يلم خطواتي الطريق إلى قلب المدينة، فكراج البولمان يقع في أقصاها من جهة نهر الفرات، أمشي بمحاذاة ذكرياتي في المركز الثقافي، تلك الذكريات التي خسرت معركتها مع الأمل، لقد كنت هنا قبل أن أتناول وجبة الخوف، وأغادر أحلامي بالبقاء بين أهلي وأصدقائي الذين نثرتهم المأساة بكافة أصقاع المعمورة، على جانبي الطريق ينتشر باعة الخضار والفواكه بكثافة، وجمهورهم معهم، دائما يمكنك أن تميز البائع من الزبون، أراقب لغة أجسادهم، طالما تعذر عليّ سماع أصواتهم، ثمة حياة يمكن ملاحظتها في حركة الناس، في السيارات الكثيرة التي تعبر الشارع بالاتجاهين، في أصوات الباعة، وبالألوان التي طليت بها الجدران، وأبواب المحلات التجارية، أما النظافة العامة فقد كانت هي المفاجأة الكبرى، وكثافة الناس الموجودة في المدينة أيضاً.
في زيارتي السابقة، كان اللون الأسود سيد الألوان، لا بل هو الوحيد تقريبا الذي يشارك الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية بالوجود على الجدران، اللافت للنظر ليس غياب اللون الأسود وحسب، بل غياب الآيات والأحاديث أيضاً، لم أر مبرراً لوجودها سابقاً، ولم أفهم الغاية من محوها الآن؟ ثمة انتشار كثيف لعناصر «داعش»، ما جعلني أتساءل عن كيفية القضاء عليهم، خاصة أسلوب القصف الجوي الذي اعتمدته الدول الكبرى، فهم يعيشون بين الناس، لا بل أصبح الكثير من الناس يشبهونهم باللباس والشكل، فالذقن بالنسبة للرجال أصبحت سمة عامة، وبطبيعة الحال الرجال في الرقة يرتدون «الجلابيات» وهي ثوب فضفاض ينسدل على كامل الجسم، خاصة في فصل الصيف، سابقاً كانت الجلابية طويلة، تخب في الأرض إلا قليلا، سمعت أنهم منعوا ذلك، وقد رأيت ذلك فعلا. وهنا ثمة نقطة اختلاف بين لباسهم ولباس بقية الناس، فهم يرتدون الثوب الباكستاني أو ما يشبهه، والبعض يرتدي الجلابية القصيرة، أو بالأحرى الواضحة القصر، أما بقية الناس فإنها لم تعد ترتدي الجلابية الطويلة، أصبحت أقصر بما لا يتجاوز 10 سم عن سابق عهدهم، ويتميزون أيضا بسلاحهم الفردي، إذ أن كل من رأيته منهم، كان يحمل سلاحا، بمن في ذلك النساء! ولا وجود للسلاح بين أيدي بقية الناس مطلقاً. وغالبية من رأيتهم من عناصر «داعش» رأيتهم برفقة زوجاتهم وأطفالهم إن وجدوا، ربما هم خارج الخدمة الوظيفية حين يكونون في السوق، ذلك السوق الذي فاق تصوراتي عنه، فقد انتشرت فيه مطاعم الوجبات السريعة انتشارا واسعا، وهي تحتوي على الكثير من الأطعمة التي ليست معروفة بالنسبة لسكان الرقة، ولا أعتقد أن من بقي من سكان الرقة يتناول تلك الأطعمة، فهي موجودة للعناصر الوافدة، فتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» يقوم على المهاجرين «الذين التحقوا بالتنظيم من خارج سوريا»، والأنصار «الذين التحقوا بالتنظيم من المحافظات السورية»، وهذا ما جعلك تسمع لهجات ولغات عديدة أثناء وجودك في الشارع «تونس، ليبيا، مصر، الصومال، السعودية، العراق، الإمارات، المغرب، أذربيجان، الشيشان، أفريقيا، فرنسا، بريطانيا، أمريكا، إلى غير ذلك.. وهذا التشكيل البشري له ما يقابله من الأطعمة في المطاعم التي انتشرت بالمدينة، وبذلك أصبح لكل بضاعة زبونها الخاص، وثمة أكثر من مول رأيته، ولم يكن في السابق موجوداً، فهي وجدت مع وجود تنظيم الدولة «داعش»، وخاصة بعد أن أصبحت الرقة مقراً ومستقراً لأفراده وقياداته، وبهذه المولات ثمة بضاعة لا تتناسب أسعارها مع وضع الناس الاقتصادي، فهي للمهاجرين من عناصر التنظيم على ما يبدو، كأنواع الشوكولاتة الغالية الثمن، والعصائر والمشروبات والمثلجات والمكسرات والمعلبات وغير ذلك، وقد علمت فيما بعد بأن تلك الأصناف الغالية لا أحد يتناولها غيرهم، إلا بعض الذين استفادوا من وجودهم، ومن الملاحظات التي يعرفها الناس عنهم، هي تلك الشراهة في الطعام والشراب، والبذخ في الصرف على الملذات.
