د. حسن عبد ربه المصري لا يصدق عاقل أن مغادرة المتهمين الأجانب في قضية المنظمات المدنية التي كانت المحاكم المصرية تنظرها منذ منتصف شهر ديسمبر الماضي للأراضي المصرية، تم بلا تنسيق وتدبير من أولي الأمر في كل من القاهرة ووشنطن.. لا يصدق مراقب للشأن المصري يتابع عن كثب التصعيد بين الطرفين حول هذه القضية التى اعتبرت جنائية من أول لحظة.. ويلاحق ما نتج عنه ـ أي التصعيد – من خطاب سياسي مصري ‘عنتري’ تحدث طويلا عن ‘ضرورات’ صون السيادة المصرية والأستعداد للزود عنها بكل نفيس وغال، أن ينتهي الأمر إلى ترحيل للمتهمين بهذه الكيفية التي زعزعت ما بقي من ثقة في السلطات الممنوحة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بصفته مسؤولاً عن إدارة شؤون البلاد حتى تنتهي الفترة الإنتقالية.. وما حظيت به حكومة الدكتور الجنزوري من بعض التعاطف.. لا يُصدق الضمير الجمعي للغالبية العظمى من المصريين الذين وقفوا إلي جانب الطرفين المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئاسة الوزارة الإنتقالية وايدوا حق الدولة المصرية في محاكمة من وصفوا بأنهم ‘مارسوا تدخلاً سافرا في الشأن المصري’ على المستويين المادي والمعنوي، أن تنتهي قضيتهم تلك النهاية المأساوية التي طعنته أي الضمير الجمعي – في شرفه عندما أدرك أن كرامته أُهينت أبلغ إهانة.. نعرف أن العلاقات الدولية معقدة وكثيرة التعاريج، وأن فيها ما هو معلن وما هو خفي، وندرك أن ما يظهر منها هو رأس جبل الجليد فقط.. ونعرف عن يقين ان علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بأي نظام حكم في أي مكان من العالم لا يتمتع بالقدر الكافي من الديموقراطية والشفافية، يمنح واشنطن دائماً الفرصـــة تلو الفرصة أن تملي عليه شروطها ومطالبها وتوجيهات بلا عقلانية أو إستعداد للمناقشة.. لذلك لا يستغرب المحللون ما تتكشف عنه الوثائق التي يسمح بنشرها بين حين وآخر، من إتفاقات وصفقات وترتبيات بين المؤسسات الأمريكية كالخارجية ووزارة الدفاع ولجــان الكونجرس والأجهزة الأمنية، تملي على نُظم الحكم تلك سلوكاً سياسياً يتعارض مع أحكام وقواعد القانون الدولي وتفــرض عليها ان ترتكب أبشع الجرائم بإسم حقوق الإنسان وتدفعها بالقوة لشن الحروب تحت شعار الدفاع عن المظلومين ومقاومة الإرهاب.
وهذا الذي جرى في مصر بين عشية وضحاها (عشية كان الموقف المصري فيها يعتز بوطنه ويدافع عن كرامة مواطنيه، وضحي أُهدرت فيه مقومات الوطن السيادية وانتهكت فيه حرمات المواطن على الملأ) يشير بإصبع الاتهام إلى صفقة مريبة جرت بين من بيدهم القرار في مصر، وبين صُناعه في الولايات المتحدة الأمريكية.. صفقة كان الهدف من ورائها تسفير المواطنين الأمريكيين وفي صحبتهم صربيان ونرويجيان وأربعة من جنسيات أخرى الى خارج الأراضي المصرية في أسرع وقت ممكن قبل إستكمال محاكمتهم، بغض النظر عما يمثله ذلك من إعتداء على سيادة الوطن وكرامة المواطن.
