعلّق على الحبل فوق سطح البيت الأرخص إيجارا في حيّ ‘الرّياض’. من الشبّاك الخشبيّ تراقب مريم تدفّق النّاس في شرايين المدينة الملتوية والمخضّبة بالأشجار الخضراء فأمطار الشّتاء التي لا تجد مأوى ترابط في الشّوارع أياما وليالي لتعتني بالأشجار والأعشاب النّابتة بين الشّقوق وعلى العتبات. عليها أن تنتظر بعض الشّمس والرّيح حتّى يجفّ فستانها فهو الوحيد اللّائق بمثل هذه المناسبات التي ننتظرها أياما ونتخيّلها أثناء متابعة أثار أقدامنا على الطريق. لكنّه كان أيضا الفستان الوحيد في خزانتها فبقيّة الملابس سراويل دجين وقمصان تصلح أكثر للجلوس وراء ماكينة الخياطة التي أرهقت ظهرها وركبتيها. رنّ هاتفها الجوّال: – صبّو الشهريّة… في سيدي بوزيد ينتظر الأب بلقاسم حوّالتها البريديّة وقد يطمع في زيادة فأسعار العلف قد ارتفعت ومصاريف علاج الأخت الكبرى لن تنتهي إلا بوفاتها فالتّخلّص منها بالزّواج بات أمرا مستحيلا. ارتدت فستانها وبحثت عن حذائها الوحيد ذي الكعب العالي بين الأحذية الرّياضيّة المريحة للقدم عند المشي الطّويل نحو المصنع أو الجري خلف الحافلة صباحا. صاحب البيت ينتظرها لتدفع نصيبها من الإيجار فهو يؤجّر البيت حسب سكّانه ولولا عزّوز ‘باندي’ الحومة لما سلمت من مضايقاته التي تطال بقية زميلاتها. نزلت الدّرج مسرعة بفستانها المزهر وكعبها العالي. يجب أن تصل مكتب البريد وتنتظر طويلا في طابور يزدحم بمثيلاتها. عزّوز ينتظرها لتراه غدا السّبت. قد تجبره على اصطحابها إلى المقهى فهو يكره الإختلاط بالنّاس ويفضّل قهوة ‘عربي’ من يديها. على صدره الخشن تنسى سيدي بوزيد وتنسى ماكينة الخياطة. تنتشي برائحة سجائره الرّخيصة ورائحة عرقه فهو إن حاول تدبّر أيام عمل كانت ‘المرمّة’ حلّه الوحيد. – لديك في رصيدك 170 دينارا فقط… السّاعات الإضافيّة التي قضّتها في المشغل بعد وقت العمل لم تشفع لها الأيام التي تغيّبتها. يحلو لها أن تنهض متأخّرة عقب كلّ ليلة تقضّيها بين أحضان عزّوز. يحلو لها أن تراقبه ينهض كطفل كبير. استلمت المائة والسبعون دينارا. رقم غير قابل للقسمة على الأب والإيجار وعزّوز ومصاريفها البسيطة. لا خيارات كثيرة أمامها. مسالك متشابكة توصلها دوما نحو التّفكير إمّا في مغادرة العمل نحو رتابة الفقر في سيدي بوزيد أو مغادرة الحياة لتتحوّل إلى آلة تتحرّك مفاصلها وفق رتابة تشغيل ماكينة الخياطة. اقتطعت نصيب الإيجار وأعادت احتساب ما تبقى. واصلت المشي بين شرايين الفقر رأسها مغروسة في الطريق تتشاغل بعدّ الأشجار. كلّ شجرة ورقة نقديّة تنتظر اسما في حوّالة بريديّة. صوت طقطقة الكعب العالي على الإسفلت وتمايل فستانها بين نسمات الرّبيع تعيدها من نفق الحسابات الذي ما انفكّ يضيق. أصوات المارّة وأبواق السيّارات وسماء الربيع تطرد كلّ الأشباح التي سكنت رأسها لتتشاغل بواجهات المحلاّت. استدارت نحو محلّ كثيرا ما راقبته. دخلت واتّجهت صوب ركن الملابس الدّاخليّة. لون السّماء الأزرق هو اللّون المفضّل لدى عزّوز مع بعض الدّانتيل وقميص حريريّ من نفس اللّون. أمّا ما تبقى من ‘الشهريّة’ فيكفي لتأثيث سهرة الغد ببعض اللّحم وقنان من النبيذ الأحمر والكثير من الّتبغ.