وصلت إلى دوار الساعة، وانعطفت يساراً لأمر بأكثر المناطق التي تعرضت للقصف بداخل المدينة «حي البياطرة، جامع الجراكسة، مبنى المالية الجديد» فرأيت إرادة الحياة، بدل مشاهد الدمار، إذ أن آثار الدمار كانت قد أزيلت، وعادت الناس إلى بيوتها، إن لم نقل أنها لم تغادرها رغم القصف التي تعرضت له تلك المنطقة. وصلت حديقة الرشيد، حيث كان ينتصب في مدخلها الشرقي تمثاله النصفي، ذلك التمثال الذي تدحرج بين أقدام المسلحين ذات يوم من صيف 2013 وكأن المطلوب ليس طمس معالم الحاضر وحسب، بل الماضي أيضاً !! آنذاك لم يتوقف الأمر عند تمثال هارون الرشيد، فهو في الحقيقة ليس له أي قيمة تاريخية أو فنية، لأنه نتاج المرحلة المعاصرة، والتي تتسم باعتنائها بالشكل، مع إهمال تام ومطلق بالموضوع !! فكان ذلك التمثال من الجبس، قام بصبّ قالبه أحد فناني الرقة، ويمكنه أن ينسخ منه آلاف النسخ، الأهمية الحقيقية كانت لمتحف الرقة، الذي تم إحصاء موجوداته، ونقلها بذريعة حمايتها، ولم تعد أبداً! كانت الشوارع النظيفة جدا تأخذني إلى ذكريات نسيتها كما نسيتني، مما جعلني أحتفظ في ذاكرتي بسؤال عن أسباب تلك النظافة الطارئة على مدينة الرقة، لأعرف في ما بعد، أن ولاية الرقة، التي لا يعرف أحد اسم واليها! جمعت كل عمال النظافة السابقين، والذين ما زالوا يقبضون رواتبهم كبقية الموظفين في سوريا، ومنحتهم إضافة لرواتبهم التي يقبضونها من إداراتهم السابقة مبلغ / 15000/ ل.س شهرياً، وأمّنت لهم كافة متطلبات النظافة، من أدوات وناقلات وغير ذلك، وطلبت منهم بصرامتها المعهودة أن تكون المدينة نظيفة، فكانت نظيفة.
