رشاد أبوشاور
اختار القاص والروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي أن يعيش مع الفلسطينيين في تونس بعد رحيلهم عن بيروت، وبعد مغادرته وطنه العراق، دون أن يعلن أنه معارض مضطهد، واتخذ من تونس وطنا ثانيا له، وأسس أسرة جديدة بزواجه من القاصة الموهوبة رشيدة الشارني، وإنجابه (سومر) العراقي التونسي الذي بلغ السابعة عشرة ولم ير بعد وطن أبيه.. ووطنه: العراق. في تونس لم يقعد الربيعي متحسرا، نادبا، متفجعا، متاجرا بغربته.. فهو كاتب مخلص للكتابة التي هي همه الحياتي، والكاتب ينتج كتابة تبرر حياته، وتعطيها قيمة ومعنى.
في تونس أضاف الربيعي لرصيده الأدبي القصصي والروائي عديد الأعمال القصصية والروائية، وأصدر كتبا تضم مقالاته النقدية، وأجزاء من سيرة حياته، وكتاب استذكار لوجوه عراقية حبيبة إلى قلبه، أعاد لها الحياة على الورق، ومنحها حضورا لدى القرّاء العرب الذين اطلعوا على تلك الكتابات التي تتميّز بالوفاء.
في عمله الروائي الجديد ‘هناك في فج الريح’ تمكن الربيعي أن يقدم رواية حزينة، ساخرة، فكهة، الجنس فيها تعبير عن تأزم حياة أشخاص وجدوا أنفسهم أمام جدران يصعب اجتيازها، والنفاد منها إلى حياة رحبة مشتهاة.
من واقع تجربته التونسية الفلسطينية كتب الربيعي روايته الجديدة ‘هناك في فج الريح’.. متح من تجربته ومعايشته للفلسطينيين في غربتهم، وقربه من حياتهم وهمومهم وآلامهم، وقدم لوحة غنية موّارة.
فج الريح منطقة مفتوحة أمام الريح الآتية من بين التلال المحيطة بتونس العاصمة، لا سيما أحياء المنازه، وبخاصة المنزهين السادس والتاسع، حيث عاش الربيعي في إحدى الشقق الواقعة في بناية تواجه (فج الريح) حيث تدمدم الريح في فصل الشتاء، وحتى في الصيف، وأحيانا في الخريف المتقلّب. تلك التي تهب من الفج لم تكن هي شاغل الربيعي، بل هي الرياح التي هبّت على حياته، وضربت سفينة أيامه، وطوّحت به على الساحل التونسي الذي أنقذ حياته من الغرق والتيه، كما هبّت على حياة شخوص روايته الذين منهم الفلسطيني والسوري والعراقي، والتونسية راضية المرأة المضطهدة في حياتها الزوجية التي ارتطمت حياة عبد الرحمن بحياتها، وبينهما نشأت علاقة جسدية محمومة، فهربا بالجنس من توتر حياتيهما وأزمتيهما، ليغرقا في علاقة جنسية عابرة بدون حميمية.
اختار الربيعي زمنيا لروايته لحظة مغادرة الفلسطينيين لتونس بعد اتفاقية (أوسلو)، حين رحل كثيرون ميممين وطنهم الحلم، وواجه كثير من المناضلين القدامى لحظة عسيرة غير متوقعة، إذ لم تكن لهم فرصة للعودة مع العائدين، وهؤلاء بعضهم فلسطينيون عاشوا في العراق، وهم مع آخرين بلا جوازات سفر، وبلا أمكنة تستقبلهم، وهكذا فهم يعيشون التيه من جديد، وقد بلغوا من العمر عتيا، حين تخلت عنهم قيادتهم وتركتهم للضياع والتشرد، وتمزق العائلات وتشردت من جديد! شخوص الرواية واقعيون غالبا، عرفهم الكاتب عن كثب بالمعايشة في غربته التونسية، ولفرط محبته وافتقاده لهم بعد رحيلهم جعلهم أبطالاً لروايته.
في الرواية شخصيات تونسية معروفة، صالح المذيع اللامع الذي مات مختنقا بالغاز في شقته المتواضعة، فترك حسرة في قلوب ملايين التونسيين الذين أحبوه حتى العشق.. وسعيد الزياني الذي يذكرنا بالكاتب أبوزيان السعدي الذي سيدهش القارئ بطرافته وغرابة أطواره أحيانا، وعجائب سلوكه مع مريديه من الكتاب الشباب.
