لا قيمة للاتفاق مع الرئيس الفلسطيني في ظل هذا الوضع
التحضيرات للمؤتمر الاقليمي المُزمع تتقدم الي الأمام علي أفضل ما يرام كما يبدو للوهلة الاولي. رئيس الوزراء اهود اولمرت ورئيس السلطة محمود عباس يقتربان من الاتفاق علي وثيقة مبادئ مشتركة. ولكن الاوضاع علي الارض بقيت مرهقة مُتعبة كما كانت. في ظل الوضع القائم في مناطق الضفة وغزة، كل الأحاديث حول وثائق ومؤتمرات ومبادئ لا تساوي الكثير. يتوجب مشاهدة عناوين الوسائل الاعلامية العربية عموما، والاعلام الفلسطيني خصوصا، التي تتحدث يوميا عن القتلي والجرحي والأحداث التي تُعتبر مجازر أو قتلا بدم بارد، وضم تقارير مجموعة نساء محسوم ووتش التي تتحدث عن التنكيل والاهانات ـ من اجل الادراك بأن المسافة بين الافعال والاقوال شاسعة جدا.
التركيز الحالي علي بنود المبادئ ـ الحدود المؤقتة، أحياء القدس، ممر بين غزة والضفة، الحوض المقدس، الكتل الاستيطانية وعودة اللاجئين ـ يبدو الآن كتصفح للصفحات البالية في كتاب قديم. في السنوات التي مرت منذ اتفاق اوسلو قلّب ممثلو الجانبين هذه المسائل مرارا وتكرارا حتي الملل. قبل سبع سنوات اندلعت المجابهات الدموية في اطار انتفاضة الاقصي، وفي غضون ذلك مات عرفات مريضا أو اغتيالا وبُنيت جدران وأسوار فاصلة توشك علي الانتهاء، وفي غزة فُرض حكم حماس غير المستعد للمساومة، وانقسم الوطن الفلسطيني الي شطرين. علي هذه الخلفية تبدو أوراق كامب ديفيد 2000، ومعها وثائق طابا ومشروع كلينتون، كوصايا عتيقة جيدة للباحثين في التاريخ، وليس للسياسيين الذين ينبشون في الحاضر.
استطلاع للرأي نشره في نهاية الاسبوع مركز القدس للصحافة والاعلام بادارة غسان الخطيب الذي كان وزيرا للتخطيط في الحكومة الفلسطينية، يؤكد هذه الادعاءات. منذ أن اخطأت استطلاعات الرأي الفلسطينية في تقديراتها لنتائج الانتخابات البرلمانية، ولم تتوقع انتصار حماس الدراماتيكي، أصبح هناك ميل للتشكيك في مصداقية هذه الاستطلاعات، ولكن في هذه الحالة يتعلق الأمر بعدة نتائج لا يمكن التشكيك فيها. النتيجة الأبرز هي ان 94 في المئة من الفلسطينيين تقريبا يعارضون أية سيطرة اسرائيلية علي الاقصي – لا في الأعلي ولا في الأسفل. النتيجة المثيرة الاخري هي ان 82 في المئة من العينة لا يوافقون علي بقاء الكتل الاستيطانية تحت السيطرة الاسرائيلية. والأهم من كل ذلك: 70 في المئة تقريبا يؤيدون عودة كل اللاجئين الي وطنهم (أي الي داخل دولة اسرائيل)، وهم يرفضون أفكار التعويض وعودة جزء من اللاجئين أو حق العودة للدولة الفلسطينية فقط.
اذا قارنا هذه المعطيات وأشباهها بمعطيات الاستطلاعات التي جرت في الماضي، يكون من الواضح أن هناك تطرفا قد طرأ علي مواقف الجمهور الفلسطيني. حقيقة أن عملية السلام قد فشلت، وأننا نمر في ازمات تترافق مع سفك دماء متواصل، وأن الضائقة الفلسطينية تتزايد، لم تحول الجمهور الفلسطيني الي جمهور أكثر اعتدالا بل بالعكس. الاستنتاج هو أن المشكلة لا تكمن في السياسيين الفلسطينيين وانما في الجمهور العريض. أي امكانية الضغط علي أبو مازن وعلي أعوانه واقناعهم بالتنازل والتسوية، ولكن ذلك لن يُغير من الأمر شيئا. الأمر الضروري هو اقناع الشعب، ومن الممكن القيام بذلك من خلال الاقتصاد فقط. في الاسبوع الماضي زُرت مع اصدقاء لي رئيس بلدية الخليل خالد عسيلة. عسيلة حدّثنا عن المشكلات التي يواجهها في إمدادات الكهرباء والمياه، وخصوصا البطالة المتزايدة في مدينته. الخليل كانت ذات مرة مركزا هاما لصناعات الاحذية المصدرة الي اسرائيل والخارج، والآن أدت البضائع الرخيصة المستوردة من الصين الي تدمير كل شيء. علي حد قوله، جهاز الأمن الاسرائيلي سيُنهي عما قريب بناء الجدران والمعابر الحدودية في ترقوميا، وعندئذ ستنزل علي رأس جبل الخليل ضربة قاضية لان عدد الشاحنات التي ستمر عبر حاجز ترقوميا يوميا سيقل بكثير. خالد عسيلة يناشد، ويتوسل تقريبا، حتي يُعطوه المزيد من تصاريح المرور للعمال حتي يعملوا في اسرائيل ويقول انه اذا لم يفعلوا ذلك فستصبح الخليل غزة رقم 2 . بكلمات اخري، طالما بقيت اسرائيل ترفع الأسوار والجدران وتحول الفلسطينيين الي حال أكثر فقرا ـ فان كل الأحاديث الجميلة والمزوقة حول مبادئ التسوية لا تساوي شيئا.داني روبنشتاينمحلل خبير للشؤون الفلسطينية(هآرتس) 27/8/2007