في هذه الأثناء رأيت البعض من عناصر «داعش» يرتدون لباساً يشبه لباس الرجال في باكستان، إلا أن لونه فضي، ينظّمون السير، فعرفت أنهم شرطة المرور، ولديهم شارات مكتوب عليها «شرطة المرور الإسلامية»، وثمة سيارات منتشرة في الشوارع، ذات لون فضي أيضاً، مكتوب عليها بخط كبير «الحسبة»، والحسبة هو جهاز أمني يشبه هيئة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر «الموجودة في المملكة العربية السعودية، ويقوم ببعض مهامها أيضاً، كمنع الناس من الوجود في الأسواق والشوارع أثناء فترة الصلاة، وهذا الجهاز معني بمراقبة الناس في الأسواق، وكذلك هو المسؤول عن حركة المسافرين، ويقسم إلى قسمين، القسم الأول يقوم عليه رجال، وهو مسؤول عن الرجال في الولاية، وثمة قسم آخر، يحمل اسم كتيبة الخنساء، وهذا القسم تقوم عليه نساء، ومهامهن مراقبة النساء، وتفتيشهن، والتحقيق معهن إذا اقتضت الحاجة، وهو مختلف عن جهاز الشرطة بمهامه، فثمة جهاز آخر يحمل اسم الشرطة الإسلامية، وهو معنيّ بالمشاكل التي تحدث بين الناس، إضافة للمداهمات والاعتقالات، ولديهم سياراتهم الخاصة أيضاً يضاف إلى ذلك الشرطة العسكرية الإسلامية، وهو جهازمعني بعناصر تنظيم «داعش»، ومراقبتهم، ورصد تحركاتهم. ما رأيته ماثلا للعيان! ومما يثير الانتباه هو قدرة الناس على التأقلم مع هامش الحياة المتاح لهم، وكأنهم بعيشون في ظلال أنفسهم! على بعد خطوات قليلة مني كانت مجموعة من الناس قد تجمهرت، فوقفت كما تقف الكلمة بين الشفتين، يشدني إلى الوراء خوفا من احتمالات أقلها الاعتقال، وتدفعني إلى إكمال ما جئت من أجله، رغبة مجنونة بمعرفة كل ما يمكنني معرفته، فأصخت السمع من مكاني، من دون أن أقترب من الحشد، فعرفت أن أحدهم أطلق صفة «داعشي» على رفيق له، وقد سمعه أحد العناصر، وحين همّ باعتقاله، باعتبار تلك الصفة يعتبرونها إهانة، وقد حال الناس بينه وبين اعتقال المتهم، بعد أن تملقوه كثيراً! قبيل «دوار النعيم» بقليل التقيت بأحد الأصدقاء القدماء، فتعانقنا، وتأبط كل منّا يد الآخر ومشينا، فسألته عن حاله، فكانت تلك الإجابة التي ما زالت ترنُّ في أذنيّ «الحمد لله .. كما ترى، مدعوشين وساكتين»، فوضعت يدي على فمه، وأخبرته بما رأيته قبل أن ألتقي به، مشينا معا بمحاذاة الملعب البلدي، حيث تتمركز القيادة العليا لتنظيم «داعش» ولم تكن هناك مظاهر حراسة، أو تشديد أمني، ثمة حراس مسلحون ببنادق على أبواب الملعب، والاتحاد الرياضي سابقا، ومن ثم عبرنا الطريق لنمر بين حديقة الأطفال وحديقة البجعة، فرأيت الدمار الكارثي بتلك المنطقة، إذ أن الحي بأكمله قد تراكم على بعضه البعض، كانت المنطقة تضم على جانبي الطريق الفاصل بين البيوت أكثر من خمسين منزلا مأهولا، تحولت إلى خبر بعد عين، كان الخراب الذي تعرضت له تلك المنطقة يفوق الوصف، فسألته عن الضحايا، فأجابني بأن الموت لم يعد يُجيد الانتقاء، كما عودنا، ولم يعد للأموات رصيد من الحزن والدموع كما عودناهم، فما هي فائدة إحصاء الضحايا، أو معرفة عددهم، أعتقد أن كلمة كثير تكفي، وصمت. فلم أشأ إهانة الدموع التي تزاحمت على ضفاف مقلتيه بأسئلتي، في هذه الأثناء رفع آذان العصر، كنا بالقرب من مسجد الفردوس، فأخذني صاحبي من يدي ودخل بي الجامع، ومن دون وضوء بدأ يخلع نعليه، فأخبرته أنني لست على وضوء، فقال: لا يهم، ودخل أمامي فتبعته، صلينا ما تيسر من ركعات، وجلسنا نستمع إلى درس قام بإلقائه علينا أحد عناصر «داعش»، كنت على نية مغادرة المسجد، حين بدأ الدرس، فأمسك بي صديقي، وأخبرني همساً، أنهم لا يسمحون بمغادرة المسجد إلا بعد الاستماع للدرس، فسألته عن عقوبة من يخالف هذا القانون، فأخبرني أنهم يأخذون بطاقته الشخصية، ويلزمونه بحضور دورة شرعية لمدة / 11/ أو / 14 / يوماً . فانتظرنا إلى أن انتهى المتحدث من مواعظه، وغادرنا المسجد، فودعت صديقي متذرعاً ببعض المواعيد، وغادرت المنطقة باتجاه بيت أحد الأصدقاء.
شاعر سوري
qad
qpt