الحوارات الفكهة بين شخصيات الرواية، الشخصيات الفلسطينية تحديدا، تأخذ القارىء إلى حياة الفلسطينيين الذين يضحكون وهم في ذروة مآسيهم، والذين بروحهم هذه يتغلبون على مصائب حياتهم، ويتحملون قلق رحيلهم الدائم وانعدام الاستقرار في حياتهم، والكاتب بتقديمهم كأنما يقول للقارئ: هكذا يصمد الفلسطينيون، وبهذه الشخصيات الغنية والفريدة والمتنوعة يبدعون وسط شقاء أيامهم، وفي أماكن غربتهم.
سيلتقي القارئ بأبي الفهود الكاتب الروائي خفيف الدم، وأبي ياسين العقائدي الذي يتشبث بالماركسية ولا يفقد إيمانه (البلشفي) رغم انهيار الاتحاد السوفييتي!
الشخصيات في الرواية ليست (كركترات) مصنوعة، بل هي شخصيات غنية، عميقة الإنسانية، صلبة، و.. ضاحكة في أحلك الظروف، ولعل ضحكها ازداد وهي تستعد للرحيل عن تونس إلى المجهول.. حيث فلسطين محتلة، وحيث بعض الراحلين يغادرون إلى مناف جديدة!
شخصيات حسان العراقي (الراوي)، وأبوالفهود وأبوياسين، فاتن عبد العزيز الطالبة، أبوجعفر، جمعة، أبوسليمان السوري، صالح المذيع التونسي، سعيد الزياني.. لن تفارق ذاكرة القارئ بسهولة بعد أن يفرغ من قراءة هذا العمل الروائي الممتع، الذي يُضحك كثيرا.. ويحزن كثيرا جدا!
للصداقة التي تجمعني والربيعي، والتي تعود لأربعين سنة خلت، والعيش المشترك معا في تونس، تعرفت بسهولة على شخصيات الرواية، وغبطت الربيعي على استخراجه من عمقها أدق مكوناتها، والتقاط اللحظة الفاصلة في حياة فلسطينيي الحقبة التونسية، فلسطينيي الرحيل إلى تونس والإقامة بها ثورةً وأفرادا بعد الرحيل عن بيروت عام 82 .. ثمّ الرحيل من جديد في مغامرة لم تكلل بدولة فلسطينية، بل بمزيد من المعاناة والموت!
علاقات الربيعي، وتجربته، وامتزاج عراقيته بفلسطينية المرحلة التونسية، ومعرفته بتونس العاصمة، وهي معرفة دقيقة وعميقة، وبالشخصيات الثقافية التونسية، مكنته من التقاط شخصيات ربما تدهش القارئ العربي بأفكارها، وسلوكها، وغرابة حياتها.. وطرافتها.
يتساءل حسان العراقي.. الراوي: إنني أتساءل الآن: أية أقدار تربطني بهذه المدينة؟ بهذا البلد؟ أغادره ثمّ أجدني وقد عدت إليه. وهذه المرة لا أعرف إلى متى سأبقى فيه. بعده إلى أين سأتجه؟ هل إلى عراق محاصر، وقبضة من نظام ثقيل؟ إلى أهل لم يتركوا شيئا إلاّ وباعوه من أجل أن يأكلوا كفاف يومهم، وهم المحتفون بالحياة ولذائذ الطعام؟ هي أسئلة. إنني الان فلسطيني، هكذا تقول أوراقي لدى وزارة الداخلية، وما هو مدوّن في بطاقة إقامتي.. كيف وأنا العراقي؟ حتى ان زملائي الفلسطينيين نسوا لقبي وصاروا ينادونني: حسان العراقي ( ص114)الربيعي العراقي كاتب هذه الرواية ما كان له أن يكتبها لو أنه لم يعش في تونس، ويتعرّف إلى الفلسطينيين وعذاباتهم عن كثب، وهذا ما يجعلنا على قناعة بأن التجربة، والمعايشة، شرطان من شروط الإبداع الروائي، لأنهما يمنحان الكتابة الروائية واقعيتها، ومصداقيتها، وحميميتها.. مع التذكير بأن الرواية ليست نسخا للواقع، ولا هي معلومات عن الجغرافيا، فالمكان الروائي هو العلاقة بين البشر والمكان.. المكان في زمنه، المكان غير الساكن.. المكان الذي تراه عين الروائي لا كما تراه عين السائح العابر.* صدرت الرواية في تونس عن منشورات (نقوش عربية) العام الجاري 2011