الإعتداء علي سيادة الوطن وكرامة المواطن بدأ قبل يوم الإفراج والترحيل بفترة وجيزة عندما مورست موجات الضغط المتتالية على رئيس المحكمة المستشار محمد شكري لكي يرفع عن المتهمين قرار المنع من السفر.. وتواصلت حتى إضطر الرجل للتنحي عن نظر القضية بسبب استشعاره للحرج بعدما رفض الإستجابة للضغوط التي قيل أن رئيس محكمة الإستئناف المستشار عبد المعز ابراهيم مارسها ضده لعدة أيام.. الإعتداء على سيادة الوطن وكرامة المواطن تواصل عندما تشكلت دائرة قضائية للنظر في القضية تحملـــت وصمة إصدار قرار برفع الحظر الذي كان مفروضاً على سفرهم، وهذا أمر خارج عن حدود التفويض القضائي الذي منحته الجمعية العمومية لقضاة محكمة إستئناف القاهرة لرئيس المحكمة.. مما يجعل قرار تشكيل الدائرة الجديدة ‘ باطلاً ‘ لخروجه المعيب عن حدود التفويض.. الإعتداء على سيادة الوطن وكرامة المواطن ترسخ عندما سمح رئيس محكمة الإستئناف لنفسه بأن يٌشكل لأول مرة ما يسمي ‘بدائرة التظلمات’ التي أصدرت قرار رفع منع السفر.. مما يُعد بمثابة إختراق للسلطة القضائية لأنه قرار غير قانوني ويُعد سابفة في تاريخ القضاء المصري لأن مثل هذا القرار منوط فقط بالمحكمة التي تنظر القضية.. الاعتداء على سيادة الوطن وكرامة المواطن تمادى في غيه عندما وصف البعض بأن قضية تمويل منظمات المجتمع المدني جنحة وليست جناية، بالرغم من أن هذا التوصيف هو ما عرفت به منذ منتصف شهر ديسمبر الماضي وفقا للفقرة ‘د’ من المادة ’98’ من قانون العقوبات التي ‘تعاقب بالسجن لمدة لا تزيد عن خمس سنوات كل من تسلم أموالاً أو منافع من شخص أو هيئة خارج مصر أو داخلها بهدف تخريب البلاد’ وهي القرينة التي ثبتت صحتها في حق جميع المتهمين المصريين منهم والأجانب.. الاعتداء على سيادة الوطن وكرامة المواطن تعمق عندما أرتضت دائرة التظلمات ما لم يقبل به المستشار محمد شكري عندما رفض الإستماع لطلبات الدفاع عن المتهمين ‘المتغيبين عن حضور جلسات المحاكمة’، لأنه لا يجوز لمحامي المتهم الذي لم يحضر إلى سراي محكمة الجنايات ان يشارك في جلساتها ومن ثم لا يحق له أن يتقدم باي طلب أمامها.. الضغوط الأمريكية ضد مصر ‘ نظاما وشعبا ‘ لم تتوقف.. أمطروا الجميع ـ الشعب المصري ونظام حكمه المؤقت – بتصريحاتهم الرسمية وتهديداتهم النيابية وتعليقات اعضاء الكونجرس التهكمية ووجهات نظر المرشحين لمنصب الرئيس التعسفية.. في نفس الوقت قدم إلى القاهرة كبار المسؤولين السياسيين والحزبيين والأمنين والعسكريين يؤكدون صدق التهديدات وسوء نية التحضيرات التى كانت كلها تدور حول النقاط المحددة التالية.. التهديد بقطع المعونة الأمريكية العسكرية والإقتصادية 2- إمكانية التأثير على المنظمات المالية الدولية لتعطيل ووقف أي معونات عاجلة يحتاجها الإقتصاد المصري في المرحلة الراهنة 3- مواصلة الضغط لمنع وصول المساعدات العاجلة التي وعدت بها بعض العواصم العربية 4- غض النظر عن أي إستفزازات إسرائيلية على الحدود الشمالية للبلاد 5 تأجيل النظر في تنفيذ الكثير من المشاريع الثنائية التي سبق وأقرها الطرفان لا نجادل في ‘ محدودية ‘ قدرة المناورة السياسية المتاحة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلسه الإستشاري إن كان قد أُستشير في مثل هذا الأمر وحكومة الدكتور الجنزوري لمجابهة هذه الضغوط التعسفية التي كشفت عن وجه أمريكا القبيح.. ولكننا كنا نراهن على ‘ لا محدوديـــة ‘ قدرة الشعب المصري على أن يحتضن قرارات المسؤولين عن إدارة شؤونه السياسية والسيادية فيما لو كشفوا له عن ما يتعرضون له من ضغوط وإستفزازات.. فلو أن المجلس العسكري أو حكومته كاشفوا الشعب بما يجري من إتصالات تهدف إلى تسفير الأجانب المتهمين لأجل تخفيف الضغط عن الوطن المصري، لكان خيراً لهم.. ولو أنهم عرضوا على قواه السياسية جوانب الصفقة بلا إنكار أو تلوين، لوجدوهم جميعاً إلي جانبهم يشدون من أزرهم.. ولو أنهم تمتعوا بالشفافية والمصداقية ولم يلجأوا إلي التصعيد الممجوج والإلتفاف على الحقائق التي قادتهم إلي رفع شعار ‘الشعب المصري يجوع ولا يتسول’، لكان أكرم لهم بدلاً أن يدنسوه بمواقف جعلت كل فرد يشعر أن بيته قد أُنتهك ونفسه قد استذلت.. ‘ استشاري إعلامي مقيم في بريطانيا